السودان: قراءة في زيارة قيادات تحالف “صمود” إلى الكيان الصهيوني

17

عباس محمد صالح، باحث في القضايا السياسية والفكرية

أثار خبر زيارة وفد من قيادات “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة” (المعروف بـ”صمود”) إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي (استناداً إلى “آفريكا إنتليجنس” في 17 حزيران/ يونيو) موجة من الجدل المكثف في الأوساط السودانية وربما العربية. غير أن هذه الخطوة، وبالنظر إلى طبيعة هذا التحالف ورؤاه السياسية وارتباطاته الوثيقة بالخارج، لم تكن مستغربة أو مفاجئة. فهذا التحالف الذي استبدل شرعية الداخل برعاية الخارج قد أصبح مؤخراً يراهن أكثر فأكثر على مشروع إقليمي أوسع حول الشرق الأوسط، بهدف اكتساب الشرعية السياسية والعودة إلى سدة الحكم في السودان.

في طبيعة تحالف “صمود”

قد تُعد زيارة قيادات “صمود” إلى الكيان الصهيوني الأولى من نوعها على المستوى الشعبي والسياسي في السودان، حيث ظل التطبيع مع “إسرائيل” مقتصراً بشكل عام على المستوى الرسمي بين الدول. لكن لفهم سياق هذه الزيارة فلا بد من الوقوف على طبيعة هذا التحالف وتكوينه ومواقفه السياسية.

بعد التغيير السياسي الكبير في السودان عام 2019، حظيت المجموعات المدنية التي برزت على الساحة بشرعية سياسية لم تتوفر لأي مجموعة سياسية أخرى في تاريخ البلاد السياسي أوصلتها “الشرعية الثورية” إلى السلطة في مرحلة حظيت باهتمام وتطلعات كبيرة، داخل السودان وخارجه. وحتى بعد اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023، كان يُنظر إلى هذه المجموعات على أنها القوى التي يمكن أن تتولى قيادة التغييرلإرساء قواعد نظام سياسي جديد. لكن سرعان ما تبددت هذه الشرعية والشعبية، إذ وجدت هذه المجموعات نفسها تخسر – وتستعدي بمواقفها السياسية – ليس فقط خصومها السياسيين، بل قطاعات واسعة من الشعب السوداني، وخاصة فيما يتعلق بموقفها من الحرب.

في إطار تبادل وتقاسم الأدوار السياسية بعد الحرب، جاء تشكيل “صمود” كتحالف عريض في منتصف عام 2025، وقدّم نفسه باعتباره “محايداً بين طرفي الحرب”. غير أن خطابه ومواقفه السياسية جعلته نموذجاً صارخاً لمأزق مجموعة سياسية اُنيط بها مهمة انتقالية معقدة: الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الاستبداد إلى الديمقراطية، ومن نظام الحزب الواحد إلى التعددية، ومن حكم النخب إلى حكم الشعب، ومن الشرعية الثورية الانتقالية إلى الشرعية الدستورية الدائمة. لكن، وبدلاً من ذلك عملت المجموعة على نقيض كل تلك الشعارات والآمال.

الحقيقة أن هذا التحالف يضم مجموعات سياسية متنافرة لا يجمع بينها شيء يذكر، سوى الدعم والرعاية الخارجية والرهان عليهما. وهو يعاني من التشرذم لكونه مجموعات متنافرة، يصعب إثبات مدنيتها وحيادها واستقلالها السياسي. ومع ذلك، يظل هذا التحالف مهماً بالنسبة للخارج (أو بعض القوى الدولية والإقليمية) لتحقيق أجنداته ومنع عودة الإسلاميين إلى ساحات التأثير والنفوذ مجدداً، وهو يكتسب شرعيته من هذا الأساس فحسب، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

ومع ذلك، فإن الرهان على الخارج والارتهان لأجندته هو ما جعل “صمود و”التي طالما تُوصف بأنها “أكبر تحالف مدني مناهض للحرب”، تفشل ليس فقط في إدارة الحكم الجديد، بل حتى في إدارة الخلافات والصراعات بين مكوناتها، أو في الحفاظ على شعبيتها باعتبارها “محتكر شرعية الثورة”. ومن اللافت أن الخارج، رغم رهانه على “صمود” يراهن بشكل أكبر على رمزية رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، أكثر من الرهان على هذا التحالف السياسي الذي يقوده. إذ يُنظر إلى حمدوك باعتباره “وجهاً دولياً” يممكن أن يحظى بقبول وشرعية دوليين نسبيان، مما يجعله مؤهلاً لمخاطبة العالم، ومن ثم الرهان على عودته لقيادة مرحلة ما بعد الحرب ليس بالضرورة وهو على رأس “صمود” كائتلاف سياسي اتسم العجز والفشل.

