مزمل أبو القاسم يكتب : حراك الاتحاديين

45
  • لن نضيف جديداً إذا ما وصفنا الاتحاديين بسادة الحراك الإيجابي في الساحة السياسية السودانية منذ عهود الاستقلال، ولا أدلَّ على ذلك من اصطخاب مكوناتهم بتيارات فكرية قوية على مدى السنوات.
  • تباين الرؤى في الساحة الاتحادية وضح مؤخراً في بروز محمد ناجي الأصم (ذي الخلفية الاتحادية) كناطق رسمي لتجمع المهنيين برغم وجود حزبه في صلب حكومة الوفاق الوطني، وفِي مشاركة أطياف واسعة من شباب الاتحاديين في الاحتجاجات، وفِي اعتقال عدد من قيادات الحزب، وفِي مقدمتهم الشقيق الصديق محمد سيد أحمد (الجكومي)، ضمن من تم توفيقهم لأكثر من شهرين.
  • صحيح أن الاتحاديين عجزوا عن توظيف تلك الديناميكية المحمودة لتقوية حزبهم، وتعزيز وجوده وفعاليته، وتقوية قواعده، وتحصينه ضد أدواء التشظي، التي مسَّت معظم الأحزاب العريقة، وأدت إلى تقسيمها وإضعافها وتحجيم دورها في الساحة السياسية، لكن الحزب الاتحادي (الأصل) أفلح برغم تعدد الخلافات، وتواتر الانشقاقات، وجمود القيادة، في المحافظة على هيئته القديمة، كقوة انتخابية مؤثرة، استأثرت بثاني أكبر كتلة برلمانية في المجلس الوطني الحالي، ضمت (26) نائباً، غالبيتهم من جيل الشباب.
  • معلوم بالضرورة أن تلك المحصلة أتت نتاجاً لتنسيقٍ مُسبقٍ، وشراكةٍ معلنةٍ مع المؤتمر الوطني، الذي أخلى دوائر عديدة للاتحاديين، وسهَّل لهم الظفر بها بلا منازعة، لكن ذلك لا يقدح في شعبية حزب الحركة الوطنية والاستقلال، برغم معاناته من تكلُّس القيادة، وغياب الشُورى، وعدم عقد المؤتمر العام لأكثر من نصف قرن.
  • بعد صدور القرارات الرئاسية الأخيرة أصدر الحزب، ممثلاً في ناطقه الرسمي الفاتح تاج السر، بياناً معمم العبارات، غامض المدلولات، دعا فيه إلى التمسك بوثيقة الحوار الوطني، والاجتهاد لإلحاق الممانعين بها، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، لكنه تجنب إبداء أي رأي مباشر في القرارات التي اتخذها الرئيس.
  • بيان (مُخارجة)، حمَّال أوجه، فهمنا من سياقه العام، ومن ما تلاه من مواقف أن الحزب عزم على فضَّ شراكته القديمة مع المؤتمر الوطني، واحتفظ بتنسيقٍ غير معلن مع الرئيس، الذي انتقى الأمير أحمد سعد عمر ضمن الوزراء الستة الذين احتفظوا بمناصبهم، دوناً عن رفاقهم في حكومة معتز المحلولة.
  • صمت الحزب في مستوياته القيادية عن المستجدات المؤثرة التي تلت الخطاب الرئاسي لم ينعكس على كتلته البرلمانية، التي سارعت إلى إعلان موقفٍ مناهضٍ لحالة الطوارئ، وجاهرت بمعارضتها لها، وأعلنت رفضها، بل بادرت بتفنيد مسبباتها، وتأكيد عدم اقتناعها بها.
  • كان لافتاً أن يقود ذلك الحراك ثلاثة من النواب الشباب، وهم مولانا أزهري وداعة الله، نائب رئيس لجنة العدل والتشريع في المجلس الوطني، ومجدي شمس الدين، ومثابة حاج الحسن، بصفتهم أعضاء في اللجنة المفوضة بصياغة توصيات للهيئة التشريعية القومية، في ما يتصل بأمر إعلان حالة الطوارئ في البلاد.
  • احتفى الاتحاديون في منتدياتهم وتجمعاتهم السايبرية بذلك الموقف، وساندوه وأعلنوا دعمهم له، واكتفت قيادة الحزب بالصمت عنه، مع تمام علمها بأنه صدر بلا سابق تنسيق معها، ومن دون استئذانها أو استشارتها.
  • إذا كان الرئيس قد نفض يده عن حزبه، وآثر الابتعاد عنه، فقد شهدت الساحة الاتحادية موقفاً معاكساً بابتعاد الهيئة البرلمانية عن القيادة، وأخذها لزمام المبادرة منفردةً، لتفرض رأيها، وتقول كلمتها، مع تمام علمنا بأن ذلك الموقف لن يُجدي في منع سريان الطوارئ، حتى ولو أدى إلى تقليص أمدها، إلى نصف عام، لكنه سيجدي في ردهات الحزب، لأنه أحدث حراكاً لا تخطئه العيون، داخل أحد أعرق الأحزاب السياسية في السودان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here