“لغة الضوء”.. دراسة قطرية تعيد التفكير في أسلوب إنارة المدن

3
"لغة الضوء".. دراسة قطرية تعيد التفكير في أسلوب إنارة المدن

أفريقيا برس – السودان. إذا سألت الكثيرين عن الإضاءة المثالية للمدن بعد الغروب، ستكون الإجابة المتأثرة بإرث الماضي هي أن تكون كاشفة للطريق حتى تسير السيارات بسلام، وتعطي في الوقت نفسه إحساسا بالأمان، لكن دراسة قطرية نشرتها دورية “سيتي آند إنفايرونمنت إنتراكشنز”، تعيد تعريف إضاءة المدن، لتمنح الضوء لغة تجعل منه أداة نفسية واجتماعية تشكل علاقتنا بالمكان.

وانطلقت تلك الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة قطر من فرضية سعى الباحثون لاختبارها، وهي أن طريقة إضاءة الأماكن العامة ليلا لا تؤثر فقط على الرؤية، بل على مشاعر الناس وإحساسهم بالأمان، بل ورغبتهم في الجلوس والتفاعل مع الآخرين، واختير ممشى الواجهة البحرية في منطقة المارينا بمدينة لوسيل في قطر، لاختبار تلك الفرضية.

ويضم هذا المكان مطاعم وأبراجا ومقاعد ومساحات مفتوحة، ويُستخدم بكثافة في المساء، وهو ما يجعله بيئة مثالية لإجراء الدراسة.

ثلاث مناطق لتبسيط التحليل

بدأ الباحثون دراستهم بتقسيم الممشى عمدا إلى ثلاث مناطق لتبسيط التحليل وتمكين إجراء مقارنة ذات مغزى ضمن مساحة عامة طويلة ومتنوعة مكانيا.

ويقول الباحث الرئيسي بالدراسة الدكتور نازال نازار، ويعمل باحثا في قسم الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني بكلية الهندسة بجامعة قطر للجزيرة نت: “التقسيم تم استنادا إلى اختلافات ملحوظة في التكوين المكانى، وكثافة استخدام الأراضي، وأنماط الإضاءة، وخصائص المناظر الطبيعية بين المناطق الثلاث، حيث كانت المنطقة الأولى ذات بيئة نشطة للغاية وديناميكية بصريا، مع طبقات إضاءة كثيفة، وعناصر مائية تفاعلية، وعناصر ترفيهية”

ويضيف: “أما المنطقة الثانية، فكانت ذات طابع معماري مميز، حيث تهيمن العناصر المعمارية والإضاءة المميزة على التجربة المكانية، وفي المقابل، تحتوي المنطقة الثالثة على نسبة أعلى من المساحات الخضراء، ومقاعد متدرجة، وإضاءة أكثر نعومة مدمجة مع المناظر الطبيعية، مما يخلق بيئة أكثر هدوءا وتأملا”.

ويوضح أن هذا الإطار ثلاثي المناطق ساعد على تسهيل الدراسة من خلال تقليل التعقيد المكاني مع الحفاظ على التنوع الوظيفي والبيئي، وأتاح ذلك دراسة خصائص الإضاءة وسلوك المستخدمين وإدراكهم بشكل مقارن عبر مناطق ذات خصائص اجتماعية وبيئية وتجريبية متباينة، مما عزز من قابلية تفسير النتائج.

كيف تمت الدراسة؟

استخدم الباحثون ثلاث طرق معا لدراسة هذه المناطق الثلاث، هي “حصر الإضاءة”، وفيها يتم قياس شدة الضوء وحرارة اللون إن كان دافئا أو باردا، وأنواع المصابيح (أرضية، وأعمدة، ومقاعد، ونافورات)، و”مراقبة السلوك”، لرصد من يمشي؟ ومن يجلس؟ وأين يتجمع الناس؟ وأين يفضلون الهدوء؟ وتمت المراقبة ليلا بين 6 و10 مساء، لمدة أسبوعين.

كما تم “استطلاع آراء المستخدمين”، حيث أجاب 40 شخصا على أسئلة حول الإحساس بالأمان، الراحة النفسية، تفضيل الألوان، دور الإضاءة في ربطهم نفسيا بالمكان.

ويقول نازار إن “استخدام الطرق الثلاث معا، كان هدفه تعزيز موثوقية النتائج، فبينما رصدت الاستبيانات التجارب الذاتية، قدمت آلية مراقبة السلوك أدلة موضوعية حول كيفية استخدام المستخدمين للمكان وتنقلهم فيه فعليا في ظل ظروف إضاءة مختلفة”.

إعادة التفكير في أهداف الإضاءة

ويضيف الباحث أن “توافق نتائج الاستبيانات مع السلوك الملحوظ ساعد في الحد من التحيز الفردي وتعزيز موثوقية النتائج”.