أما شعار “لا للحرب” الذي ترفعه “صمود” فقد تحول إلى شعار سياسي بامتياز، وليس موقفاً أخلاقياً محايداً. فهو شعار ثُبت أنه منحاز تماماً لسردية التمرد ورعاته الخارجيين، ومعادٍ بشكل هستيري للقوات المسلحة والفريق الوطني الداعم لها.

العامل السعودي خلف الكواليس

في خضم الصراع السياسي حول مستقبل السودان، لا يمكن فصل هذه الخطوة الجريئة التي قام بها بعض قيادات “صمود” بزيارة الكيان الصهيوني عن التنافس السعودي – الإماراتي المحتدم في السودان. فمن جهة، انخرطت الرياض مؤخراً في عملية استقطاب لمصلحة قائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، من خلال قيادة حوار لإقناع قيادات من مجموعتي “تأسيس” و”صمود” بالعودة إلى “صف الوطن”.

في هذا الصدد، انخرطت أبو ظبي في حملة قوية لتحصين صفوف المجموعات المدعومة منها، مثل “صمود” و”تأسيس” ومجموعة “قوى إعلان نيروبي”، لمنعها من الانشقاق والالتحاق بمعسكر القوات المسلحة، لاحباط حملةال تواصلال موازية والمنسقة التي تقودها الرياض لإقناع بعض قيادات هذه المجموعات بالانعتاق من الهيمنة الإماراتية ودعم مشروع التسوية التي تسعى لتحقيقها في السودان.

وبناء على ذلك، فإن دفع مجموعات مدنية مثل “صمود” للتورط في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني يأتي في سياق استراتيجية إماراتية تهدف إلى توريط هذه الشخصيات في زيارات مرتبة مسبقاً إلى “إسرائيل”، وبالتالي منعها من العودة إلى معسكر القوات المسلحة، ومن ثم وسمها بالعار وعزلها شعبياً، مما يجعلها منبوذة وغير قابلة للانضمام إلى أي تحالف وطني مستقبلي في الداخل. علاوة على ذلك، قد تندرج هذه الخطوة أيضاً في إطار محاولات لإضفاء بُعد وزخم شعبي أكبر على عملية التطبيع في حد ذاتها.

“التطبيع” والتنافس بين العسكر والمدنيين

خلال الفترة الانتقالية بين 2019 و2023، كان التطبيع مع دولة الاحتلال في قلب التنافس بين الحكام الجدد في البلاد. فمن جهة، كان هناك قيادة المكون العسكري (القوات المسلحة وقوات الدعم السريع)، ومن جهة أخرى قيادات المكون المدني من مجموعة “الحرية والتغيير” (اللجنة المركزية). بينما كانت أبو ظبي حاضرة، بصفتها الراعي الإقليمي للتطبيع في إطار “الاتفاقيات الإبراهيمية”، والحليف والداعم الأكبر لهذا التحالف.

ونتيجة لذلك، كانت السلطة الانتقالية الجديدة منخرطة تماماً في مسار التطبيع، وشروطه للعودة إلى المجتمع الدولي وإنهاء عزلة البلاد الناتجة عن سياسات النظام السابق بحسب السردية التي تم الترويج لها من قبل هذا الفريق السياسي. كما أن تحالف الحكم إبان تلك الفترة كان يرى نفسه – كما لا يزال – أنه جزءاً من النظام الإقليمي الناشئ على قاعدة المعاهدات الإبراهيمية، وبالتالي لم يرَ ضيراً في المضي قدماً في التطبيع. وفي هذا الإطار، كانت حكومة حمدوك قد ألغت في أبريل/نيسان “قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1958″، كذلك وقع وزير العدل – آنذاك – نصر الدين عبد الباري على وثيقة “الاتفاقيات الإبراهيمية” عن حكومة السودان.

