“أنواع لازاروس”.. عندما يخطئ العلماء في إعلان الانقراض

3
"أنواع لازاروس".. عندما يخطئ العلماء في إعلان الانقراض

أفريقيا برس – السودان. في بعض الحالات، يعلن العلماء انقراض نوع ما. ومع ذلك، تفاجئنا الطبيعة في حالات نادرة بما لم يكن في الحسبان، حيث يتبين لاحقا أنه ما زال موجودا. وتعرف هذه الحالات باسم “أنواع لازاروس” في إشارة إلى الشخصية الإنجيلية التي قيل إنها عادت إلى الحياة.

توضح رئيسة قسم الحفاظ على البيئة بكلية علوم الحيوان بجامعة نوتنغهام ترنت بإنجلترا، لويز جنتل، أن “مصطلح أنواع لازاروس يُطلق على الكائنات التي تغيب عن الرصد لفترات طويلة، ويُعتقد أنها انقرضت، قبل أن يعاد اكتشافها لاحقا، لتثبت أنها لم تختفِ تماما، بل كانت متوارية عن الأنظار”.

وتضيف في حديثها للجزيرة نت “قد يستخدم المصطلح أيضا لوصف كائنات اختفت من السجل الأحفوري لفترات زمنية طويلة قد تمتد أحيانا إلى ملايين السنين، قبل أن يعاد اكتشافها في العصر الحديث بصورة استثنائية”.

موجة انقراض أكثر تسارعا

يعرف النوع المنقرض بأنه ذلك الذي لا يوجد أي شك معقول في وفاة آخر أفراده، وذلك بعد إجراء مسوحات ميدانية مكثفة في جميع موائله المعروفة أو المحتملة عبر فترات زمنية مناسبة.

وشهد تاريخ الأرض خمس موجات انقراض جماعي، كان أشهرها ذلك الذي قضى على الديناصورات. ويشهد الكوكب حاليا ما يصفه بعض العلماء بـ”الانقراض السادس”، ويرتبط إلى حد كبير بالأنشطة البشرية.

وفي ظل محدودية الموارد المخصصة لتوثيق التنوع الحيوي، يعتقد الباحثون أن موجة الانقراض الحالية تحدث بوتيرة أسرع بمئات أو حتى آلاف المرات مقارنة بما كانت عليه قبل التأثير البشري الواسع.

وتشير جنتل إلى أن نحو ثلث الأنواع التي خضعت للتقييم مهدد بالانقراض، موضحة أن العديد منها لا تتمكن من التكيف بالسرعة الكافية مع التغيرات البيئية المتسارعة، سواء نتيجة الاحترار العالمي أو التلوث أو تدمير الموائل أو إدخال أنواع دخيلة، ما يدفع بعضها إلى المصير نفسه الذي لاقته الديناصورات.

ومع ذلك، ليس من السهل الجزم بانقراض أي كائن، إذ يكفي العثور على فرد واحد لإثبات بقائه. ولهذا، يعتمد الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة على “القائمة الحمراء”، التي تُقيَّم فيها الأنواع وفق حجم جماعاتها وانتشارها واتجاهات أعدادها.

شواهد على “العودة من الموت”

على مدار العقود الماضية، أعيد اكتشاف أكثر من مئة نوعٍ من الكائنات التي اعتقد أنها اختفت إلى الأبد، مع بقاء مصيرها المستقبلي مرهونا بمرور الزمن.

ووفقا للمحاضرة المتخصصة في حماية الحياة البرية، غالبا ما تشترك هذه الكائنات في سمات أساسية، أهمها الندرة الشديدة، والعيش في نطاقات جغرافية محدودة وموائل نائية، ما يجعل رصدها أمرا بالغ الصعوبة.

