انتخاب رئيس جديد في الصومال لـ”تصفير الأزمات”

5
انتخاب رئيس جديد في الصومال لـ
انتخاب رئيس جديد في الصومال لـ"تصفير الأزمات"

أفريقيا برس – أرض الصومال. عاد إلى منصبه ثانية بعد خطاب اعتمد فيه “لهجة تصالحية”، مؤكدا أن “التسامح” سيكون شعار فترة رئاسته الجديدة، وبأنه لن يكون هناك “سعي للثأر” من خصومه السياسيين.

عرف باعتداله وتقبله للنقد، ورغم أنه مجهول لدى المجتمع الدولي، غير أنه تلقى تهاني من قادة الدول المؤثرة ومن رؤساء منظمات دولية وإقليمية عديدة.

لم يعرف له انتماء سياسي محدد، ولم يتول أي منصب وزاري في السابق، ولم يعرف بقربه من أي فصيل مسلح منخرط في الحرب الأهلية المزمنة التي تشهدها الصومال منذ عقود.

ينحدر حسن شيخ محمود، المولود عام 1955، في مدينة جللقسي وسط الصومال من قبيلة “أبغال”، إحدى أكبر القبائل الصومالية، حصل على شهادة بكالوريوس في التربية من الجامعة الوطنية الصومالية في مقديشو العاصمة عام 1981، وأكمل دراسة الماجستير بالهند عام 1988.

عمل شيخ محمود لدى إنهاء دراسته الجامعية أستاذا في جامعة حكومية حتى انهيار الحكومة المركزية عام 1990. ورغم حالة الفوضى إلا أنه لم يغادر حينها البلاد، ففي عام 1993 وجه جهوده إلى مجال التعليم فكان من مؤسسي “جامعة سيمد” إحدى الجامعات الأهلية المرموقة في البلاد.

كما عمل في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) كمسؤول تربوي. وفي عام 1999 شارك في تأسيس “المعهد الصومالي للإدارة والتنمية الإدارية” بمقديشو، قبل أن يؤسس في عام 2011، حزب “السلام والتنمية” الذي لا زال يرأسه.

دخل شيخ محمود غمار السياسة لأول مرة في عام 2012، كرجل أكاديمي وناشط بالمجتمع المدني، حين انتخب نائبا في البرلمان الصومالي.

وعرف محمود محليا بـ”رجل المفاجآت” بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2012 للمرة الأولى متفوقا على الرئيس شريف شيخ أحمد، ولم يكن محمود من بين المنافسين الأقوياء آنذاك، وبقي محمود في ولايته الأولى حتى عام 2017.

لدى وصوله للسلطة، اشتهر بسياسة توافقية، حيث استطاع تحقيق توافق بين أطياف المجتمع الصومالي، ومع رؤساء الولايات الفيدرالية الذين غالبا ما يخوضون صراعات سياسية مع القصر الرئاسي.

وحقق عدة إنجازات ومشاريع تنموية، ويعد مطار مقديشو الدولي أحدها، حيث جرى إنشاؤه من قبل شركة تركية، وجرى افتتاحه في عام 2014 بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

أبقى علاقات الصومال هادئة ومبنية على التعايش والاحترام المتبادل، خاصة مع دول الجوار. ولعب دورا مهما في تحرير عدة مناطق بالبلاد من قبضة حركة “الشباب” المسلحة.

كما ربطته علاقات قوية مع “حركة الإصلاح” فرع “الإخوان المسلمين” بالصومال، وتعاون معهم في عدة مشاريع خيرية كبناء مدارس التعليم الأساسي والثانوي ومرافق بالجامعات ومستشفيات الأبحاث في الصومال.

وعقب مغادرته الرئاسة تزعم جهود المعارضة ضد نظام الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو.

انتخبه البرلمان الصومالي الشهر الحالي ليكون رئيس الصومال العاشر بعد تفوقه على منافسه الرئيس المنتهية ولايته فرماجو بحصوله على 214 صوتا مقابل 110 أصوات لمنافسه.

