القهوة الممنوعة.. 4 مرات أثارت فيها حبوب البن غضب الحكام

3
القهوة الممنوعة.. 4 مرات أثارت فيها حبوب البن غضب الحكام
القهوة الممنوعة.. 4 مرات أثارت فيها حبوب البن غضب الحكام

أفريقيا برس – السودان. من الصعب أن نتخيل اليوم أن رشفة القهوة الصباحية كانت في زمن ما فعلا يستوجب المحاكمة وأحيانا المقصلة. لكن هذا ما حدث بالفعل منذ القرن الـ16، وفق تقرير مجلة “بوبيولار ساينس” الأمريكية، حين خرج هذا المشروب الداكن من جبال اليمن إلى مدن العالم الإسلامي ثم إلى أوروبا حاملا معه ما هو أكثر من المذاق، الطاقة والثرثرة والأفكار الجديدة والقلق العميق لدى السلطة.

من اليمن إلى مكة.. إغلاق الأبواب أمام “شراب اليقظة”

مع انتشار القهوة في أوساط المتصوفة في اليمن باعتبارها “شرابا يعين على الذكر والسهر للعبادة”، سرعان ما تجاوزت حدود الزوايا الصوفية لتصل إلى الحجاز. في مكة تحولت المقاهي إلى فضاءات جديدة يجلس فيها الناس متقابلين يتبادلون القصص والآراء ويطيلون السهر حول فنجان لا يُسكر لكنه “يوقظ”.

عام 1511 رأى والي مكة الأمير خير بك أن هذا الشراب الجديد خطر يتجاوز الحبوب المغلية في الماء. كان يخشى أن تتحول تلك الجلسات الليلية إلى مجالس غيبة أو نواد لانتقاد السلطة أو التآمر ضدها، فاستصدر فتوى بتحريم القهوة وأغلق المقاهي وأمر بحرق شحنات البن في الساحات، وهي واحدة من أوائل قرارات المنع المنظمة في تاريخ هذا المشروب.

لكن صرامة الوالي اصطدمت بحسابات القاهرة، فالسلطان المملوكي الأشرف قانصوه الغوري لم يكن مستعدا لخسارة تجارة مزدهرة ولا لإشعال غضب تجار وزوار تعلقوا بشرابهم الجديد. فأعيد النظر في الحظر وخُففت القيود وبقيت القهوة تحت المراقبة أكثر منها تحت المنع الكامل.

إسطنبول تحت عين مراد الرابع.. فنجان قد يكلفك حياتك

بعد قرن تقريبا كانت القهوة قد صارت جزءا من نبض المدن العثمانية. في إسطنبول أضحت المقاهي “صالونات عامة” تقرأ فيها الأخبار وتروى فيها النكات السياسية وتتداول فيها الشائعات قبل أن تصل إلى قصر السلطان.

في النصف الأول من القرن الـ17 رأى السلطان مراد الرابع أن مجالس القهوة ليست مجرد عادة، بل هي تجمعات تحمل في طياتها بذور التمرد. كان الرجل مشغولا بضبط العاصمة بعد فترات اضطراب، فقرر أن يضرب في العمق “الفضاء الذي تولد فيه الأحاديث وتنتشر”، فصدرت أوامر مشددة تحظر شرب القهوة “علنا” وتعتبر تكرار المخالفة جريمة كبرى قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.

تُنقل روايات عن خروج السلطان متخفيا في أزقة إسطنبول بحثا عن المخالفين في مشهد يكشف عمق القلق من مكان بدا في الظاهر بريئا “مقهى يتسامر فيه الناس”، لكن جوهر الخوف كان أبعد من “الشراب” نفسه، وامتد إلى أثره الاجتماعي والسياسي، من اختلاط الحرفيين بالعلماء والجنود بالتجار في مساحة لا ترعاها السلطة لكنها تعيد إنتاج رأي عام يراقبها وينتقدها.

السويد.. 5 محاولات لإسكات الفنجان

في القرن الـ18 انتقلت “حرب القهوة” إلى شمال أوروبا لكن بأسباب مختلفة، ففي السويد كانت السلطة تنظر إلى المشروب الجديد على أنه عادة مستوردة تهدد اقتصاد الدولة وصحتها العامة.

منذ خمسينيات ذلك القرن وحتى بدايات القرن الـ19 تعاقبت قرارات الحظر والضرائب الباهظة 5 مرات، وكانت الحجة الرسمية تتراوح بين حماية ميزان التجارة ومنع خروج الأموال إلى الخارج، والتحذير من “أضرار صحية” على الأعصاب والمعدة.

