الصادق الرزيقي
أفريقيا برس – أرض الصومال. تهب رياح عاتية على منطقة القرن الأفريقي، التي قد تشهد برمتها تحولات كبرى في أعقاب تسارع وتيرة الأحداث، من حرب السودان إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ”إقليم أرض الصومال” الانفصالي، دولة ذات سيادة، مما يكرس فصل هذا الجزء من الصومال عن الوطن الأم، في سياق مشروع تقسيمي صهيوني- أميركي تم إقراره منذ سنوات طويلة.
ولن تكون هذه الخطوةـ إن كتب لها النجاح ـ آخر الانشطارات المتوقعة في هذه المنطقة المطلة على أهم ممر مائي دولي للتجارة الدولية، ذي خصائص جيوسياسية وإستراتيجية، كما ستكون الخطوة مغرية لمجموعات انفصالية في دول أخرى بالإقليم كانت تتحفز لاتخاذ قرار مشابه.
ويبدو أن اللعبة الدولية في السابق كانت تحاول إنضاج المشاريع الانفصالية في المنطقة على نار هادئة، ولكن بعد انفصال جنوب السودان في 9 يوليو/تموز 2011، جأرت جهات عديدة برغبتها في الانفصال عن بلدانها، مثل إثيوبيا الواقعة وسط محيط متلاطم من الأحداث والتوترات، وهي مثخنة الجسد بالقوميات المتطلعة إلى كيانات مستقلة وهويات ذاتية، مثل إقليم تيغراي الذي يصارع منذ فترة طويلة، بالإضافة إلى أقاليم إثيوبية أخرى تعلن بلا مواربة عن الاتجاه ذاته، وسرت في عروقها حمى التخلص من عرى الدولة المركزية، والاستئثار بمواردها وثقافتها وحقوقها.
وتعد إثيوبيا اللاعب الخفي وراء الاعتراف بـ”إقليم أرض الصومال” الانفصالي. بدأ التنسيق بين هرجيسا وأديس أبابا منذ وقت طويل، ثم تعزز بالاتفاق الذي وقع في 2023 بين الجانبين، لمنح إثيوبيا منفذا على البحر بطول عشرين كيلومترا، يصل ميناء بربرة.
ولعل إذكاء النار في انفصال أرض الصومال، لعبت فيه الحكومة الإثيوبية دورا كبيرا مع حكومة تل أبيب وأطراف إقليمية أخرى تعمل على إعادة رسم حدود المنطقة، وتوليد دويلات جديدة.
وكانت التصريحات الإثيوبية الأخيرة تؤكد دائما أنها ستصل إلى البحر مهما كانت النتائج، وهو تعبير عن ثقة لا حدود لها في حتمية الخطوة والاعتراف. ولهذا، يُتوقع في القريب العاجل أن يصدر الاعتراف الإثيوبي بأرض الصومال، وستشرع فورا في تنفيذ اتفاق يناير/كانون الثاني 2023.
في الحالة الإثيوبية الداخلية، ربما يرتد السهم إلى النحر، فالقوميات الإثيوبية في إقليم (بني شنقول) المحاذي للسودان، وإقليم (العفر) في الشرق والشمال الشرقي، والصومال الإثيوبي (أوغادين) شرقا، و(تيغراي) و(إقليم أمهرة) غربا، بجانب الإقليم الأكبر مساحة والأكثر عددا من ناحية السكان (الأورومو)، بجانب القوميات الأخرى في الجنوب المتداخلة مع كينيا، وجنوب السودان، لا تبدو جميعها بعيدة عن جائحة الانفصال.
بينما تسعى جهات خارجية أيضا لتفجير الأوضاع وصناعة حالة من الفوضى داخل إريتريا التي تحظى بساحل طويل على البحر الأحمر (حوالي 1000 كيلومتر)، وعدد من الجزر والموانئ الطبيعية، بما قد يكون له مردود سلبي على تماسك هذه الدولة. فحتى استقلال إريتريا في أبريل/نيسان 1993، كانت إثيوبيا تتسيد هذا الساحل وتملكه، وقد باتت بعد هذا التاريخ دولة مغلقة.
تواجه إريتريا شبح حرب على حدودها مع إثيوبيا، وكانت أسمرا تشعر طوال الفترة الماضية أن التصريحات الإثيوبية حول حتمية وصولها إلى البحر، تستهدف ساحلها بالأساس، فضلا عن الخلاف الكائن أصلا بين البلدين. لكن في الحالتين: الإثيوبية والإريترية، وربما جيبوتي، فإن (العفر) المقسمِين على هذه الدول الثلاث، لديهم أحلامهم الخاصة ورغبتهم في كيان يعزز هويتهم العفرية.
أما الصومال، الذي ينتظر استحقاقا انتخابيا لاختيار رئيس جمهورية من بين عدد من المرشحين في النصف الأول من عام 2026، فستواجهه عواصف وعقبات قد تهدد بتأجيل الانتخابات النيابية وتعطل التطور الديمقراطي المتنامي فيه.
وبدأت جهات صومالية تحذر من خطورة أن تتبع بعض الأقاليم الصومالية ما حدث من هرجيسا، فهناك منطقة بونتلاند الصومالية التي تفصل بين الصومال وإقليم أرض الصومال الانفصالي، فرغم وجودها تحت سيادة الدولة الصومالية حاليا، فإن نزعتها للانفصال موجودة، وتتعرض لضغوط من قوى إقليمية ودولية لاتخاذ موقف مماثل لأرض الصومال، نظرا للوجود الصهيوني وأطراف إقليمية في قاعدة “بوصاصو” وبعض الموانئ الأخرى على المحيط الهندي وخليج عدن.
