سالي ذكي جبرة: الهُدن الطويلة تعزز الانقسام في السودان

3
سالي ذكي جبرة: الهُدن الطويلة تعزز الانقسام في السودان
سالي ذكي جبرة: الهُدن الطويلة تعزز الانقسام في السودان

آمنة جبران

أهم ما يجب معرفته

حذرت سالي زكي جبرة، عضو المكتب الرئاسي للكتلة الديمقراطية في السودان، من أن الهدن الطويلة قد تؤدي إلى انقسام البلاد. وأكدت أن استقرار قوتين متحاربتين يعني دعم سيناريو وجود حكومتين، مما يهدد وحدة السودان. كما دعت إلى ضرورة التفاوض الجاد لتحقيق سلام شامل ينهي الحروب ويعزز الاستقرار في البلاد.

أفريقيا برس – السودان. حذرت سالي ذكي جبرة، عضو المكتب الرئاسي للكتلة الديمقراطية في السودان، في حوار خاص مع “أفريقيا برس”، من أن “الهدن الطويلة قد تشكل نواة لانقسام البلاد، إذ تسهم في تثبيت مكاسب طرفي الصراع والمحافظة على مناطق النفوذ، وهو ما يعزز واقع الانقسام في البلاد.”

وأشارت إلى أن “استقرار قوتين متحاربتين كلٌ في نطاق سيطرته يعني عمليًا دعم سيناريو وجود حكومتين داخل دولة واحدة، وهو مؤشر خطير يحمل أبعادًا انفصالية تهدد وحدة السودان”، لافتة إلى أن “مخرجات الحل تكمن في الاتفاق على دعم سلام حقيقي يفضي إلى استقرار البلاد وإنهاء الحروب بصورة نهائية.”

وفق تقديرها، “لا يمكن اختزال إيقاف الحرب في انتصار عسكري أو في تفاوض تقليدي محدود، فهذه المقاربات أثبتت عدم كفايتها، مما يستدعي استخدام آليات جديدة تتعامل مع طبيعة الصراع وتعقيداته الإقليمية بصورة أكثر واقعية.”

ولفتت إلى أن “السودان تحول إلى ساحة تنافس نفوذ بين قوى إقليمية ودولية، وهو ما يطيل أمد الحرب ويعقد فرص الحل. أما على مستوى أفريقيا، فالحرب تهدد استقرار القرن الأفريقي وتعرقل جهود السلام في دول الجوار، وتضعف مساعي التكامل الأفريقي عبر تعطيل عمل الاتحاد الأفريقي في إدارة الأزمات.”

هل يمكن للمبادرات الدولية الأخيرة التوصل إلى إنهاء الحرب في السودان خاصة أن المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مازالت مستمرة؟

حظيت المبادرات الدولية بمتابعة وتقدير من الشارع السوداني لعدة أسباب، في مقدمتها قياس وتقييم مواقف الدول تجاه القضية السودانية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن المبادرات الإقليمية والدولية غالبًا ما تبدأ بشعار إيقاف الحرب، لكنها في الواقع تتأثر بمصالح وتحالفات الأطراف المشاركة، حيث يسعى كل طرف لضمان شروط حلفائه. وعند الحديث عن أحدث المبادرات التي تحظى باهتمام داخلي ودولي، وهي الرباعية، نظرًا لثقل الدول المشاركة فيها، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، السعودية، مصر، والإمارات، فإن هذه الدول تسعى جاهدًا للوصول إلى مشتركات مع حلفائها.

غير أن هذه المشتركات، في الغالب، تركز على الهدنة أكثر من تركيزها على الإيقاف الشامل للحرب، لأن إنهاء الحرب يتطلب حسمًا عسكريًا أو تسوية سياسية واضحة، بينما تميل الدول الداعمة إلى تحقيق انتصار لحلفائها. فمن يدعم الدولة السودانية ممثلة في قواتها المسلحة يرغب في انتصارها، في حين أصبح واضحًا حتى للولايات المتحدة أن هناك دعمًا من جهة محددة وهي الإمارات لحليفها قوات الدعم السريع، يدفع باتجاه الهدنة. ورغم أن الهدنة، في ظاهرها، ضرورة إنسانية لإيصال المساعدات للمتضررين من الشعب السوداني، إلا أن باطنها قد يحمل ما هو غير مرغوب فيه، إذ تسهم في تثبيت مكاسب الطرفين، والمحافظة على مناطق النفوذ، وهو ما يعزز واقع الانقسام.

