إذا كان هناك كوكب تاسع حقا فلماذا لم يره أحد حتى الآن؟

4
إذا كان هناك كوكب تاسع حقا فلماذا لم يره أحد حتى الآن؟
إذا كان هناك كوكب تاسع حقا فلماذا لم يره أحد حتى الآن؟

افريقيا برس أرض الصومال. ثمة ظواهر غريبة تحدث في أطراف مجموعتنا الشمسية، إذ يجذب جرم سماوي تزيد كتلته على كتلة الأرض بعشر مرات، سائر الأجرام نحوه، فهل هذه الجاذبية مصدرها كوكب، أم شيء آخر.

في القرن التاسع عشر، قرر بيرسيفال لويل، كاتب الرحلات ورجل الأعمال فاحش الثراء، بعد أن أنهى قراءة كتاب عن المريخ، أن يصبح عالم فلك. وعلى مدى العقود اللاحقة، طرح افتراضات عجيبة.

فقد كان واثقا من وجود سكان على كوكب المريخ، وظن أنه رآهم، (رغم أنه كان مخطئا). وعندما وثّق البعض وجود خطوط غريبة تقطع كوكب المريخ، افترض لويل أن هذه الخطوط هي قنوات شقتها الحضارة الزائلة في محاولة يائسة للحصول على الماء من الغطاء الجليدي القطبي.

وأنفق لويل ثروته على بناء مرصد فلكي كامل لفحص هذه القنوات، التي تبين أنها كانت مجرد خداع بصري نتج عن رؤية الجبال وفوهات البراكين على سطح المريخ من تلسكوب رديء.

وكان لويل يعتقد أن كوكب الزهرة تغطيه خطوط تشبه القضبان تبدأ من مركزه. ويبدو أنه كان الوحيد الذي يرى هذه الخطوط، فقد باءت محاولات مساعده للعثور عليها بالفشل. وتبين الآن أن هذه الخطوط كانت ظلال قزحية العين على العدسة عند النظر عبر التلسكوب.

لكن لويل لم يصر على شيء قدر إصراره على وجود كوكب تاسع في مجموعتنا الشمسية، وهو الكوكب “إكس” الافتراضي، الذي كان يُعتقد آنذاك أنه المسؤول عن الانحرافات في مدارات كوكبي أورانوس ونبتون، العملاقين الجليديين الأزرقين وأبعد كوكبين عن الشمس. وأفنى السنوات العشر الأخيرة من حياته في البحث عن هذا الكوكب العملاق الخفي، وبعد أن أصيب بانهيار عصبي مرات عديدة، توفي عن عمر يناهز 61 عاما.

ولم يكن يخطر على باله أن البحث عن هذا الكوكب سيستمر حتى عام 2021.

أدلة زائفة

وهب لويل قبل موته مليون دولار لهدف العثور على الكوكب “إكس”، وبعد معركة قانونية مع أرملته، استأنف العلماء في مرصده الفلكي البحث.

وفي عام 1930، بعد 14 عاما من وفاته، لاحظ عالم فلك شاب في إحدى الصور الملتقطة للسماء المزينة بالنجوم، بقعة صغيرة بينها، كانت تبدو كأنها عالم صغير. واكتشف أنه بلوتو، الذي كان يُعتقد لفترة أنه الكوكب المراوغ “إكس”.

وسرعان ما أدرك العلماء أن هذا الكوكب لم يكن هو كوكب “إكس” المنشود، إذ لم يكن كبيرا بما يكفي لسحب كوكبي نبتون وأورانوس وإخراجهما عن مسارهما.

وفي عام 1989، كشفت رحلة المركبة الفضائية “فوياجر 2” أن كوكب نبتون أخف نسبيا عما ظن العلماء في السابق. وأعاد أحد علماء وكالة ناسا الفضائية احتساب مدارات الكوكبين العملاقين، ودحض نظرية وجود تفاوتات بين مواضع الكوكبين وبين مدارتهما التي حددها علماء الفلك، ودحض معها الأدلة على وجود الكوكب “إكس”.

