أفريقيا برس – السودان. تكشف دراسة جديدة عن حيلة جزيئية صغيرة تستخدمها نباتات بدائية تُعرف باسم القرنيات، وقد تساعد مستقبلاً في رفع كفاءة المحاصيل الزراعية الكبرى مثل القمح والأرز.
فالباحثون وجدوا أن هذه النباتات طورت طريقة غير معتادة لتنظيم إنزيم “روبيسكو”، وهو الإنزيم الأساسي الذي يلتقط ثاني أكسيد الكربون من الهواء أثناء البناء الضوئي، لكنه معروف أيضاً بأنه بطيء الأداء ويميل أحياناً إلى التفاعل مع الأكسجين بدلاً من ثاني أكسيد الكربون، ما يهدر الطاقة ويخفض كفاءة نمو النبات.
حيز مكثف
الجديد في هذه الدراسة، التي نشرت في دورية “ساينس” (Science) يوم 11 مارس/آذار 2026، وقادها باحثون من معهد بويس طومسون وجامعة كورنيل وجامعة إدنبرة، أن القرنيات لا تعتمد على بروتين منفصل لجمع هذا الإنزيم في حيز مكثف، كما يحدث في بعض الطحالب، بل يبدو أنها عدلت جزءاً من الإنزيم نفسه.
فقد حدد العلماء مكوناً بروتينياً أطلقوا عليه اسم “آر بي سي إس-ستار”، يحتوي على ذيل إضافي يعمل مثل “الفيلكرو الجزيئي”، فيجعل جزيئات روبيسكو تلتصق ببعضها بعضاً وتتجمع في بنى كثيفة داخل الخلية. هذه البنى تساعد، نظرياً، على تحسين عمل الإنزيم عبر تركيز البيئة المناسبة حوله.
ولم يقتصر الأمر على الملاحظة فقط، إذ اختبر الباحثون هذه الفكرة عملياً. فعندما أدخلوا هذا المكون إلى نوع قريب من القرنيات لا يكوّن هذه التراكيب طبيعياً، أعاد روبيسكو تنظيم نفسه في تجمعات كثيفة تشبه تلك الموجودة في الأنواع القادرة على تركيز الكربون.
ثم كرر الفريق التجربة في نبات الأرابيدوبسيس، وهو من أشهر النباتات النموذجية في المختبرات، فحدث التأثير نفسه مرة أخرى، ما يشير إلى أن هذه الآلية قد تكون قابلة للنقل بين أنواع نباتية مختلفة.
روبيسكو وحده لا يكفي
أهمية هذه النتيجة تتجاوز الفضول البيولوجي. فالعلماء يسعون منذ سنوات إلى جعل المحاصيل الغذائية أكثر كفاءة في استخدام الضوء وثاني أكسيد الكربون، لأن أي تحسن ولو بسيط في كفاءة البناء الضوئي يمكن أن ينعكس على زيادة الغلة الزراعية وتقليل الأثر البيئي للزراعة.
لكن الباحثين يؤكدون أن تجميع روبيسكو وحده لا يكفي؛ إذ لا بد أيضاً من تطوير وسائل فعالة لإيصال ثاني أكسيد الكربون إلى هذا التجمع داخل الخلية. ولهذا وصف أحد الباحثين ما تحقق بأنه بناء “بيت لروبيسكو”، لكنه ما زال يحتاج إلى “نظام تهوية” جيد ليعمل بكفاءة كاملة.
والخلاصة أن الطبيعة ربما تكون قد قدمت بالفعل نموذجاً أبسط وأقرب إلى المحاصيل الأرضية مما كان العلماء يتوقعون، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلاً أمام محاصيل أقدر على تحويل ضوء الشمس إلى غذاء.
وفي عالم يزداد فيه الضغط على الأمن الغذائي، لا تبدو هذه الأبحاث ترفاً علمياً، بل استجابة لحاجة عالمية ملحة، فبحسب أحدث تقرير أممي، عانى نحو 673 مليون إنسان من الجوع في عام 2024، أي ما يعادل 8.3% من سكان العالم، بينما واجه حوالي 2.3 مليار شخص مستويات متوسطة أو شديدة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي الوقت نفسه، أظهر تقرير عالمي آخر أن أكثر من 295 مليون شخص في 53 دولة وإقليما مروا بمستويات حادة من الجوع خلال عام 2024.
وتزداد أهمية أي تحسين في كفاءة المحاصيل إذا تذكرنا أن عدد سكان العالم مرشح لبلوغ نحو 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050، في وقت تشير فيه تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تلبية الطلب المستقبلي ستتطلب زيادة كبيرة ومستدامة في إنتاج الغذاء مقارنة بمستويات اليوم.