إن استقرار قوتين متحاربتين كلٌ في نطاق سيطرته يعني عمليًا دعم سيناريو وجود حكومتين داخل دولة واحدة، وهو مؤشر خطير يحمل أبعادًا انفصالية تهدد وحدة السودان. كما أن الهدن في الحالة السودانية، إذا لم تكن مؤقتة ومضبوطة، قد تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الصفوف، والتسليح، والتخطيط لهجمات ممنهجة تستهدف لاحقًا المناطق الآمنة التي عاد إليها المواطنون. لذلك، إذا لم تتوفر إرادة حقيقية لبدء تفاوض جاد يفضي إلى إيقاف شامل للحرب، فلا جدوى من الدخول في هدنة قد تشكل نواة لانقسام البلاد. وعليه، فإن المطالبة بإيصال المساعدات الإنسانية تُعد خطوة إيجابية، ولكن كيف نضمن الرقابة عليها؟ وأن تكون أي هدنة مؤقتة مرتبطة بتوقيت مناسب ومسار تفاوضي واضح يقود إلى إنهاء الحرب بشكل كامل. أما غير ذلك، فإن مخرجات هذه المبادرات ستكون خصمًا على وحدة السودان، التي يحرص شعبه على حمايتها والدفاع عنها.

ماهي السيناريوهات المحتملة للحرب في السودان، وهل يمكن الانتقال إلى حكومة مدنية أم أنه الاحتمال الأضعف؟

يمكن تلخيص المشهد في سيناريوهين رئيسيين. السيناريو الأول هو القبول بهدن طويلة أو متكررة لا تنتهي بإيقاف شامل للحرب، وهذا السيناريو يحمل مخاطر حقيقية قد تقود إلى انفصال السودان للمرة الثانية، عبر تكريس واقع سيطرتين وسلطتين داخل دولة واحدة كما ذكرنا قبل، وهو المسار مرفوض من قبل القوات المسلحة السودانية وكل المناصرين لوحدة الدولة ومؤسساتها، لأنه يدعم الانقسام ويقوض سيادة الدولة.

السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية وأقل كلفة على وحدة السودان، يتمثل في تفاوض جاد ومسؤول ينتهي بإيقاف شامل للحرب وإعادة توحيد مؤسسات الدولة. فقط في هذا السياق يمكن الحديث بجدية عن حل سياسي شامل وانتقال مستقر.

أما فيما يتعلق بالحكومة المدنية الانتقالية المتوافق عليها بعد الحرب أو المنتخبة، فإن تشكيلها في ظل الهدن والانقسام الحالي أمر من الصعب الوصول إليه، لوجود صراع واستمرار الحرب الوجودية للدولة السودانية. الانتقال إلى حكم مدني بالصورة التي يتطلع إليها الشعب يظل ممكنًا، لكنه مشروط بوقف الحرب أولًا. ولضمان مباركة دولية ودعم شعبي واسع، نحتاج إلى فترة انتقالية حقيقية، يتواجد فيها المكون العسكري إلى جانب الحكومة المدنية في الفترة الانتقالية لضمان الأمن والاستقرار ومرحلة أولى لانتقال سلس ومن ثم مرحلة مدنية ديمقراطية كاملة عن طريق تهيئة البلاد لانتخابات نزيهة وشفافة. وفي نهاية هذه الفترة الانتقالية، يجب أن تسلم السلطة لحكومة مدنية منتخبة كاملة الصلاحيات، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يحقق الاستقرار ويحافظ على وحدة السودان ويلبي تطلعات الشعب السوداني.