لكن سرعان ما ظهرت أدلة جديدة كانت نواة لأبحاث جديدة عن الكوكب التاسع. إذ قادت بعثة “فوياجر” إلى اكتشاف وجود حزام كايبر، الذي يضم مجموعة من الأجرام المجمدة تقع خارج مدار كوكب نبتون، وتعد أحد أكبر معالم مجموعتنا الشمسية. ويُعتقد أن هذا الحزام، بحكم ضخامته، يحتوي على مئات الآلاف من الأجرام وكذلك تريليونات المذنبات.

وأدرك العلماء أن بلوتو ليس من المرجح أن يكون الجرم الكبير الوحيد في أطراف المجموعة الشمسية، وهذا دفعهم للتساؤل ما إن كان كوكبا من الأصل. وعثر العلماء على “سدنا” الذي لا يتجاوز نحو 40 في المئة من حجم بلوتو، و”كواور” الذي يعادل نصف حجم بلوتو، و”أيريس”، الذي يعادل حجم بلوتو.

وفي عام 2006، قرر الاتحاد الدولي لعلماء الفلك تصنيف بلوتو وكذلك الأجرام السماوية المكتشفة حديثا على أنها “كواكب قزمة”.

تأثير مجهول المصدر

واكتشف العلماء أن الكوكب سدنا لا يدور في مدارات بيضوية حول الشمس من داخل حزام كايبر، كما كان يظن الجميع، بل يتخذ مدارا عجيبا وغير متوقع، يتأرجح من 76 وحدة فلكية من مركز مجموعتنا الشمسية إلى أكثر من 900 وحدة فلكية. فهذا المدار متعرج إلى درجة أن دورته حول الشمس تستغرق 11 ألف سنة.

وبدا وكأن هناك قوة ما تسحب سدنا وتجعله ينحرف عن مداره. وفي عام 2016، نشر مايك براون، أستاذ علم الفلك الكوكبي بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وزميله كونستانتين باتيجين، أستاذ علم الكواكب بالمعهد، ورقة بحثية تقترح وجود كوكب عملاق، أكبر من كوكب الأرض بما يتراوح بين خمس وعشرات مرات.

وقد بنى العالمان هذا الافتراض على ملاحظة انحراف أجرام سماوية أخرى عن مدارها. فقد بدا كأن سدنا وستة أجرام أخرى، مسحوبة في نفس الاتجاه. واكتشفت أدلة أخرى، منها أن كلا من هذه الأجرام مائل عن محوره في نفس الاتجاه. وذكر الفريق أن احتمالات أن يكون انجذاب الأجرام الستة في نفس الاتجاه وبنفس زاوية الميل محض مصادفة لا يتجاوز 0.007 في المئة.

ويقول باتيجين: “كان أمرا لافتا، لأن هذا العنقود من الأجرام السماوية إذا تُرك لفترة طويلة بما يكفي قد ينفصل ويتناثر بفعل تأثير جاذبية الكواكب”.

وافترض العالمان أن قوة السحب الناتجة عن جاذبية الكوكب التاسع تؤثر على مدارات الأجرام حوله. وبعد عدة سنوات، زادت أعداد الأجرام السماوية التي تتخذ هذا المدار العجيب، ويقول باتيجين إنها وصلت الآن إلى 19 جرما.

ومع أن هذا الكوكب التاسع لم يره أحد بعد، إلا أن العلماء استنتجوا كمية هائلة من المعلومات عنه. إذ افترضوا أن مداره شديد الانحراف بمسافة تبدأ من 300 وحدة فلكية وتصل إلى 600 وحدة فلكية، وأنه كشأن أورانوس ونبتون، كوكب متجمد جوفه صلب.

ثم تساءل العلماء عن نشأة الكوكب التاسع، واقترح العلماء ثلاثة افتراضات، أولا أنه تكوّن في نفس المكان الذي يختبئ فيه الآن. لكن باتيجين يستبعد هذا الافتراض لأن هذا يتطلب تمدد المجموعة الشمسية.

ويرى البعض أن الكوكب التاسع هو كوكب دخيل قد سُرق من نجم آخر منذ زمن بعيد عندما كانت الشمس لا تزال في العنقود النجمي الذي ولدت فيه، وعندما انفصلت الشمس عن هذا العنقود النجمي ظل الكوكب التاسع عالقا في مدار حول الشمس. لكن باتيجين يقول إن مشكلة هذا الافتراض أنه يفتح الباب لاحتمالات فقدان الكوكب في المواجهة القادمة.