وتعد قصة سمكة السيلاكانث – التي تعيش في كهوف المياه العميقة بعيدا عن الأنظار – من أشهر الأمثلة التاريخية على “أنواع لازاروس”، إذ كان يُعتقد أنها انقرضت منذ 66 مليون سنةٍ، قبل أن تُصاد عينة حية عام 1938 قبالة سواحل جنوب أفريقيا، في واحد من أهم الاكتشافات الحيوانية في القرن العشرين.

وفي حالات أخرى، لعبت المعرفة المحلية دورا حاسما، كما حدث مع البيكاري التشاكواني. هذا الحيوان الشبيه بالخنزير كان معروفا من الأحافير فقط قبل العثور عليه حيا في عام 1971، في منطقة تشاكو القاحلة بالأرجنتين، حيث يعيش في بيئات حارة وجافة يصعب على البشر اختراقها.

أما نحلة والاس العملاقة، أو “ماغاتشيلي بلوتو” النادرة، أكبر نحلة في العالم بطول نحو 4 سنتيمترات، أي 4 أضعاف نحلة العسل، فقد أعيد اكتشافها عام 2019 عندما عُثر على أنثى واحدة تعشش داخل عش للنمل الأبيض في إندونيسيا، بعد غياب 38 عاماً، لكنها لا تزال مهددة بفقدان موائلها نتيجة توسع مزارع زيت النخيل.

كما عادت إلى الظهور أنواع شديدة الندرة مثل السولنودون الكوبي السام الذي لم يُسجل منه سوى 37 فرداً، وأعلن انقراضه عام 1970. وهناك أيضا خفاش غينيا الجديدة كبير الأذنين الذي عُثر عليه 2012 بعد 120 عاما من اختفائه، إضافة إلى سحلية الرعب، المعروفة أيضا باسم سحلية بوكورت المرعبة، التي لم تكن معروفة إلا من عينة واحدة محفوظة في المتحف، حتى أعيد اكتشافها عام 2000.

وشهد عام 2023 مثالين بارزين، إذ أعيد اكتشاف سحلية تنين المراعي عديم الأذنين بعد غياب تجاوز نصف قرن. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، عُثر مجددا على النضناض طويل المنقار لأتينبارا في جبال سيكلوبس بإندونيسيا بعد أكثر من 6 عقود من اختفائه.

في مواجهة خطر الانقراض مجددا

ورغم هذه القصص الملهمة، يحذر العلماء من الإفراط في التفاؤل. فإعادة الاكتشاف لا تعني انتهاء الخطر، إذ تبقى معظم هذه الأنواع مهددة بالانقراض. مثلا، يصل عدد أفراد طائر التاكاهي نحو 225 طائراً، ويُقدر عدد أفراد سمكة السيلاكانث المتبقي بنحو 500 سمكةٍ، ولا يتجاوز عدد أفراد قرد الصوف ذو الذيل الأصفر اليوم أكثر من ألف قردٍ في البرية، ويُقدّر عدد أفراد البيكاري التشاكواني اليوم بنحو 3000 فرد.

كما أن بعض الأنواع، مثل النمر التسماني الذي يُعتقد أنه اختفى نهائيا في ستينيات القرن العشرين، لا تزال فرص العثور عليها ضئيلة للغاية، حيث يقدر العلماء احتمال بقاء هذا النوع بأقل من 1%، ما يجعله رمزا في مجتمع “علم الحيوانات الخفية”، الذي يهتم بالكائنات الأسطورية أو المفترضة.

وتوضح جنتل أن “الأنواع المكتشفة مجددا تؤكد أن غيابها عن السجلات العلمية لا يعني بالضرورة انقراضها، بل قد يعود إلى محدودية معرفتنا بها أو صعوبة الوصول إلى موائلها”.

وتضيف أن “هذه الأنواع تظل نادرة وهشة، وأن بقاءها على المدى الطويل يعتمد على تكثيف عمليات المراقبة والرصد وحماية بيئاتها الطبيعية قبل أن تختفي فعليا هذه المرة”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here