محمد نجيب محمد علي: “قصائد مخيفة” تنقل مأساة السودان إلى العالم

8
محمد نجيب محمد علي:
محمد نجيب محمد علي: "قصائد مخيفة" تنقل مأساة السودان إلى العالم

أهم ما يجب معرفته

الشاعر السوداني محمد نجيب محمد علي أطلق ديوان “قصائد مخيفة” الذي يهدف إلى نقل مأساة السودان إلى العالم. يتناول الديوان آثار الحرب على الذاكرة والتراث والثقافة السودانية، ويعبر عن الحاجة الملحة للسلام والحوار لإنهاء الصراع. محمد نجيب، شاعر وصحفي، يسعى من خلال أعماله إلى توثيق هذه المعاناة وإبراز أهمية الثقافة في مواجهة الأزمات.

أفريقيا برس – السودان. أشار الشاعر السوداني محمد نجيب محمد علي في حواره مع “أفريقيا برس” أن “ديوان قصائد مخيفة” الذي أصدره مؤخرًا هو محاولة لنقل مأساة السودان إلى كل العالم، حيث يحمل هذا الديوان في صفحاته حجم الخراب والدمار ومتاهات اللجوء والتشرد جراء الحرب، وهو شهادة على هذا العصر. وفق تعبيره.

وبين أن “أول ما سعت له هذه الحرب المتوحشة كان ذاكرة الأمة، تراثها وحضارتها وثقافتها وأرشيفها وتاريخها، حيث حاولوا بكل ما لديهم من رصاص ومسيرات ودبابات إشعال الحرائق في كل شيء، كما لم يسلم أرشيف الصحف السودانية من لهب النار”.

ولفت إلى أن “المثقف السوداني يسعى الآن بكل همة لكي تتوقف هذه الحرب اليوم قبل الغد، وأنه لا بد من الحوار الذي يفتح نوافذ للسلام، ولابد من محاسبة من فعل كل هذا”، مؤكدًا أن “الخاسر الوحيد من كل ما يحدث هو الوطن وإنسان السودان، أطفاله ونساؤه وشيوخه وشبابه”.

ومحمد نجيب محمد علي هو شاعر وصحفي سوداني، من مواليد مدينة أرقو حاضرة شبه جزيرة أرقو بشمال السودان منتصف الخمسينات. تخرج من كلية الآداب جامعة القاهرة، وعمل بعدة صحف محلية وعربية. كما كان مراسلاً لعدة مواقع عربية.

يكتب بالفصحى والعامية ويعد من أهم شعراء الأغنية في السودان.

صدر له: (تعاويذ على شرفات الليل)، (ضد الإحباط)، (عن إلزا وذاكرة المدينة)، (دم العاصفة)، (نداء الأجنحة)، وله تحت الطبع ديوان: (أناشيد الأسئلة) المجموعة الحاصلة على جائزة الطيب صالح العالمية في دورتها الثانية عشرة- محور الشعر 2021. كما صدر له كتابان ضما أهم ما أجراه من حوارات في مسيرته الصحفية.

شارك في عدة فعاليات محلية وعربية، وتغنى بكلماته عدد من كبار الفنانين بالسودان. له عدة أعمال للأطفال، وترجمت قصائده للغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية.

أي تداعيات للحرب في السودان على المشهد الثقافي بالسودان، وكيف غيرت الحرب الخارطة الثقافية بالبلاد؟

يا لهول ما عشناه على مدى ثلاث سنوات وما زلنا من أهوال الحرب وقسوتها وما فعلته وتفعله بالإنسان السوداني والبلاد.

لم يسلم شيء. لا ذاكرة ولا ذكريات ولا مواعيد. ولا حبيبة. ولا مبنى ولا معنى ولا كتاب ولا مكتبة. ولا مبدع ولا قلم.. أول ما سعت له هذه الحرب المتوحشة كان ذاكرة الأمة، تراثها وحضارتها وثقافتها وأرشيفها وتاريخها.. حاولوا بكل ما لديهم من رصاص ومسيرات ودبابات إشعال الحرائق في كل شيء. استباحوا كل شيء. حتى أن بعض العذراوات من صبايا بنات ود مدني في أرض الجزيرة ألقين بأنفسهن في النيل حتى يسلمن من الاغتصاب..