وثمة فرضية أخيرة، يفضلها باتيجين، وهي أن الكوكب تكوّن بالقرب من الشمس في وقت كانت المجموعة الشمسية لا تزال في مراحلها المبكرة ولا تزال الغازات تتجمع لتكوين الكواكب، ثم تفرّق بفعل جاذبية كوكبي المشترى وزُحل، وغيرت النجوم مداره.

مكان اختباء غامض

كل هذا يطرح سؤالا مهما: إذا كان الكوكب التاسع موجودا بالفعل، فلماذا لم يره أحد بعد؟ يقول باتيجين: “لم أعرف مدى صعوبة البحث عن كوكب تاسع حتى شرعت في النظر بنفسي مع مايك عبر التلسكوب. وذلك لأن معظم عمليات الرصد الفلكي لا تركز على هدف واحد”.

إذ يبحث علماء الفلك عادة عن مجموعة من الأجرام السماوية، ويعثرون على بعض ما يبحثون عنه حتى لو كان نادرا. لكن البحث عن جرم واحد يعد أمرا عسيرا. ويقول باتيجين: “هذا الكوكب لا يوجد إلا في جزء صغير من السماء”، مضيفا أن التلسكوب الوحيد الذي قد يساعدنا في العثور على الكوكب التاسع هو تلسكوب “سوبارو”.

وبإمكان تلسكوب “سوبارو” العملاق الذي يبلغ ارتفاعه 8.2 مترا، ويوجد على قمة بركان مونا كيا في هاواي، رصد الإشارات الضوئية الضعيفة الصادرة من الأجرام السماوية البعيدة. ومن ثم قد يساعد العلماء في رؤية الكوكب البعيد، الذي يرون أنه ليس من المرجح أن يعكس أي ضوء من الشمس.

ويستخدم باتيجين هذا التلسكوب ثلاث ليال سنويا، لكنه يقول إن بناء تلسكوب “فيرا روبين” في تشيلي من المتوقع أن يكتمل في العامين المقبلين، وبإمكان هذا التلسكوب مسح السماء بانتظام وتصوير المشهد بأكمله كل بضع ليالي لرصد الأجرام السماوية.

لكن هناك فرضية أخرى مفادها أن تأثير الجاذبية قد يكون ناتجا عن ثقب أسود وليس كوكبا تاسعا.

ويقول جيمس أنوين، أستاذ الفيزياء بجامعة إلينوي بشيكاغو، الذي افترض هذه النظرية مع جاكوب شولتز، باحث ما بعد الدكتوراة بجامعة تورين: “إن كل الأدلة عن وجود جرم سماوي تدور حول قوة الجاذبية. لكن ثمة مصادر عديدة للجاذبية أكثر غرابة من الكواكب”.

فقد تكون هذه الجاذبية مصدرها كرة صغيرة من المادة المظلمة فائقة التركيز، أو ثقب أسود بدائي. وبما أن الثقوب السوداء هي أكثر الأجرام تركيزا في الكون، فإن أنوين يرى أنه من المحتمل أن تكون قوة جاذبيتها أثرت على مدارات الأجرام البعيدة في أطراف المجموعة الشمسية.

وتنشأ الثقوب السوداء النجمية، التي تفوق كتلتها كتلة الشمس بثلاث مرات على الأقل، عن انهيار النجوم على نفسها. أما الثقوب السوداء فائقة الكتلة، التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس ملايين أو مليارات المرات، فربما تكون بدأت في صورة نجوم هائلة الحجم ثم انفجرت داخليا وزاد تركيز كتلتها عن طريق ابتلاع كل ما يحيط بها بما في ذلك الثقوب السوداء.

أما الثقوب السوداء البدائية، فلم يرصدها العلماء قط، لكن يقال إنها تكونت من الطاقة الساخنة والمادة التي نشأت في اللحظة الأولى للانفجار العظيم. وفي هذه البيئة غير المتجانسة، أصبحت بعض أجزاء الكون أكثر كثافة من غيرها، وانضغطت إلى جيوب صغيرة لها نفس كتلة الكواكب.

