خمسة ملايين صومالي معرضون للموت

3
خمسة ملايين صومالي معرضون للموت
خمسة ملايين صومالي معرضون للموت

أفريقيا برس – أرض الصومال. تتسع رقعة مخيمات النازحين في ضواحي العاصمة الصومالية مقديشو، حيث تغطي أكواخ جديدة مساحات واسعة، بينما لا تتوقف حركة تشييد المخيمات لإيواء النازحين الجدد الذين لا تتوفر لديهم أبسط الاحتياجات الأساسية، بالتزامن مع تقلص كبير في الدعم الإغاثي من المنظمات المحلية، وتراجع دعم الهيئات الدولية خلال السنوات الأخيرة.

وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة في الصومال، يواجه نحو 7.8 ملايين نازح صومالي نقصاً حاداً في الحصول على الأغذية، ومن بينهم خمسة ملايين نازح بحاجة إلى مساعدات إغاثية عاجلة، كما أن 2.8 مليون معرضون للموت جوعاً إذا لم تباشر المنظمات الدولية تقديم مساعدات إغاثية فوراً، في حين يعاني نحو 1.5 مليون طفل من سوء التغذية في ظل غياب الرعاية الطبية اللازمة للتعامل مع تداعيات الجفاف، ومن بينهم نحو 300 ألف طفل معرضون لسوء التغذية الحاد.

وتكاد تمتلئ مستشفيات العاصمة مقديشو بالأطفال الذين يعانون من مضاعفات سوء التغذية، وكشف تقرير للمبعوث الأممي لتنسيق الشؤون الإنسانية، عن مؤشرات خطيرة للأعداد التي تستقبلها المستشفيات من الأطفال الذين يعانون من أمراض معوية نتيجة مضاعفات سوء التغذية، ما يمكن اعتباره مؤشراً لحدوث مجاعة في الصومال بحلول شهر مارس/ آذار المقبل.

وتؤكد مديرة مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في الصومال، وفاء سعيد، أنّ مئات الأطفال لقوا حتفهم داخل مراكز التغذية في مختلف أنحاء البلاد، وأن نحو 730 طفلاً توفوا في مراكز التغذية بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز من العام الحالي، مشيرة إلى أن الأعداد قد تكون أكبر من الأرقام المسجلة لأنه لا يتم الإبلاغ عن وفيات عديدة.

ويعد الأطفال وكبار السن الحلقة الأضعف في مراكز التغذية ومعسكرات النزوح، حيث لا تتوافر فيها أبسط مقومات الحياة، وتغيب الرعاية الصحية، والمياه الصالحة للشرب، الأمر الذي يعرض الكثير منهم لأمراض سوء التغذية، ويحول أجسادهم إلى هياكل عظمية ينخرها الجوع، وذلك في ظل تزايد أعداد النازحين، وإجبار موجة الجفاف لنحو مليون شخص جدد على النزوح إلى المدن الكبيرة بحثاً عن الغذاء والعلاج.

تقول المسنة الصومالية بنت حاج التي تعيش في مخيم للنازحين، في حديث لـ”العربي الجديد”: “نزحت من قرية كنتواري (130 كليومترا جنوب مقديشو)، ونعيش منذ ثلاثة أشهر في هذا المخيم الذي لا يتوفر فيه الطعام ولا الدواء. أعاني من أمراض عدة بسبب الشيخوخة، وشلل في يدي اليمنى. كنا نمتلك مزرعة، لكن الجفاف أهلكها، فاضطررنا إلى الرحيل نحو العاصمة بعد أن تعذر العيش في القرية، واليوم لا نمتلك شيئاً”.

وتفاقم مضاعفات الأمراض معاناة النازحة المسنة بنت حاج التي لا تتوفر أية أدوية لتخفيف آلامها، فضلاً عن ضيق ذات اليد الذي يعاني منه كل سكان المخيم الذي يضم قرابة ألف أسرة؛ ويستقبل يومياً عشرات من النازحين الجدد، وفق مسؤولي المخيم.

فرت السيدة سلطانة محمد مع أطفالها من موت محقق بعد أن نفقت مواشيها بسبب عدم توفر المياه، وأهلك الجفاف مزرعتها التي كانت تعتاش منها، فنزحت مع أطفالها الأربعة الصغار نحو مقديشو، تاركة وراءها ثلاثة أطفال آخرين مع زوجها، من أجل حماية المنزل والمزرعة من النهب.

بينما هي منهمكة في إعداد وجبة لأطفالها الأربعة في المخيم الجديد الذي وصلت إليه قبل بضعة أشهر، تقول سلطانة لـ”العربي الجديد”: “أنجبت سبعة أطفال، واصطحبت أربعة منهم معي إلى المخيم، وتركت ثلاثة مع زوجي في القرية. حل الجفاف في كل مكان، وأهلك ماشيتنا وزراعتنا، فهربنا من الجوع، ولا يتوفر لنا في المخيم طعام ولا مياه صالحة للشرب، ونعيش في كوخ مصنوع من أغصان الأشجار والورق المقوى وقطع من البلاستيك، وهو صغير لا يتسع لشخصين، ولا نعرف كيف سيكون الحال في موسم الأمطار، ربما يمكننا حينها العودة إلى القرية لاستئناف حياتنا الطبيعية”.

