أفريقيا برس – أرض الصومال. نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريرا، بعنوان: “الإمارات تبني سرا قاعدة عسكرية في أرض الصومال لصالح أمريكا وإسرائيل”، كاشفة عن أن “مطار بربرة”، بالإقليم غير المعترف به دوليا يجري تحويله ليصبح قاعدة عسكرية قرب أحد أهم الطرق البحرية في العالم، لصالح: أبوظبي، وتل أبيب، وواشنطن.
وتقع أرض الصومال وعاصمتها “هرجيسا”، على خليج عدن أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما بالعالم، وتمتلك شريطا ساحليا حوالي 800 كيلومتر، فيما يحتل ميناء “بربرة” موقعا استراتيجيا على “خليج عدن” وقرب مضيق “باب المندب”، أحد أهم شرايين التجارة العالمية وإمدادات الطاقة بين آسيا وأوروبا، ما جعل الإقليم المنفصل عن الصومال عام 1991، محور اهتمام قوى عالمية وإقليمية، ودفع إسرائيل للاعتراف به كإقليم مستقل وسط رفض مصري وعربي وإسلامي.
وكشفت اليومية الفرنسية، 6 تموز/يوليو الجاري عن صور لإنشاءات سرية تجري بعيدا عن أنظار العامة وتشرف عليها الإمارات في 3 مواقع بمدرج مطار “بربرة” بينها حفر 18 خندقا بين تشرين الأول/أكتوبر 2025 وآذار/مارس الماضي، عبارة عن حظائر تحت الأرض لتخزين الذخيرة أو خزانات الوقود، إلى جانب تجهيز منصات مرتفعة لنشر أنظمة دفاع جوي، على غرار رادار إسرائيلي سبق أن نشرته الإمارات بقاعدة “بوصاصو” بأرض بونتلاند في الصومال.
ولفت تقرير “لوموند” إلى تزايد حجم التعاون الأمني بين الاحتلال الإسرائيلي وأرض الصومال عبر زيارات متبادلة لوفود عسكرية واستخباراتية، وتدريب ضباط من أرض الصومال في تل أبيب، إلى جانب زيارة فرق من الجيش الإسرائيلي لقاعدة “بربرة”.
وألمح كذلك إلى زيارة قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داجفين أندرسون، الموقع نهاية 2025، متحدثة عن دوافع واشنطن بالبحث عن بديل لقاعدتها في جيبوتي القريبة من القاعدة الصينية والتي ترفض جيبوتي استخدامها لشن عمليات ضد “الحوثيين” باليمن.
وسبق “لوموند”، تحليل لـ”المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” في لندن، أكد أن مطار “بربرة” بالمستعمرة البريطانية السابقة التي نالت استقلالها عام 1960، يشهد تطويرا لبنيته التحتية العسكرية في تمهيد لوصول الجيش الإسرائيلي إلى الموقع، فيما قال “المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية”، إن الإمارات تعمل مع إسرائيل للمساعدة في ترسيخ وجود عسكري لها بأرض الصومال.
وفي تحليل لموقع “The Times of Israel”، كتبه الباحث في أمن الشرق الأوسط في قسم البحوث والتقييم الاستراتيجي بالجيش الأمريكي جاكوب ستويل، أشار إلى أن التحالف الإماراتي الإسرائيلي والإثيوبي في أرض الصومال يقابله تعزيز القاهرة وأنقرة والرياض علاقاتها مع مقديشيو، ما يعكس تصاعد التوتر بين الكتلتين في منطقة الشرق الأوسط، ملمحا إلى أن “تعميق التدخل الإسرائيلي في أرض الصومال قد يهدد بدفع الكتلتين إلى حرب بالوكالة في القرن الأفريقي”.
وفي حين اتخذت الإمارات جانب التحالف مع إسرائيل٬ تتوافق مصر والسعودية على ضرورة تأمين الملاحة بالبحر الأحمر، ووقعا في أيلول/سبتمبر 2025، بروتوكول بحري يؤسس لتحالف يشمل التنسيق وتوحيد القيادة والسيطرة، اعتمادا على قاعدة “برنيس” البحرية المصرية والمنشآت السعودية.
أصبحت واقعا
وفي قراءته لتشابكات المشهد في القرن الأفريقي وظهور الاحتلال الإسرائيلي وتأثيره على أمن البحر الأحمر وقناة السويس، قال الأكاديمي المصري الدكتور عصام عبدالشافي، لـ”عربي21′′، إن “الحديث عن قواعد عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال، لم يعد أقوال وتصريحات يتم تداولها هنا وهناك بين التقارير الإعلامية، ولكنه أصبح أفعال، ودخلت حيز التنفيذ الفعلي من سنوات”.