من يصدق كل ما حدث؟ وقد فتحت الملاجيء أبوابها لتستقبل صرخات أهل السودان ودموعهم، كما رحل أجمل المبدعين السودانيين مثل عبد الكريم الكابلي ومحمد الأمين والشاعر محمد المكي إبراهيم والشاعر المفكر كمال الجزولي وهاشم صديق، وتشتت الآخرون، وهناك في أقاصي الأقاصي كانت أول الضحايا حين أحرقوا دار الوثائق المركزية التي تحوي في داخلها كل تاريخ الشعب السوداني على مدى زمن طويل، حين نهبوا متحف السودان القومي، جواهر التاريخ وتماثيله وآثاره، وأحرقوا مكتبة محمد عمر بشير بجامعة أم درمان الأهلية، ولم تسلم مكتبة جامعة الخرطوم من الخراب الذي لحق بها، ومكتبة السودان ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، كم هائل من المكتبات الخاصة لكبار الأدباء والشعراء مثل مكتبة محمد عبد الحي والنور عثمان أبكر والروائي عيسى الحلو والعلامة الدكتور عبد الله الطيب وغيرهم، فقد تبعثرت الكتب وأسود وجهها جراء ما لحق بها من نيران، مثل ما حدث ببغداد حين غزاها هولاكو، وتغير لون نهر دجلة إلى الأسود حدادًا من كثرة ما أغرق فيه من مخطوطات، وكأنما التاريخ يعيد نفسه.

ولم يسلم أيضًا كل أرشيف الصحف السودانية من لهب النار وحقد الحاقدين الذين أوصلونا إلى الدرك الأسفل من الحرب، وذبحوا السلام على مرأى من العالم. الذي أصبح لا يرى ولا يسمع ولا يحس. ماذا نقول حين يصبح الوطن منفى لنا، وهناك أيضًا من اصطاده الرصاص في بيته، حوادث كثيرة سيرويها التاريخ يومًا ولا أنسى أيضًا ما لحق بغابة الخرطوم التي ما تركوا لها شجرة ولا فرعًا ولا عش عصفور، ورغم كل ما يحدث وما حدث ما يزال هناك ضوء في آخر النفق يحمل قناديله المبدعون والكتاب وهم ينادون بالسلام والسلام لتقف الحرب، لتفتح المدارس أبوابها ليعود السودان إلى بيته بعيدًا عن التتار والجنجويد والطمع الأخرى. يحاولون فتح أبواب الأمل بالكتابة، بالقصيدة، بالأغنية والنداء، ويرسمون خارطة الزمان التي بعبق تاريخ نضالات الأمة السودانية وثوراتها المجيدة الخالدة. فيا أيها القتلة، السلام قادم رغمًا عنكم، فللأرض نبض كما للناس.

كيف يمكن للمثقف السوداني ترميم جراح الحرب في البلاد والمساهمة في نزع فتيل النزاع وإنهاء الانقسام؟

المثقف السوداني الآن يسعى بكل همة لكي تتوقف هذه الحرب الملعونة اليوم قبل الغد، الكثير من المذكرات والنداءات تحاول رسم خارطة طريق تبدأ أولا بصرخة الشاعر الراحل محمد حسن سالم حميد في قصيدته “أرضا سلاح”، المبدعون يناضلون بكلمة السلام ضد الحرب، ضد الخوف والموت المجاني، يفتحون أبواب الأمل لكي يعود النازحون واللاجئون إلى البلاد، يهمنا جدا نشر ثقافة السلام باعتبارها العروة التي ستعيد للأمان بيته وللبيت أمانه وتجمع الناس على المحبة، وليكن التعدد الذي يزخر به السودان دافعا للوحدة والبناء،وليس للتفرقة والنزاع، السودان أكثر من بلد واحد تفيض بالكنوز في باطن أرضها وفوق أرضها، مناجم وذهب وبترول ويورانيوم وزراعة وإنسان، وذلك ما جعله تحت عيون الطامعين من زمان قديم في عهد كتشنر وغردون والدفتردار وغيرهم، لو يدرك من أقاموا هذه الحرب النعم التي حباها الله لهم ولبلادهم، وبدل من أن يبنوا بها غدهم وأحلامهم صاروا يسرقونها بما يفعلون وما فعلوا حتى أن تعبير ( الشفشافة ) وهو لفظ يطلق على اللصوص صار من التعابير الرائجة في هذه الحرب، حتى اللغة لم تسلم من الاعتداء عليها، نحتاج حقا إلى لغة نظيفة تجمع ولا تنفر تنشر الجمال بين الناس وهذه مهمة المبدع والكاتب السوداني.

