دراسة جديدة تعيد النظر في صورة الثقب الأسود ودرب التبانة

4
دراسة جديدة تعيد النظر في صورة الثقب الأسود ودرب التبانة
دراسة جديدة تعيد النظر في صورة الثقب الأسود ودرب التبانة

أفريقيا برس – السودان. في عام 2022، نشر تعاون “تلسكوب أفق الحدث” (Event Horizon Telescope) أول صورة مباشرة لظل الجسم الهائل في قلب مجرة درب التبانة، وهو الكيان المعروف باسم “الرامي إيه ستار” (Sagittarius A*). ومنذ تلك اللحظة اعتبرت الصورة دليلا شبه قاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة تبلغ كتلته نحو 4.6 مليون مرة كتلة الشمس.

غير أن دراسة حديثة أعادت فتح السؤال من جديد، مفترضة احتمالا علميا مختلفا: ماذا لو لم يكن ما نراه ثقبا أسود بالمعنى الفيزيائي الدقيق، بل بنية أخرى تحاكي تأثيره؟

نواة مظلمة فائقة الكثافة

تقوم الفرضية الجديدة على أن الجسم المركزي قد يكون نواة شديدة الكثافة تتكون من جسيمات فيرميونية افتراضية للمادة المظلمة. (الفيرميونات الحقيقية تشمل الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات والنيوترينوهات).

هذه الجسيمات الافتراضية خفيفة جدا، وإذا تراكمت بكثافة هائلة، يمكن أن تولّد مجالا جاذبيا يماثل ذلك المنسوب عادة إلى ثقب أسود.

المثير أن هذا النموذج يعيد إنتاج الكتلة المرصودة نفسها تقريبا، كما يفسر حركة النجوم القريبة، بل ويمكنه أيضا توليد “ظل” مشابه للصورة الشهيرة.

فالصورة التي التُقطت عام 2022 لا تُظهر الثقب الأسود نفسه، بل ظله الناتج عن انحناء الضوء بفعل الجاذبية الشديدة. ووفق هذا التصور، قد تنحني الفوتونات حول نواة مظلمة كثيفة بالطريقة نفسها تقريبا.

نجوم تتحدى سرعة الضوء

أحد أقوى الأدلة التقليدية على وجود ثقب أسود يتمثل في حركة نجوم تعرف باسم “نجوم إس” (S-stars)، وهي نجوم تدور قرب المركز بسرعات تصل إلى 30 ألف كيلومتر في الثانية، أي نحو 10% من سرعة الضوء. هذه السرعات تعني وجود كتلة هائلة مضغوطة في نطاق صغير للغاية.

لكن الدراسة ترى أن نواة مادة مظلمة فائقة الكثافة يمكن أن تفسر هذه المدارات السريعة دون الحاجة إلى افتراض وجود أفق حدث حقيقي (آخر حدود مرئية للثقب الأسود)، أي أن الجاذبية الشديدة لا تعني بالضرورة وجود ثقب أسود بالمعنى الكلاسيكي.

إعادة التفكير في بنية المجرة

لا تتوقف جرأة الفرضية عند استبدال الثقب الأسود فحسب، بل تمتد إلى تصور مختلف لبنية المجرة بأكملها. ففي النموذج الكوني السائد، يوجد ثقب أسود مركزي تحيط به هالة واسعة من المادة المظلمة. أما في الطرح الجديد، فالجسم المركزي والهالة ليسا كيانين منفصلين، بل نظاما واحدا متصلا من المادة نفسها.

وتشير بيانات الإصدار الثالث من مهمة “غايا” (Gaia) (وهو مسبار فلكي متخصص في رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لمجرة درب التبانة بدقة غير مسبوقة)، إلى ما يعرف بالانخفاض الكبلري في أطراف المجرة، أي تباطؤ السرعات المدارية بشكل يتوافق مع سلوك معين للجاذبية.

ويرى أصحاب النموذج أن هذا السلوك قد يكون أكثر انسجاما مع توزيع فيرميوني للمادة المظلمة منه مع النموذج التقليدي للمادة المظلمة الباردة.

الاختبار الفاصل.. حلقة الفوتون

يبقى الفيصل الحقيقي في ظاهرة تُعرف بحلقة الفوتون، وهي مسار ضوئي دائري بالغ الدقة يتشكل عندما تدور الفوتونات حول جسم فائق الجاذبية عدة مرات قبل أن تفلت أو تسقط داخله. وفي حالة الثقب الأسود، ترتبط هذه الحلقة مباشرة بوجود أفق الحدث، وتكون لها بصمة هندسية محددة.

أما في نموذج النواة المظلمة، فلا يُتوقع ظهور حلقة فوتونية مطابقة تماما لتلك الخاصة بالثقب الأسود. ومن هنا تأتي أهمية الرصد عالي الدقة مستقبلا، سواء عبر تحسينات جديدة لتلسكوب أفق الحدث أو باستخدام أدوات متقدمة في المراصد الفلكية أمثال التلسكوب الرباعي الكبير جدا (Very Large Telescope)، إذ قد تكشف هذه القياسات فروقا دقيقة قادرة على حسم الجدل.

بين الظل والحقيقة

حتى الآن لا توجد بيانات كافية للفصل القاطع بين النموذجين، فالصورة الشهيرة تثبت وجود مجال جاذبي هائل في المركز، لكنها لا تثبت بشكل مباشر وجود أفق حدث.

وهنا يكمن جوهر النقاش العلمي؛ هل نرى ثقبا أسود بالفعل، أم يتعلق الأمر بجاذبية شديدة تخفي وراءها بنية أكثر تعقيدا؟

فإذا ثبتت صحة هذا السيناريو، فسيعني ذلك أن مركز مجرتنا ليس جسما منفصلا عن هالتها المظلمة، بل جزءا من نسيج كوني واحد.

أما إذا أكدت القياسات المستقبلية وجود حلقة فوتون واضحة ومطابقة لتنبؤات النسبية العامة، فسيظل الثقب الأسود في مكانه بوصفه أحد أعظم انتصارات الفيزياء الحديثة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here