“دور صمود” في حرب السرديات

مؤخراً، ومع تعثر مشروع التمرد للسيطرة على السودان، وتزايد التقارير حول حجم الانتهاكات والجرائم والدور الخارجي في هذه المأساة الإنسانية، برز تركيز ملحوظ للمنصات والمنابر اليمينية المحافظة في الغرب، وخاصة الداعمة للكيان الصهيوني، على نشر مواد دعائية تهدف إلى حرف طبيعة الصراع الدائر، خاصة في ظل الاهتمام الدولي بتطورات هذا الصراع حيث أصبحت عناصر من “صمود” منخرطة بشكل واضح في أنشطة هذه المنصات.

في هذا الخضم، لطالما ردد عناصر وقيادات “صمود” اتهامات وأكاذيب صريحة صدرت عن دوائر خارجية بشأن الصراع في السودان، وكان انحيازهم واضحاً ضد القوات المسلحة. فقد روجوا لمزاعم استخدام أسلحة كيميائية من قبل القوات المسلحة، وكذلك مزاعم عن علاقات بين القوات المسلحة وإيران و”الحرس الثوري”، بهدف دفع “إسرائيل” لتوجيه ضربات ضد أهداف استراتيجية للجيش السوداني، بما يرجح كفة المتمردين. كما رددوا مزاعم مبالغاً فيها عن نفوذ الإسلاميين داخل القوات المسلحة وتأثيرهم على قرارات قيادتها، أو أنهم هم من أشعل الحرب (أي تمرد قوات الدعم السريع) بهدف العودة إلى السلطة مجدداً.

وبناءً على ما سبق، فإن ما تم الكشف عنه حول زيارة شخصيات قيادية من “صمود” إلى “إسرائيل” يتسق تماماً مع الدور الذي وُظف فيه هذا التحالف السياسي والدور المرسوم له بعناية منذ اندلاع الحرب في نيسان /أبريل 2023، وتحديداً الانخراط في حرب السرديات وحملات التضليل المنظمة بشأن طبيعة الصراع في السودان.

علاوة على ذلك، فإن التماهي التام مع المشروع الإماراتي في السودان – الذي يشكل التطبيع مع الكيان الصهيوني أحد ركائزه الأساسية متوقعة حيث يُنظر إليها على أنها خطوة للترويج لهذا لمسار التطبيع وإدماجه في خطابات ومواقف كيانات سياسية قد تصبح قوى حاكمة في بلدانها يوما ما، بالإضافة إلى نسج أجندات مشتركة على المستوى الاقليمي في مواجهة أعداء مزعومين.

ومن المفارقات اللافتة أن التطبيع والمشروع الإبراهيمي، في جوهرهما، معاديان تماماً لفكرة الديمقراطية. لذا جاء إجهاض ثورات الربيع العربي في سياق منع قيام أنظمة ديمقراطية تعكس إرادة الشعوب، والتي لا تزال تنظر إلى الكيان الصهيوني باعتباره “عدواً وجودياً”.

تيه سياسي وتآكل الشعبية

رغم الدعم الخارجي الكبير الذي حظي به تحالف “صمود” في فترة ما بعد الحرب، فمع ذلك فشل التحالف فشلاً ذريعاً، سواء على صعيد تطوير مشروع سياسي لانتقال سياسي ناجح في البلاد، أو حتى في الحفاظ على تماسكه الداخلي. إذ تزايدت الانشقاقات والتنافس بين مكوناته؛ كما تزايد أيضاً التنافس بينه وبين مكونات أخرى تقاسمه صفة “المدنية” وادعاء الحياد تجاه أطراف الحرب. كذلك اشتد التنافس بين تحالف “صمود” والمجموعات الأخرى على الحصول على دعم والشرعية من الجهات الخارجية، بدلاً من الرهان على اكتساب الشرعية في الشعبية الداخل لاسيما وأن التحالف يدّعي المدنية والديموقراطية والتي لا يمكن قياسها أو اكتسابها إلا عبر تفويض من الشعب.

لذا، فإن ما نُشر حول زيارة قيادات من هذا التحالف إلى “إسرائيل” لا يندرج إلا في سياق التيه السياسي الذي يتخبط فيه هذا التحالف، وبالتالي استمرار تآكل شعبيته ومشروعيته السياسية داخلياً. فهي أيضاً خطوة تعكس مدى اليأس السياسي والارتهان الأعمى لأجندات خارجية، على حساب المصلحة الوطنية والشعبية التي تآكلت بشكل كبير.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here