هل برأيك عسكرة المجتمع تُضاعف تحديات الحرب في السودان؟

المجتمع المدني هو الذي يقود الحياة عادة، والعسكر جزء من هذا المجتمع، فكل فرد يناضل وفق إمكانياته ومؤهلاته، وبالتأكيد ليس كل إنسان هو من العسكر ولن يستطيع أحد أن يعسكر مجتمعًا بحاله مهما كان الأمر. ولكن الحرب لها أصابعها وأياديها وأقدامها. نرى اليوم أن الحرب تسير في أكثر من اتجاه، هناك أجانب مثلًا يقاتلون لجانب طرف، وهناك استنفار في الجانب الآخر وشراكات. وفي الحرب لا ينتصر أحد، ولو كانت مثل حرب داحس والغبراء، لذا لابد من الحوار الذي يفتح نوافذ للسلام لتنتهي هذه الحرب الملعونة، ولابد من محاسبة من فعل كل هذا، الخاسر الوحيد من كل ما يحدث هو الوطن وإنسان السودان، أطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه وأشجاره.

أصدرت مؤخرًا ديوانًا شعريًا بعنوان (قصائد مخيفة)، أي رؤى وأسئلة وشكل يحمله الديوان الجديد؟

قصائد مخيفة هو تراجيديا المأساة التي يعيشها السودان اليوم، الخوف الذي سكن البيوت والغرف والشوارع والأسواق، ولم ينجُ منه حتى ركاب المواصلات العامة والمدارس والجوامع والكنائس. هذا الديوان يحمل في صفحاته حجم الخراب والدمار ومتاهات اللجوء والتشرد. هو شهادة على هذا العصر ولا تزال للقصة بقية، ورغم كل ذلك هو فعل مقاومة وأمل لغدٍ سيأتي، هو بشارات بميلاد سودان سينهض من غفوته، هو محاولة لعبور جسور الأحزان الغارقة في أمواج البكاء. أملًا في السلام، في صوت هديل حمامة أراها تحلق من فوقنا وتمد أجنحتها فوق أنهار الدماء التي تبحث عن شاطئ، كم من الكوابيس التي صارت تطاردنا وتحاصرنا نهارًا جهارًا، والجوع الذي بلا خاصرة في الفاشر ودارفور ونيالا، واليتامى الذين يبحثون عن نداء أمهات لم ترحمهن الرصاص. أخبئ قلبي ولساني عني حتى من سيرة ما حدث وما يصيبنا، هل رأيت صورة تلك البنت التي علقوها في فرع شجرة حتى ماتت لأنها قاومت من أراد اغتصابها؟ الشعر لا يكفي حتى نقول كل شيء.

هل بوسع الشعر تحدي الرصاص بالكلمات؟ وقد سبق أن صرحت أن قصيدة التفعيلة بوسعها تحمل كل فوضى العالم؟

الكلمة هي سر الحياة، وفي البدء كانت هي المعنى والأقصى، هي الحب والغضب والسلام، هي العناق، وهي المنتصرة دائمًا والفائزة. لن يقف أمامها رصاص وسدود ولا حواجز. وحدها من تعيد بناء العالم. وأمرها بإرادة المولى بين الكاف والنون. ونحن معشر الشعراء لنا حقول وحدائق وبساتين تضيء بأشجار الحروف، نسقيها من أنفاسنا ودمائنا لتثمر للناس وللحياة. ويوما قال اليوت الشعر هو تحويل الدم إلى حبر. وقال شوقي الشعر من نفس الرحمن مقتبس. فكيف لا يكون الشعر هو الأقوى؟ وفي ظني دائمًا أن سماء القصيدة تزخر بالعديد من الغيوم والنجوم، التي تسبح من ورائها، وكلما مرت عليها نسمة أو موجة من العواصف ترعد ويضيء برقها في اتجاهات عديدة، وتنزل الأمطار بأشكالها المختلفة وألوانها العديدة هادئة أو باردة عنيفة أو ضاحكة، مثلها مثل القصيدة هي من تختار شكلها حرة أو خليلية أو تفعيلة أو صورة. القصيدة تأتي للشاعر قبل أن يفكر في الذهاب لها، تغازله وتشعل نارها، محتالّة وذكية، تعلن صرختها وميلادها وتسمي نفسها. في اعتقادي أن هناك بحورًا جديدة للقصيدة ستولد غدًا لم نلمسها بعد. لقد اتسعت خيبات العالم، لذا لابد من قصيدة جديدة، وكتابة جديدة تحتمل كل هذه الخيبات.