كيف يمكن إيقاف نزيف الحرب في السودان، وأين تكمن مخرجات الحل؟

تكمن مخرجات الحل في عدد من العوامل، أولها التواصل المباشر بين القوات المسلحة ودولة الإمارات، لأن مفتاح إنهاء الصراع يكمن في ضمان المصالح المشتركة، والاتفاق على دعم سلام حقيقي يفضي إلى استقرار البلاد وإنهاء الحروب بصورة نهائية. ولا يمكن اختزال إيقاف الحرب في انتصار عسكري أو في تفاوض تقليدي محدود، فهذه المقاربات أثبتت عدم كفايتها، مما يستدعي استخدام آليات جديدة تتعامل مع طبيعة الصراع وتعقيداته الإقليمية بصورة أكثر واقعية.

وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري أن يتعامل السياسيون مع المشكلة السودانية بقدر أعلى من الموضوعية والواقعية، بعيدًا عن الشعارات والانقسامات. فاستقرار السودان يتطلب إحساسًا عاليًا بالمسؤولية تجاه الأوضاع الإنسانية، خاصة في ظل التدهور المستمر في الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن.

هل تأثرت الأحزاب السودانية بالحرب، الأمر الذي جعلها تفقد الصلة بقواعدها الشعبية؟ وهل تعرضت لاستهداف ممنهج لإطالة أمد الحرب؟

عند الحديث عن الأحزاب السياسية خصوصًا من بعد الحرب، من المهم التأكيد على أنها تمثل ضلعًا أساسيًا في أي مسار ديمقراطي، إذ لا ديمقراطية دون أحزاب. وتاريخ الأحزاب في السودان حافل بالتجارب السياسية والنضالية من أجل سودان الحرية والديمقراطية، سواء الأحزاب العريقة مثل الاتحاد الديمقراطي، وحزب الأمة، والحزب الشيوعي، أو حتى الأحزاب الجديدة. ومن وجهة نظري، وبمتابعة دقيقة للمشهد، فإن جميع هذه الأحزاب تحتاج اليوم إلى إعادة صياغة فلسفتها في التعبير عن قضايا المواطن، بحيث تقدم هموم الناس اليومية والمعيشية على الفلسفة السياسية المجردة.

هذا الخلل أفسح المجال أمام المجتمع المدني ليجد فرصته في ممارسة أدوار سياسية كان من المفترض أن تكون الأولوية فيه للأحزاب. وبالتأكيد، لا يمكن الاستغناء عن الأحزاب السياسية، باعتبارها الجهة ذات الشرعية الأولى في العمل السياسي، إلا أن عدم قدرتها على استعادة شعبيتها السابقة يعكس أزمة حقيقية في علاقتها بالجمهور. ومن هنا، أرى أن الأحزاب ليست في حاجة إلى إعادة بناء الثقة بقدر ما هي في حاجة إلى حمل هموم العامة المدنية والتعبير عن قضيتهم قبل القضايا السياسية، فإذا نجحت في ذلك، فإن استعادة الصلة بينها وبين المواطن ستحدث بصورة طبيعية.

لماذا يتواصل الصمت الدولي إزاء ما يعيشه السودان من أوضاع إنسانية مأساوية، في ظل استمرار إغلاق المدارس وحرمان الأطفال من التعليم؟

مشكلة السودان اليوم ليست مجرد أزمة تعليم؛ بل هي كارثة وطنية حقيقية، حيث هناك أجيال كاملة تُحرم من التعليم، ما يعني أن مستوى الأمية سيتصاعد في جيل الحرب، وسيكون ذلك إرثًا ثقيلًا يثقل مستقبل البلاد لعقود قادمة.