لكن خلف تلك المخاوف كانت هناك خشية أخرى تتمثل في نمو طبقة من متوسطي الحال والمثقفين تتخذ من المقاهي مسرحا لنقاشات سياسية وفكرية خارج أطر البلاط والكنيسة.

اللافت أن المنع لم ينجح إلا في شيء واحد، وهو رفع مكانة القهوة إلى رمز للممانعة اليومية، فكلما تشددت الدولة ازدهرت طرق الالتفاف من طحن حبوب أخرى تشبه البن للتمويه إلى تقديم القهوة في البيوت خلف الأبواب المغلقة وكأنها طقس سري يتحدى القانون.

بروسيا.. “شمّامو القهوة” في شوارع برلين

في الجهة الأخرى من أوروبا وجد الملك فريدريش الأكبر في بروسيا نفسه أمام مشروب ينافس النبيذ والبيرة، وكانا مصدرين مهمين للدخل والولاء الاقتصادي، وفي عام 1777 أصدر مرسوما يعلن فيه تفضيل “النبيذ الوطني” على “القهوة الأجنبية”، ملوحا بمخاطر اقتصادية واجتماعية لهذا المشروب الداكن.

لكن فريدريش لم يكتف بالنصوص، بل أنشأ جهازا غريبا في تاريخ الرقابة سماه “شمّامي القهوة”، وهم موظفون تجوب أنوفهم شوارع برلين وبيوتها لالتقاط رائحة البن المحمص وضبط عمليات التحميص غير المرخصة وملاحقة المهربين الذين جلبوا الحبوب سرا من الخارج.

وتحولت الرائحة ذاتها إلى دليل إدانة وصار دخان البن المتصاعد من نافذة مطبخ سببا في مداهمة قد تجر صاحبها إلى التحقيق أو الغرامة. ومع ذلك ظلت القهوة تتفلت من بين أصابع السلطة متخفية في أكياس البضائع الأخرى أو في تواطؤ صامت بين الباعة والزبائن.

لماذا كانت “السلطة” تخاف من فنجان قهوة؟

في كل هذه التجارب، من مكة إلى إسطنبول ومن ستوكهولم إلى برلين، بدت الحجج الرسمية متشابهة:

اتهامات صحية: تفسد الأعصاب وتضعف الجسد وتثير “السهر غير النافع”.

مخاوف أخلاقية: مجالس للغيبة والاختلاط ونشر السخرية.

اعتبارات اقتصادية: استنزاف العملات لصالح تجار البن في الخارج ومنافسة المشروبات المحلية الخاضعة للضرائب.

لكن وراء هذه المبررات كان هناك قاسم مشترك، وهو أن “المقاهي فضاءات يصعب إخضاعها”، فهي ليست مسجدا يمكن أن يخضع لخطبة موحدة ولا مجلسا رسميا بضيوف مختارين، بل مساحة مفتوحة تتجاور فيها طبقات المجتمع وتتلاقى فيها الأخبار والشائعات والأفكار.

القهوة لم تكن مجرد مشروب، بل تقنية اجتماعية جديدة لإدارة الوقت والعلاقات:

تمنح اليقظة بدل الثمالة.

تدفع إلى الحوار بدل الخدر.

تجمع الغرباء حول طاولة واحدة.

وهذا ما جعلها مصدر قلق للأنظمة السياسية المتعاقبة أكثر مما جعلها خصما للأطباء أو الفقهاء.

مشروب عصي على المنع

مع نهاية القرن الـ19 كانت محاولات حظر القهوة قد تراجعت في معظم أنحاء العالم وانتصر الفنجان على المقصلة والمرسوم والشمّام. تحولت المقاهي إلى مؤسسات شبه رسمية في حياة المدن، وإلى مكاتب مفتوحة للصحفيين والطلاب والسياسيين والكتّاب.

ومع ذلك فإن تاريخ تجريم القهوة يضيء زاوية حساسة في علاقة السلطة بحياة الناس اليومية، فالمعركة لم تكن يوما مع مشروب أسود، بل مع المساحة التي يفتحها للكلام ومع الجماعة الصغيرة التي تتكون حول طاولة ومع سؤال بسيط يهمس به أحدهم بعد رشفة “وماذا لو كان بإمكان الأمور أن تكون على نحو آخر؟”.

كل مرة رُفع فيها فنجان القهوة في وجه المنع كان العالم يضيف لبنة جديدة إلى فكرة الحرية، ليس في الشعارات الكبرى، بل في أبسط مظاهرها وهي حق الإنسان في أن يختار كيف يسهر ومع من يتكلم وتحت أي سقف يتبادل الأفكار، وأي مشروب يرتشف.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here