ورصدت الدراسة مجموعة من النتائج المميزة التي تعيد التفكير في أهداف الإضاءة، فوفقا لـ”حصر الإضاءة”، كانت أفضل شدة للإضاءة من 10 إلى 15 لوكس (وحدة قياس شدة الإضاءة)، وهذه الدرجة ليست مظلمة فلا تثير الخوف، وليست ساطعة بشكل يسبب إزعاجا، والنتيجة أن الإضاءة المتوسطة تعني الراحة والأمان والرغبة في البقاء.

وبالنسبة لـ”لون الإضاءة”، فإن الألوان الدافئة (3000–3500 كلفن)، تمنح إحساسا بالراحة وتشجع الجلوس والتفاعل، أما الألوان الباردة، فهي مفيدة للممرات والحركة، والألوان القوية مثل الأحمر والأزرق، مفضلة للمناسبات، لكن لا يفضلها الناس يوميا، حيث يميل أكثر من 80 في المئة إلى تفضيل الضوء الأبيض الدافئ.

وعن “مراقبة الناس”، كشفت الدراسة أن 40 إلى 45 في المئة جلسوا في مناطق مضاءة بشكل متوازن، وفضل من 25 إلى 30 في المئة مناطق أهدأ وأقل إضاءة.

وساعدت المناطق القريبة من الماء مع إضاءة خافتة على التوقف والتأمل، والإضاءة الملونة قرب الأشجار والنافورات، شجعت التصوير والتجمع، وكانت الخلاصة في هذا المحور أن الناس لا يريدون نوعا واحدا من الضوء، بل تنوعا ذكيا.

وانطلاقا من كل ذلك، خلصت الدراسة إلى أن الإضاءة التي ترفع الإحساس بالانتماء للمكان، هي تلك التي تتيح “إمكانية الوصول”، أي يكون التنقل في الطريق بوضوح مع شعور بالأمان، و”الراحة”، أي أن الضوء مريح للعين ويشجع على البقاء فترة أطول، و”الاجتماع”، أي تشجع اللقاء والجلوس مع الآخرين، وإذا تحقق كل ذلك، يمكن الوصول للانتماء، أي أتذكر المكان وأحبه، وأعود إليه، وهو ما عبر عنه 74 في المئة من المشاركين عندما قالوا إن الإضاءة جعلتهم يشعرون بالارتباط بالمكان.

وعلى الرغم من أن الدراسة لم تهدف إلى التمييز إحصائيا بين الاستجابات حسب العمر أو الفئة الاجتماعية نظرا لصغر حجم العينة الاستكشافية، إلا أن نازال يشير إلى أنه قد لوحظت أنماط نوعية، حيث كان المستخدمون الأصغر سنا، هم الأكثر انجذابا إلى مناطق الإضاءة الديناميكية والملونة، وغالبا ما كانوا ينخرطون في التفاعل الاجتماعي والتصوير، أما العائلات وكبار السن، فقد أبدوا تفضيلا للمناطق ذات الإضاءة المتساوية والسطوع المعتدل والوهج المنخفض، مما يعزز الراحة والرؤية والشعور بالأمان، وبشكل عام، ارتبطت درجات حرارة الألوان الدافئة ومستويات الإضاءة المعتدلة باستمرار باستجابات إيجابية لدى مختلف الفئات الديموغرافية.

إضاءة ذكية ومتكيفة

وتقترح الدراسة وفق ما توصلت له من نتائج استخدام إضاءة ذكية ومتكيفة، والتي تعني اختلاف طريقة الإضاءة بين المناطق بدلا من تطبيقها كحل موحد على مستوى المدينة بأكملها.

ويشرح نازال هذا المفهوم، قائلا إنه “يبدأ عمليا بتحديد المناطق الوظيفية، مثل ممرات الحركة، ومناطق التجمع الاجتماعي، وأماكن الجلوس، والواجهات البحرية، وتحديد معايير الإضاءة الأساسية لكل منها بناء على كثافة الاستخدام والتجربة العاطفية المرجوة”.

ويضيف: “يمكن بعد ذلك تطبيق استراتيجيات تكيفية تسمح للسطوع ودرجة حرارة اللون بالاستجابة لوقت الليل وكثافة المشاة، على سبيل المثال، خلال ساعات المساء الأولى أو فترات النشاط المكثف، يمكن لممرات الحركة الحفاظ على إضاءة معتدلة ومتساوية التوزيع لدعم السلامة والتوجيه، بينما تستخدم مناطق التجمع الاجتماعي وأماكن الجلوس ألوانا دافئة لتعزيز الراحة والتواصل الاجتماعي، ومع انخفاض حركة المشاة في وقت لاحق من الليل، يمكن تقليل شدة الإضاءة تدريجيا لتوفير الطاقة مع الحفاظ على وضوح الرؤية والشعور بالأمان”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here