والأدهى من ذلك أن العالم الخارجي يتعامل مع السودان من زاوية المصالح فقط، وكأن ما يحدث من كوارث إنسانية ليس إلا تفاصيل ثانوية. وهذا التوجه يعكس تجاهلاً صارخًا لما يحدث على الأرض، لأن الأزمة لا تتوقف عند التعليم المدرسي أو الجامعي، بل تمتد لتشمل الآثار النفسية العميقة التي تركتها الحرب في نفوس السودانيين، وبالأخص الأطفال والشباب والنساء، وهو أثر لن يُمحى بسهولة، بل سيحتاج لأجيال كي يُعالج. إن مشاكل السودان لن تحظى بالاهتمام الحقيقي إلا عندما يُعبَّر عنها من داخل السودان بقوة وبشكل واضح، وعندما يُبذل جهد حقيقي لإيجاد حلول لها بعد تحقيق السلام. وأزمة التعليم بالتأكيد أزمة حقيقية، لكنها في جوهرها إحدى نتائج الحروب ومخلفاتها.

لذلك، فإن الدعوة إلى السلام والاستقرار ليست مجرد شعار شعبي، بل هي ضرورة لإنهاء الحرب والقضاء على المليشيات. وبصفتي داعمة للقوات المسلحة، أرى أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا عبرها، حتى ينعم جيل الحرب بالاستقرار النفسي، ويستعيد حقه في التعليم والصحة والحياة الكريمة.

برأيك هل انقسام الحرية والتغيير وغياب بديل سياسي أضعف موقفها التفاوضي؟

برأيي نعم، انقسام قوى الحرية والتغيير أضعف موقفها لكن ليس بالمعنى التقليدي للتفاوض الذي أشرتَ إليه، بل من زاويتين مختلفتين: أولاً: من حيث الوزن السياسي والرمزي، الانقسام أفقدها صفة “الكتلة المدنية الأوحد”، وجعل الطرف المسلح أو الداعم له يتعامل مع المدنيين كأطراف متفرقة، لا كجبهة واحدة ذات برنامج واضح. حتى لو لم تكن الحرية والتغيير تفاوض عسكريًا، تماسكها كان يمنحها شرعية أخلاقية وسياسية أعلى في أي مسار.

ثانياً: من حيث القدرة على فرض أجندة مدنية، التفاوض الحقيقي يكون بين من يحمل السلاح أو ممكن مع من يدعمه من دول. هذا توصيف دقيق للواقع السوداني الحالي. لكن المشكلة أن انقسام المدنيين أنفسهم جعل المسار الموازي (مسار تحديد ملامح الانتقال) هشًّا بمعنى آخر: السياسيون قد يتفقون على رؤية ممتازة، لكن بدون كتلة مدنية موحدة وقادرة على الضغط، تظل الرؤية حبراً على ورق.

ثم إن هناك مبادئ يتفق عليها جميعهم وهي:

– أهمية الحوار الجامع

– مدنية الدولة

– أسس الانتقال (العدالة، الجيش الواحد، التحول الديمقراطي)

الخلاف ليس على ماذا نريد، بل على من يمثل من؟ وكيف؟ وبأي شرعية؟ هنا يأتي جوهر القضية.

أي تأثير للحرب في السودان على المنطقة؟

الحرب في السودان تؤثر على النظام العالمي لأنها تقع في منطقة استراتيجية قرب البحر الأحمر، ما يزيد من مخاطر الأمن البحري ويؤثر على التجارة الدولية. كما أن استمرار النزاع يرفع من موجات النزوح واللاجئين، ويضع ضغطًا كبيرًا على دول الجوار وأوروبا، ويستنزف الموارد الدولية.

إضافة إلى ذلك، تحول السودان إلى ساحة تنافس نفوذ بين قوى إقليمية ودولية، ما يطيل أمد الحرب ويعقد فرص الحل. أما على مستوى أفريقيا، فالحرب تهدد استقرار القرن الأفريقي وتعرقل جهود السلام في دول الجوار، وتضعف مساعي التكامل الأفريقي عبر تعطيل عمل الاتحاد الأفريقي في إدارة الأزمات. كما تؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، ما يهدد الأمن الغذائي في القارة. وأخيرًا، تسهم الحرب في انتشار المليشيات وتهريب السلاح عبر الحدود، ما يزيد من عدم الاستقرار الأمني في المنطقة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here