هل ما زالت للقصيدة وقع لدى المواطن في ظل معاناته اليومية، هل ما زلت تراهن على قصيدة التفعيلة لنقل هموم المجتمع؟

الشاعر يولد شاعر، وهذه قناعتي المطلقة بأن الله هيأه لحمل هذه الأمانة وحده دون غيره من الناس، لذا فليس أمام الشعراء خيار سوى كتابة القصيدة، أما متى يقرأها الناس فهذا أمر لا يخص الشاعر أو القصيدة، ربما اليوم وربما غدًا وربما بعد أن يغادر الشاعر الحياة بأكملها. وتأكيدًا ليس كل خلق الله يحبون الشعر أو يتذوقونه، بل هناك من لا يطيقونه ولا يحفظون بيتًا واحدًا. ويوما كان هناك من يقولون عن الشعراء أنهم مجرد صعاليك. وعكس ذلك أيضًا هناك من يجلون الشعر والشعراء ويعتبرهم من أولياء الكلمة الصالحة. لذا فالأمر ليس له إطلاق. ينشغل الناس عن الشعر حين ينشغل عنهم. القصيدة ليست أمرًا خاصًا بالشاعر وحده، إنما لابد أن يتحول الخاص إلى عام ليلمس عذابات الناس وأفراحهم ورؤاهم. وحقًا نحن اليوم نعيش في عصر مجنون لا يملك من العقل إلا أقله. وحرب السودان تشهد على ذلك. والقاتل في هذا الزمن أصبح بطلًا، والسارق حارس الخزانة، كل شيء تغير، فكيف سيسلم الشعر من كل هذا؟ لم أعد أراهن على شيء، فكل من يراهن في هذا الزمن يخسر رهانه.

هل برأيك الشعر السوداني بطوريه الأفريقي والعربي ما زال منسيًا؟

كان يومًا من حظي أن نال ديواني (نداء الأجنحة) الجائزة الأولى في مسابقة الكتاب الأفارقة (باوا) في محور ديوان الشعر العربي عام 2021، وأيضًا نالت إحدى قصائدي الجائزة الثانية في مسابقة الأغنية العربية بتونس عام 2012، وأيضًا حصلت على جائزة الشعر بديوان (أناشيد الأسئلة) في مسابقة الطيب صالح العالمية عام 2021، بجانب مشاركاتي والكثير من شعراء السودان في فعاليات ومهرجانات بعدد من الدول الأفريقية والعربية بقدر ما يكون متاحًا لنا. ولا شك أن هناك أسماء نالت حظها من الشهرة في عالمنا العربي والأفريقي، أمثال محمد عبد الباري وروضة الحاج وعبد القادر الكتيابي وعالم عباس وفضيلي جماع وآخرون كثيرون. فلا أحسب أن الشعر السوداني غائب عن ساحات العالمين العربي والأفريقي. فهناك قصائد لشعراء سودانيين احتلت مواقعها في مناهج التعليم في بلاد غير السودان، مثل الشاعر محي الدين فارس والشاعر بابكر الوسيلة والشاعرة روضة الحاج وغيرهم. ربما يكون الإعلام قد غيب بعضهم من الذكر عمدًا، فنحن نعاني من المراكز الثقافية التي تهيمن على ساحة الإعلام الثقافي. لذا لا أحد يذكر أن الشاعر السوداني الهادي آدم مثلًا هو شاعر أغنية “أغدا ألقاك”، إحدى أشهر أغنيات أم كلثوم كوكب الشرق. وبرأيي نحن نحتاج إلى مراجعات ثقافية جادة تضع الأمور في نصابها الحقيقي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here