رئيس “أكاديمية العلاقات الدولية”، أضاف: “وما الإعلان عن اعتراف الكيان الإسرائيلي بانفصال أرض الصومال وتبادل الزيارات وتبادل السفارات إلا خطوات على طريق ترسيخ التغلغل الإسرائيلي في المنطقة معززًا بالدعم الإماراتي والإثيوبي، على حساب الأمن القومي للصومال أولًا، والأمن والاستقرار في القرن الأفريقي ثانيًا، والأمن القومي للدولة المصرية ثالثًا”.
وأوضح أن “الصومال والقرن الأفريقي ولقرون ممتدة يشكلان أحد أهم دوائر الأمن القومي المصري، وتعاظمت أهميتهما بعد افتتاح قناة السويس 1869 من ناحية، ومع التهديدات التي تواجه الأمن القومي المائي المصري في حوض النيل، من ناحية ثانية”.
بين الدوائر الأولى والتالية
وعن احتمالات التحرك المصري المضاد، أعرب عن أسفه الشديد قائلا: “لا أعتقد ولا أتوقع أن يتحرك النظام الحاكم في مصر، تحركًا جادًا وحقيقيًا بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي والسياسي والوجود الهش في جمهورية الصومال، لمواجهة الكيان في أرض الصومال”.
وتساءل: “كيف لنا أن نتوقع ذلك مع غياب الدور المصري في مواجهة حرب الإبادة في غزة، التي ترتبط بحدود برية وبحرية مباشرة مع الدولة المصرية؟، وكيف نتوقع ذلك، والنظام يقوم بتوقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية مع الكيان سواء في الغاز أو التبادل التجاري أو في التعاون والتنسيق الأمني والعسكري مع الكيان؟، وكيف نتوقع ذلك والنظام شبه غائب عما يحدث في ليبيا والسودان؟”.
وخلص للقول: “إذا كان النظام لم يفعل شيئا في مواجهة التهديدات الاستراتيجية في الدائرة الأولى للأمن القومي المصري، وهي دائرة دول الجوار المباشر التي نشاركها في حدودنا، فهل نتوقع منه دورا في الدوائر التالية؟”.
ماذا يستفيد الاحتلال؟
وفي حين تزامن إنشاء تلك القاعدة مع اعتراف الاحتلال الإسرائيلي باستقلال أرض الصومال، 26 كانون الأول/ديسمبر الماضي، واعتماد أوراق أول سفير لأرض الصومال لديها، فإنه يأتي في ظل رغبة تل أبيب في الحصول على موطئ قدم قرب اليمن لوقف هجمات الحوثيين على منشآت جيش الاحتلال وسفن الكيان المارة بمضيق باب المندب خلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية (2023-2025) على قطاع غزة.
وأشار تحليل “The Times of Israel”، إلى فرص إسرائيل الاقتصادية من الحضور في أرض الصومال وفتح أسواق بأفريقيا أمام البضائع الإسرائيلية، ووصول المصدرين الأمريكيين إليها، وذلك إلى جانب الاستفادة في المجال الاستراتيجي العسكري بمواجهة الحوثيين عن قرب في ظل بُعد المسافة وصعوبة الوصول للأراضي اليمنية.
وفي السياق، كشف موقع “دروب سايت” الإخباري الإسرائيلي، عن إقامة تل أبيب وجودا استخباراتيا لها في أرض الصومال ومطار بربرة، مؤكدا أن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية ستتيح موطئ قدم عسكريا لها على ممر مائي حيوي قرب مضيق باب المندب، مؤكدا على تدريب مخابراتي لعناصر تابعة لإقليم الصومال بالاحتلال الإسرائيلي.
وإثر الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، ذهب الباحث بمعهد الدراسات الأمنية بجنوب إفريقيا موسى كريسبوس أوكيلو، للقول بحديثه لقناة “الجزيرة”، إن “الجائزة الكبرى لإسرائيل ليست أرض الصومال، بل البحر الأحمر”.
ماذا عن الإمارات؟
ومنذ العام 2017 ٬ شرعت الإمارات في بناء قاعدة جوية ومنشأة بحرية بإقليم أرض الصومال، وتطوير “ميناء بربرة” وخط سكة حديد للشحن إلى إثيوبيا، في تحرك أقلق صانع القرار المصري في ظل صراع ممتد مع إثيوبيا لنحو 15 عاما حول ملف مياه النيل وبناء أديس أبابا سدا على النيل الأزرق يهد حصص القاهرة التاريخية من المياه (55.5 مليار متر مكعب سنويا).
وفي تعليقه على خبر “لوموند”، أشار موقع “Middle east monitor”، إلى استثمار الإمارات في “ميناء بربرة” وتشغيله عبر “موانئ دبي” العالمية، ملمحا إلى أن أبوظبي استخدمت سابقاً مرافق بربرة لأغراض لوجستية وعسكرية خلال عملياتها باليمن قبل أن تقلص وجودها العسكري هناك مطلع العام الجاري.
وفي آذار/مارس الماضي، وصف رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله، الإمارات بأنها “بوابة إسرائيل إلى القرن الأفريقي”، متهما أبوظبي في حديث لمجلة “جون أفريك” بالتورط في زعزعة الاستقرار في اليمن والسودان والصومال وتشاد وليبيا.