وهو أول رئيس صومالي منتخب في مقديشو منذ بداية العملية الانتقالية الصعبة في البلاد منذ عام 2000 بدعم من المجتمع الدولي، وكان الرؤساء السابقون ينتخبون في بلدان الجوار لدواع أمنية.

وجرت الانتخابات بينما كانت القوة الأفريقية في الصومال التي تتدخل دعما للقوات الحكومية، تحقق سلسلة من النجاحات العسكرية ضد “حركة شباب المجاهدين”.

والواقع أن هذه المجموعة المتحالفة مع “القاعدة” طردت من مقديشو عام 2011 وخسرت في الأشهر الأخيرة العديد من معاقلها أمام هجمات القوة الأفريقية.

لكن “الشباب” لا يزالون يسيطرون على مناطق واسعة في وسط الصومال وجنوبه، ويشكلون، بحسب محللين، تهديدا جديا لاستعادة السلام في الصومال.

ومنذ الإطاحة بنظام الرئيس محمد سياد بري عام 1991، غرقت البلاد في الفوضى وتوالت فيها الحكومات الانتقالية منذ عام 2000.

وعلى وقع ذلك فقد بدد فوزه، غير المتوقع، المخاوف من إعادة إنتاج الشخصيات ذاتها التي ارتبط بعضها بفضائح فساد.

وقال محمود في كلمة من مجمع المطار في مقديشو الذي تحرسه قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي: “علينا المضي قدما ولسنا بحاجة إلى ضغائن ولا انتقام”.

وأضاف: “سنعمل من أجل مستقبل مشرق، وسأعمل على تنفيذ شعار حملتي وهو صومال مسالمة، تعيش بسلام مع العالم”.

وسيكون على الرئيس محمود العمل على إيصال البلاد إلى انتخابات رئاسية مباشرة، واستكمال دستور البلاد وعرضه على التصويت الشعبي لتحويله دستورا رسميا.

ودستور البلاد الحالي مؤقت، فيما ينتخب الرئيس عبر البرلمان بغرفتيه.

ومن المتوقع أن يحرك شيخ محمود هذا الملف من أجل مواصلة المفاوضات مع “صومالي لاند” لتحقيق وحدة وطنية تضم جميع أقاليم الصومال في المستقبل القريب.

ففي عام 1991 أعلنت “أرض الصومال” الواقعة في منطقة القرن الأفريقي انفصالها عن الصومال الذي حصل على استقلاله عن بريطانيا عام 1960.

إلا أنه على مدى السنوات الثماني والعشرين الماضية ظلت “أرض الصومال” غير معترف بها رسميا كدولة.

وبعد ساعات من الإعلان عن فوز شيخ محمود بالرئاسة، أكدت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن نبأ إعادة نشر مئات من القوات الأمريكية في الصومال، بعد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب في عام 2020 سحبهم من البلاد.

ولا تبدو الصورة زاهية أمام حسن شيخ محمود، أو أن طريقه مفروش بالورود والسجاد الأحمر، فثمة من يشككون في قدراته على إحداث فارق، فقد وصف من قبل معارضين له بأنه “ليس جيدا لكنه أخف الضررين” آملين “أن يتحسن ويصبح زعيما أفضل”.

لكن بشكل عام، داخليا وخارجيا، فقد اعتبر فوز هذا السياسي المرن والمتزن، بابا جديدا يفتح للمستقبل من أجل خلق علاقات بناءة أساسها حسن الجوار، لـ”تصفير” المشاكل بين الصومال ومحيطه الإقليمي، والدول العربية والدولية.

ويراهن المجتمع الدولي على أن فوزه، خطوة نحو إنهاء التجاذبات السياسية، وصفحة جديدة لاحتواء التوترات.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن أرض الصومال اليوم عبر موقع أفريقيا برس