وتفاقم الظروف المعيشية السيئة لملايين الصوماليين من تردي أوضاع بلادهم الأمنية والاقتصادية؛ إذ ارتفعت الأسعار مجدداً بعد الحرب الرُّوسية على أوكرانيا، وتزامن ذلك مع تراجع الإنتاج الزراعي في البلاد نحو 20 في المائة بسبب موجة الجفاف، بالإضافة إلى الحرب المتواصلة بين الجيش الصومالي ومسلحي حركة الشباب في وسط وجنوب البلاد، ما قد يحول دون تمكن المنظمات الإنسانية، وخاصة الأممية، من إيصال المساعدات الإغاثية.

وتكرر الأمم المتحدة التحذير من حدوث وفيات بين الأطفال نتيجة مضاعفات سوء التغذية، كما تواجه النازحات الحوامل مشاكل عدة بسبب عدم توفر الرعاية الصحية في مراكز النازحين خارج العاصمة مقديشو.

تقول ناني يوسف التي نزحت من إقليم شبيلى السفلى: “وصلت مؤخراً إلى أحد المخيمات المنتشرة في ضواحي مقديشو، بعد رحلة مضنية فقدت خلالها أحد أطفالي نتيجة داء الحصبة، وحالياً أخشى فقدان بقية أطفالي بسبب عدم توفر الغذاء. أذهب إلى أسواق مقديشو يومياً للبحث عن عمل لتوفير الطعام لأطفالي، لكني أعود خالية الوفاض”.

وتعمل مراكز صحية قليلة في بعض مخيمات النازحين على توفير كميات من الأدوية، أو محاولة إنقاذ متضررين من تداعيات الجفاف، وبدأت بعض الهيئات الخيرية العربية، الخليجية خصوصاً، توزيع مساعدات غذائية على النازحين، لكن الأمم المتحدة تؤكد أن الدعم الممنوح للنازحين غير كاف، وتطالب بتوفير قرابة المليار دولار أميركي لاحتواء تداعيات الجفاف في الصومال.

يقول مشرف وحدة الرعاية الصحية بمنظمة كونسيرن البريطانية في مخيمات مقديشو، عبد الله أدم، لـ”العربي الجديد”، إن “المركز سجَّل ما بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز الماضي، وفاة خمسة أطفال بسبب مضاعفات سوء التغذية، وإنه يوفر يومياً خدمات صحية لقرابة 500 شخص، ونستقبل يومياً قرابة 20 طفلا يعانون من أمراض ناجمة عن سوء التغذية، فضلاً عن انتشار الأمراض الجلدية نتيجة تردي البيئة التي يعيشون فيها”.

ويشير أدم إلى أن مئات الأطفال الذين يعانون من مضاعفات سوء التغذية يتم نقلهم إلى مستشفى “بنادر” للأمومة والطفولة عبر خدمة طوارئ تابعة للمركز من أجل إنقاذ أرواحهم، وأن المركز الطبي يعد الوحيد الذي يخدم مخيمات ضواحي مقديشو، وهو يوفر إلى جانب الأدوية، مكملات غذائية وفيتامينات ضرورية لتحسين أوضاع من يعانون من مضاعفات سوء التغذية، خاصة الأطفال وكبار السن، كما يقدم الرعاية الصحية للحوامل، وخاصة النازحات؛ واللواتي يعاني أغلبهن من نقص الفيتامينات، ما يعرضهن إلى مشاكل صحية تؤدي أحياناً إلى الموت خلال الولادة.

وتعاني المراكز الصحية التابعة للمنظمات الدولية والمحلية في ضواحي مقديشو من تزايد أعداد المرضى في ظل نقص حاد في الاستجابة الدولية لتوفير دعم إغاثي للنازحين الذين فروا من الجفاف.

وتؤكد مديرة مكتب “يونيسف” في الصومال، أن عدد المراكز الصحية المخصصة لعلاج الأطفال من سوء التغذية، سواء في المستشفيات أو المراكز الصحية المتنقلة، يصل إلى نحو 900 مركز في عموم الصومال، وتعمل المنظمة الأممية مع الشركاء المحليين، خاصة السلطات الصحية في الولايات ووزارة الصحة، من أجل تقديم مواد غذائية عاجلة لتحسين أوضاع الأطفال الذين يعانون من مضاعفات سوء التغذية الحاد.

وتشير إلى أن الأطفال الذين يعانون من مشاكل صحية تفوق قدرات “يونيسف” يتم نقلهم إلى مستشفيات العاصمة مقديشو، وذلك بشراكة مع منظمات أممية أخرى عاملة في مجال الإغاثة، كما تحرص المنظمة على توعية الأمهات، خاصة المرضعات منهن، بأهمية الرضاعة الطبيعية في تعزيز مناعة الأطفال ضد الأمراض والأوبئة، مضيفة أن “يونيسف” تعمل أيضاً على توفير اللقاحات والتطعيمات للأطفال لحمايتهم من الحصبة وشلل الأطفال وغيره من الأمراض.

وتعد مدينة “بيدوا” مركز محافظة إقليم باي في جنوب غرب البلاد، ثاني أكبر مدينة تستقبل أفواج النازحين بعد مقديشو؛ واستقبلت منذ أواخر عام 2021، قرابة 400 ألف نازح من مدن وبلدات أقاليم بكول، وباي، وجوبا الوسطى، ولم تتوفر بعد أية مساعدات لهؤلاء النازحين رغم تحذيرات المنظمات الأممية من إمكانية حدوث مجاعة كبيرة في الصومال بحلول نهاية العام الحالي.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن أرض الصومال اليوم عبر موقع أفريقيا برس