أفريقيا برس – السودان. اعتدنا أن نتخيَّل الميكروبلاستيك بوصفه “فُتاتا” بلاستيكيا طافيا، يتمثل في حبيبات دقيقة تحملها التيارات في الأنهار والبحيرات والمحيطات.
لكن دراسة حديثة في دورية “نيو كونتامينانتس”، تُنبّه إلى طبقة خفية من القصة، فهذه الجزيئات لا تلوث الماء وهي مواد صلبة فقط، بل تُطلِق أيضا مزيجا ذائبا من المركبات العضوية يمثل “سحابة” غير مرئية يُسرِّع أشعّة الشمس، ولا سيّما فوق البنفسجية، تكونها ويبدلها مع الوقت.
الفكرة هنا بسيطة ومزعجة في آنٍ واحد، فحتى لو التقطت قطعة البلاستيك، فقد يبقى جزء من أثرها في الماء على هيئة جزيئات ذائبة دقيقة، تتفاعل حيويا وكيميائيا بطرق مختلفة.
مادة من نوع خاص
بشكل خاص، يركز الباحثون في دراستهم على “المادة العضوية الذائبة المشتقّة من الميكروبلاستيك”، وهي مركّبات كربونية تذوب في الماء وتنبع من البلاستيك نفسه، إمّا من إضافاته الصناعية، أو من وحداته المتكسّرة، أو من نواتج الأكسدة الضوئية.
في هذا السياق، فإن الدراسة تقدم صورة جزيئية تفصيلية لكيفية تشكل هذه المركبات وتغيّرها عبر الزمن ومع الضوء.
ولاختبار دور الضوء، وضع الفريق أربعة أنواع شائعة من الميكروبلاستيك في الماء، وهي البولي إيثيلين والبولي إيثيلين تيرفثالات و”بي بات”، وهو بوليمر يُستخدم في تطبيقات توصف أحيانا بأنها قابلة للتحلل، وحمض البولي لاكتيك.
بعد ذلك، قارن الفريق ما تطلقه هذه المواد بما يُعرف بالمادة العضوية الطبيعية الذائبة، الموجودة في الأنهار، تحت شرطين، الأول هو الظلام، والثاني هو الأشعة فوق البنفسجية لمدة وصلت إلى 96 ساعة، مع استخدام أدوات تحليل متقدمة.
نتائج مقلقة
النتيجة الجوهرية كانت أن الضوء ليس تفصيلًا ثانويا، بل هو “المحرّك” الأساسي الذي يرفع إطلاق الكربون العضوي الذائب من البلاستيك، ويغير تركيب ما يُطلَق مع مرور الوقت.
إلى جانب ذلك، ظهر أن البلاستك “القابل للتحلل” يتأثر بشكل أكبر من بقية الأنواع، مما يفتح بابًا لأسئلة جديدة حول الأثر البيئي الفعلي لهذه البدائل عندما تتحول إلى ميكروبلاستيك أو تتعرض لتجوية ضوئية.
وعند تحليل السحابة الكيميائية التي يطلقها الميكروبلاستيك في الماء، تبين أنها ليست مادة واحدة بل خليط واسع يضم ثلاثة مكوّنات رئيسية، الأول هو إضافات صناعية مُدمجة في البلاستيك (مثل بعض الفثالات) قد تنفلت بسهولة لأن ارتباطها داخل المادة أضعف نسبيًّا.
وثانيا، رصد العلماء مونومرات وأوليغومرات، وهي لبنات وشظايا صغيرة تنفصل عن سلاسل البوليمر نتيجة التكسّر.
وأخيرا، وجد العلماء نواتج أكسدة ضوئية تتزايد مع التجوية والتعرض للضوء، فتظهر مركبات أكثر “تأكسدا” غنيّة بمجموعات وظيفية حاوية للأكسجين، مما يدل على تحوّلات كيميائية نشطة على سطح البلاستيك وفي الماء المحيط به.
لا تزعم الدراسة أننا نعرف حجم الأضرار بدقة حتى الآن، لكنها تقترح آلية واضحة لما قد يحدث عندما يطلق الميكروبلاستيك مركّبات عضوية ذائبة صغيرة، فهذه المركبات قد تنشط نمو الميكروبات أو تكبحه فتربك توازن المجتمعات الميكروبية، وقد تؤثر في دورات المغذيات والكربون داخل الماء، كما يمكن أن تتفاعل مع المعادن وملوثات أخرى فتغيّر طريقة انتقالها أو التصاقها بالجسيمات.
لذلك فالمشكلة، كما توضحها الدراسة، لا تتوقف عند “حبة بلاستيك” قد تبتلعها كائنات مائية، بل تمتد إلى الكيمياء المتبدلة التي تتركها خلفها في البيئة المائية.