ويرى أنوين أن مصدر هذه الجاذبية قد يكون ثقبا أسود بدائيا، لأنه أصغر كثيرا من الثقوب السوداء النجمية. ويقول شولتز، إن هذه الثقوب السوداء تشكلت في المراحل الأولى لتكوين الكون، ولهذا فإن كتلة هذه الثقوب السوداء أقل من كتلة النجم بمراحل، وقد لا تتجاوز رطلين، أي بحجم صخرة. وهذا الرأي يتفق مع الافتراض القائل إن الكتلة المفترضة للكوكب التاسع أكبر من الأرض بعشر مرات.

وتعد الثقوب السوداء شديدة الكثافة إلى درجة أن الضوء لا يمكنه الإفلات منها. وبسبب سوادها الحالك لا يمكن رصدها بأي تلسكوب على الإطلاق. لكن العلماء يستدلون عليها بوجود فراغ مظلم بين النجوم في السماء ليلا.

لكن إذا كانت كتلة هذا الثقب الأسود المفترض تفوق كتلة كوكب الأرض بعشر مرات، فإنه سيكون مضغوطا في حجم البرتقالة تقريبا. وسيكون العثور عليه بالطرق التقليدية مستحيلا.

وتفتق ذهن العلماء عن اقتراحات عديدة تراوحت من البحث عن أشعة غاما المنبعثة من الأجرام أثناء سقوطها في الثقوب السوداء، إلى إطلاق مجموعة من مئات المركبات الفضائية الصغيرة التي تمر بالقرب منه حتى يجذبها بنسبة طفيفة ثم تزيد سرعتها تدريجيا.

وبما أن قوة الجاذبية الغامضة مصدرها أطراف مجموعتنا الشمسية، فإن هذه المركبات الصغيرة ستدفعها أشعة ليرز تسلط عليها من الأرض لتصل سرعتها إلى 20 في المئة من سرعة الضوء. ولو انتقلت أبطأ من ذلك قد تقطع المسافة في مئات السنين.

وقد طورت هذه المركبات خصيصا لمشروع “ستارشوت” الذي يهدف لإرسالها إلى النظام الشمسي ألفا سنتوري الذي يبعد عن مجموعتنا الشمسية 4.37 سنة ضوئية.

وعن المخاوف من اكتشاف ثقب أسود خفي، يقول أنوين: “هناك ثقب أسود هائل الكتلة في قلب مجرتنا، لكننا لا نخشى أن يبتلع مجموعتنا الشمسية، لأننا ندور في مدار ثابت حوله”. وبينما قد يبتلع الثقب الأسود البدائي كل شيء في طريقه، فإن الأرض، كسائر الكواكب الداخلية، لا تقترب منه قط.

وعلى الرغم من أن الثقوب السوداء البدائية، لم تدرس ولم يعثر عليها قط، إلا أنها تشبه إلى حد كبير الثقوب السوداء النجمية، باستثناء أن اختلاف الحجم من المتوقع أن يؤدي إلى ظواهر عجيبة.

فثمة ظاهرة على سبيل المثال، يطلق عليها “تأثير الاسباغيتي”، التي قد تصفها بدقة قصة رائدة فضاء اقتربت من أفق الحدث، أي النقطة التي لا يمكن بعدها للضوء الإفلات من الثقب الأسود. فقد كان الفرق في تأثير قوى الجاذبية على جسمها هائلا إلى درجة أنها تمددت كالاسباغيتي.

وقد رصد علماء الفلك هذه الظاهرة بالفعل حين اقترب نجم من ثقب أسود نجمي يبعد 215 مليون سنة ضوئية عن الأرض ثم تمزق إلى شظايا صغيرة.

وبينما يحاول أنوين وشولتز العثور على ثقب أسود بدائي، فإن باتيجين لا يزال يأمل في العثور على الكوكب العملاق.

ويقول باتيغين: “إن معظم الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية، التي تدور حول نجوم تشبه الشمس، أكبر من حجم كوكب الأرض وأصغر من حجم كوكبي نبتون وأورانوس”. وربما يكون هذا الكوكب المفقود، أقرب ما يكون إلى هذه الكواكب في المجرة.

لكن على أية حال، فإن البحث عن الكوكب التاسع الأسطوري أسهم في تغيير فهمنا للمجموعة الشمسية، ومن يدري لعلنا نكتشف أسرارا جديدة قبل أن يصل هذا البحث إلى نهايته.