“جونو”.. المركبة التي كشفت أعماق المشتري وأعادت كتابة تاريخه

5
"جونو".. المركبة التي كشفت أعماق المشتري وأعادت كتابة تاريخه

أفريقيا برس – السودان. لم يكن كوكب المشتري (Jupiter) يوما كوكبا عاديا في خيال البشر. ذلك العملاق الموشّى بالسحب، المتوّج بالبقعة الحمراء العظيمة، بدا لقرون وكأنه حارس أسرار النظام الشمسي، يحتفظ بماضيه في أعماق لا يصلها الضوء ولا الخيال. وحين قررت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) إرسال مركبة إلى هناك، لم تكن تسعى إلى صورة جميلة، بل إلى مواجهة مباشرة مع أصل الحكاية.

من الأسطورة إلى منصة الإطلاق

في صباح الخامس من أغسطس عام 2011، ارتجّ ساحل كيب كانافيرال بينما انطلق صاروخ “أطلس 5” حاملا على قمته مركبة أُطلق عليها اسم “جونو” (Juno).

لم يكن الاسم صدفة، ولم يكن تقنيا باردا، بل مستعارا من أسطورة قديمة تقول إن الإلهة “جونو” وحدها كانت قادرة على رؤية حقيقة “جوبيتر” خلف السحب التي كان يتخفّى بها، وكأن المهندسين والعلماء أرادوا منذ البداية أن يقولوا: هذه ليست مهمة مراقبة، بل مهمة كشف.

خمسة أعوام كاملة قضتها “جونو” في الطريق، تعبر فراغا قاسيا يبتلع الضوء ويصمت فيه الزمن، مستفيدة من دفعة جاذبية الأرض، قبل أن تصل أخيرا إلى هدفها في 4 يوليو/تموز 2016 (يوم استقلال أمريكا).

هناك عند تخوم أقوى مجال مغناطيسي في النظام الشمسي، بدأت المغامرة الحقيقية. لم تدخل “جونو” مدارا دائريا آمنا، بل اختارت مسارا قطبيا بيضاويا جريئا، يقترب حد التهديد ثم ينسحب، وكأنها تغمز للمشتري في كل دورة وتقول: ما زلت هنا.

الاقتراب من العملاق وكشف الأسرار

ما يجعل “جونو” مختلفة ليس فقط ما تدرسه، بل كيف تعيش. فهي أول مركبة تعمل بالطاقة الشمسية في هذا البعد السحيق، حيث الشمس ليست سوى قرص باهت.

ثلاثة أذرع شمسية هائلة تمتد منها كأجنحة طائر ميكانيكي، تجمع ما يكفي من الضوء بالكاد لتبقيها حيّة. وفي قلبها، داخل قبو من التيتانيوم السميك، تختبئ أدمغتها الإلكترونية ككائن يعرف أنه محاط بالموت الإشعاعي من كل جانب.

ومع كل اقتراب بدأت الأسرار تتساقط، لم يكن المشتري كرة غازية بسيطة كما تخيّله العلم طويلا. كشفت “جونو” أن رياحه لا تقف عند السحب، بل تغوص مئات الكيلومترات إلى الداخل، وأن بقعته الحمراء العظيمة ليست زينة سطحية، بل هي إعصار عميق الجذور يمتد كجرح قديم في جسد الكوكب.

أما قطباه فقد فاجآ الجميع بعناقيد من الأعاصير الزرقاء، مصطفة في أشكال هندسية، كأنها رقصة ثابتة منذ آلاف السنين، وأن قطره القطبي أصغر من قطره الاستوائي مع قياس جديد لهذه الارقام.

التماثيل الثلاثة.. ذاكرة البشر في رحلة آلية

لكن وسط كل هذا العلم الصلب، حملت “جونو” شيئا لا يُقاس بالواط ولا بالكيلومتر. حملت ثلاثة تماثيل صغيرة، لا يتجاوز طول الواحد منها بضع سنتمترات، لكنها تختصر قصة البشر مع السماء.

التمثال الأول هو “جونو” نفسها، ترتدي عباءة وتضع على عينيها عدسة مكبرة. هذه العدسة ليست زينة، بل هي إعلان فلسفي: الحقيقة تحتاج إلى أداة، وإلى جرأة النظر. “جونو” لا تحارب “جوبيتر”، بل تراقبه وتكشفه وتفهمه.

إلى جانبها يقف تمثال جوبيتر، إله السماء والعواصف، بملامح هادئة لا تشبه صور الغضب المعتادة. وكأن الرسالة تقول إن الطبيعة ليست عدوا، بل هي قوة عمياء تنتظر من يفهمها بدل أن يخشاها.

أما التمثال الثالث، فهو الأهم رمزيا: غاليليو غاليلي، الرجل الذي وجّه تلسكوبه البدائي نحو المشتري قبل أكثر من أربعة قرون، واكتشف أن له أقمارا تدور حوله، في لحظة كسرت مركزية الأرض إلى الأبد.

يحمل غاليليو تلسكوبه الصغير، وعلى قاعدة التمثال نُقشت كلماته الشهيرة عن تلك الأقمار. وجوده هنا ليس تكريما تاريخيا فحسب، بل هو اعتراف بأن كل قفزة علمية تبدأ بنظرة متسائلة.

وحين مددت “ناسا” مهمة جونو بعد 2018، لم يكن ذلك قرارا إداريا باردا، بل استجابة لآلة أثبتت أنها ما تزال قادرة على الدهشة. اقتربت من أقمار المشتري الكبيرة: “غانيميد فـ”يوروبا” ثم “آيو”، ورأت عوالم أخرى تدور في ظل العملاق، لكل منها قصة ربما لا تقل إثارة.

واليوم ورغم أن العدّ التنازلي لنهايتها قد بدأ، ما تزال “جونو” تدور، تجمع البيانات وتكتب سطورا أخيرة في رواية لم تنتهِ بعد. وعندما يأتي يوم غوصها الأخير في غلاف المشتري، لن يكون ذلك موتا، بل عودة إلى حضن الكوكب الذي كشفت أسراره، حماية لأقماره، واحتراما لاحتمال حياة لم تُكتشف بعد.

“جونو” ليست مجرد مركبة، إنها رسالة تقول إن الإنسان، مهما بدا صغيرا، يستطيع أن يرسل سؤالا عبر مليارات الكيلومترات، وينتظر الجواب بصبر ودهشة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here