وهناك أقاليم جنوبية في جوبالاند تتعرض للضغوط ذاتها، ويبدو أن الشعب الصومالي في كل هذه المناطق قد بدأ يتوحد رفضا للمعطى الجديد بإلقاء إسرائيل بثقلها في الملف الصومالي، فموقف شعب الصومال رافض للكيان الصهيوني ومعتز بمواقفه الإسلامية والعربية.
في الاتجاه ذاته، تشعر جيبوتي بخطر كبير يهدد وجودها؛ بسبب سياساتها الخارجية في الفترة الأخيرة، التي اتسمت بالممانعة تجاه بعض الأطراف الإقليمية، إلى جانب تعرضها لضغوط من الولايات المتحدة وإثيوبيا، وخلافها المستمر مع دول إقليمية حول ملف الموانئ.
وتجد حكومة الرئيس إسماعيل عمر جيله نفسها تسير فوق سطح صفيح ساخن، إذ ستنعكس خطوة انفصال إقليم أرض الصومال عليها مباشرة، نظرا للقواسم الاجتماعية والسياسية المشتركة بين الجانبين.
كما أن جيبوتي مهددة بفقدان موارد ضخمة إذا حصلت إثيوبيا على منفذ بحري؛ لأن هذا المنفذ سيكون بمثابة شهادة وفاة للموانئ الجيبوتية. ومن المتوقع أن تعمل أديس أبابا على إنشاء ميناء ضخم بتمويل خارجي كبير، وبدعم إقليمي ودولي، خاصة من أطراف ضالعة في أحداث المنطقة.
إذا كان هذا التطور الجديد بمثابة بركان تفجر وتكاد حممه تغطي كل المنطقة، فإن الجوار العربي يشعر بالخطر الكبير، خاصة المملكة العربية السعودية، ومصر، واليمن، والسودان. وقد عبرت هذه البلدان عن رفضها القاطع الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، وتحركت الجامعة العربية وعززت موقفها بموقف الاتحاد الأفريقي. ولن تقف هذه الدول موقف المتفرج.
غير خافٍ أن مصر، التي سعت منذ فترة للتواجد في الصومال، ولديها قوات هناك ضمن قوات الحماية الأفريقية، زادت من تنسيقها السياسي مع مقديشو، وكانت لديها مساعٍ لتقريب الشقة بين الصوماليين لمنع الانفصال، كما سعت لبناء تحالف سياسي إقليمي يضم مصر، والسودان، وإريتريا، وجيبوتي، والصومال.
وتعلم القاهرة أن الرابح الأكبر من الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، هي إثيوبيا، وسينتقل الخلاف وصراع النفوذ على مصادر المياه، بسبب التغلغل الإسرائيلي، إلى مربع آخر يهدد بشكل مباشر الأمن القومي والمائي المصري.
ولا تبدو هنا خيارات القاهرة والرياض ضئيلة، فهناك فرص متاحة لتضامن الدول المتشاطئة في البحر الأحمر، وربما يفتح المجال لتعاون ما مع اليمن، الذي تشعر فيه جماعة أنصار الله الحوثيين أن هذه الخطوة على خاصرة اليمن هي تهديد مباشر لها، وستعمل إسرائيل على بناء قواعدها العسكرية وتقوية وجودها مع حلفائها الإقليميين لضرب اليمن وإنهاء وجود جماعة أنصار الله، وتدمير قدراتها العسكرية وإخراجها من صف المقاومة.
ويُضاف إلى ذلك أن القواعد الإسرائيلية المحتمل قيامها هناك تمثل خط هجومٍ أماميا متقدما على إيران، لا يفصله عنها سوى مياه المحيط الهندي وبحر عمان.
خلاصة القول: إن مخطط تغيير الجغرافيا السياسية في القارة الأفريقية قد بدأ من قرنها الأفريقي، وهو أكثر مناطق الصراع في القارة السمراء تعقيدا وأهمها من الناحية الإستراتيجية. وغني عن القول أن السيطرة على مناطق مهمة في القرن الأفريقي، تعني السيطرة على كامل شرق ووسط وجنوب القارة.
وهذا الذي يجري يفسر بلا غموض لماذا حدث التغيير للنظام الحاكم في السودان في عام 2019. لقد تمت إزاحة نظام قوي له خبرة وقراءة إستراتيجية ونظرة تحررية للمنطقة الأفريقية، وتحرك فاعل في محيطه الإقليمي والقاري.
ثم جاءت حرب السودان لإخراج دولة مهمة ذات سمات مؤثرة في المنطقة من لعب أي دور معارض لمشروع تقسيم المنطقة وتجزئتها وتفتيتها.
ويواجه السودان خلال الحرب الحالية خطر تشظٍ وشيك بفصل دارفور وبعض مناطق كردفان بغربي السودان وإعلان دولة جديدة، والتمهيد لدويلات قزمية قادمة، كما تواجه مناطق أعالي النيل في جنوب السودان والولايات الاستوائية تنامي الدعوات الانفصالية، والشيء نفسه في كينيا.
إذا تم تنفيذ هذا المخطط كمقدمة لرسم خريطة القرن الأفريقي، فإن العالم موعود بمشاهدة فسيفساء القرن الأفريقي، والقطع الجغرافية المبعثرة في شرق أفريقيا.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن أرض الصومال عبر موقع أفريقيا برس