ويؤكد مراقبون، أن الدور الإماراتي في تدشين تلك القاعدة يأتي “متجاهلا بشكل تام مخاوف الحليف المصري لأبوظبي”، موضحين أن “الحضور الإسرائيلي بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر يشكل خطرا حاليا ومستقبليا على الأمن القومي المصري وعلى أمن الملاحة في البحر الأحمر على حركة الملاحة بقناة السويس”.
ويرون أن “الهدف الآني لإسرائيل والإمارات وأمريكا هو الضغط على الحوثي، ومنع إيران من الوصول لتلك المنطقة البحرية الهامة من العالم، واستمرار تدفق التجارة العالمية، بجانب هدف ملح للأمريكيين وهو مناهضة مشروعات الصين التجارية في إطار مشروع (الحزام والطريق)، خاصة مع إدارة بكين ميناء (دوراليه) في جيبوتي إلى جانب قاعدة عسكرية قرب الميناء لاستيعاب السفن الحربية والغواصات الصينية منذ 2017”.
ولكنهم يعتقدون أن “التحرك الرباعي لإنهاء أعمال الإنشاءات في ميناء تسيطر عليه إسرائيل، قد يتغير الهدف المستقبلي له، وفق القراءة المصرية للمشهد ليصبح استهداف مصالح مصر في البحر الأحمر”، مشددين على “أهمية التحرك المصري لمجابهة المشروع الخطير الذي قد يتحكم في باب المندب”.
وإلى جانب ذلك التحرك الرباعي، تأتي الرغبة الإثيوبية في الحصول على موطئ قدم بحري لها عبر أرض الصومال وما تشكله من خطر على مصالح مصر البحرية، وما تضيفه من ضغوط على القاهرة في ملف مياه النيل بشكل عام، والسد الإثيوبي بشكل خاص، وذلك مع توقيع إثيوبيا وإقليم أرض الصومال مذكرة تفاهم في كانون الثاني/يناير 2024، تمنح أديس أبابا منفذا بحريا على خليج عدن عبر ميناء بربرة.
تحركات مصرية سابقة
ويجيء حضور الحلفاء الثلاثة أبوظبي وتل أبيب وواشنطن في بربرة بالوقت الذي دشنت فيه مصر أسطولها الجنوبي بمدينة سفاجا كانون الثاني/يناير 2017، للسيطرة على مسرح العمليات البحرية بالبحر الأحمر وباب المندب، وتأمين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للبلاد، وحماية السواحل والمجرى الملاحي لقناة السويس.
وتحتل مصر المركز الرابع عالميا في تصنيف القوات البحرية التي تمتلك حاملات مروحيات، بامتلاكها قطعتين من طراز “ميسترال” الفرنسية منذ 2016، بقيمة 1.1 مليار يورو، وفرقاطة “FREMM” الفرنسية بنحو مليار يورو عام 2015، وفرقاطتا “FREMM Bergamini” الإيطاليتان بين 1.2 و1.5 مليار يورو، عام 2020، وفرقاطات “MEKO A-200EN” الألمانية بنحو 2.7 مليار دولار، مع توجه لشراء 4 غواصات “باراكودا” فرنسية بتكلفة بين 4.5 و6 مليارات دولار.
ورفضت القاهرة الحضور الإثيوبي و الإسرائيلي بأرض الصومال، خاصة مع إعلان رئيس الإقليم عبدالرحمن محمد عبدالله،كانون الثاني/يناير الماضي والذي استقبله الاحتلال الإسرائيلي في القدس بحفاوة كبيرة الشهر الماضي، بأنه لا يستبعد منح شركة إسرائيلية ميناء على أرض الإقليم، وما سبقه في أيار/مايو الماضي من إعلان رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، بالقمة الأفريقية تمسك بلاده الحبيسة بالوصول لمنفذ بحري.
وأكدت الدبلوماسية المصرية مرارا رفضها أي حضور من غير دول البحر الأحمر الثمانية: (مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي)، و(فلسطين والأردن والسعودية واليمن) في ترتيباته الأمنية، محذرة في 25 أيار/مايو الماضي من مساع عسكرة البحر الأحمر وتدويله، داعية لــ”الحفاظ على أمن واستقرار القرن الإفريقي، باعتباره امتدادا للأمن القومي المصري”.
وفي هذا السياق وقعت مصر والصومال اتفاقية دفاع مشترك في 14 آب/أغسطس 2024 بالقاهرة، لدعم قدرات الجيش الصومالي، ما تبعه أنباء عن إرسال مصر 3 شحنات أسلحة خفيفة ومركبات مدرعة في آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2024، وتدريب 3 آلاف جندي من الجيش الصومالي في مصر منذ 2023، ثم إرسال قوات مصرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي إلى مقديشو في شباط/فبراير الماضي.





