تطورات جنوب كردفان والنيل الأزرق وتأثيرها على حرب السودان

3
تطورات جنوب كردفان والنيل الأزرق وتأثيرها على حرب السودان
تطورات جنوب كردفان والنيل الأزرق وتأثيرها على حرب السودان

أفريقيا برس – السودان. عَدَّ خبراء عسكريون ومراقبون إنهاء الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه الحصار عن الدلنج (ثانية كبرى المدن بولاية جنوب كردفان) وصد الهجوم على منطقتين في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، تحوُّلا في مسار الحرب وإجهاضا لمخطط “شد الأطراف” من تحالف الدعم السريع مع الحركة الشعبية-شمال لتعطيل العمليات في إقليم كردفان.

وأنهى الجيش السوداني، يوم الاثنين، الحصار المفروض على الدلنج الذي استمر نحو عامين، وأدى الى مجاعة وتدهور الأوضاع الإنسانية ونزوح الآلاف من المدنيين الى مواقع أخرى بكردفان وفي وسط البلاد.

وبإنهاء الحصار، يكون الجيش قد استعاد خطوط الإمداد وفتح الممرات الحيوية إلى المدينة من شمال كردفان تمهيدا للوصول إلى كادقلي عاصمة جنوب الإقليم، التي تعاني أيضا حصارا وقصفا مستمرا بالمسيَّرات والمدافع من تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال، مما خلَّف أوضاعا إنسانية سيئة.

وقال بيان عن مكتب المتحدث باسم الجيش إن “القوات المسلحة والقوات المساندة تمكنت بعون الله وتوفيقه من فتح طريق الدلنج عنوة واقتدارا، بعد تنفيذ عملية عسكرية ناجحة، أسفرت عن دحر وتدمير مليشيا آل دقلو الإرهابية ومرتزقتها التي كانت تحاول تعطيل حركة المواطنين والإمدادات واستهداف الأمن والاستقرار بالمنطقة”.

وأوضح أن الجيش كبَّد الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد “وفرَّ من تبقى منهم هاربين تحت ضربات أبطال قواتنا، الذين أثبتوا مرة أخرى جاهزيتهم العالية وانضباطهم وقدرتهم على الحسم في كافة المحاور”.

تحرك مدروس

وذكرت منصة “القدرات العسكرية السودانية” القريبة من المؤسسة العسكرية أن الجيش حقق تقدما عملياتيا “مهمّا” بمحور كردفان مكَّنه من الوصول من شمال كردفان إلى عمق ولاية جنوب كردفان، في عملية مركَّبة أنهت فعليا الطوق الذي فرضته “الدعم السريع” وقوات الحلو على مدينة الدلنج.

وأضافت المنصة أن هذا التقدم العملياتي لم يكن “اندفاعا تكتيكيا محدودا” بل هو “تحرك مدروس” أعاد ربط المحاور، وكسر تموضع القوات المتحالفة في مناطق السيطرة المتقدمة، وفرض واقعا ميدانيا جديدا أجبرها على التراجع والتفكك بدل المناورة والتمدد.

وأفادت المنصة، التي تحلل الأوضاع العسكرية، أن فك الحصار عن الدلنج يؤكد أن التحالف العسكري بين الدعم السريع والحركة الشعبية فقد قدرته على فرض واقع عملياتي ثابت في جنوب كردفان، وأن كل محاولاته لإعادة إنتاج الضغط أو فتح جبهات جانبية لن تغيّر من ميزان القوى وميزان الحسم.

وفي المقابل، قال القيادي في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الذي تقوده الدعم السريع، سليمان صندل، إن دخول الجيش والقوات المتحالفة معه مدينة الدلنج لن يؤثر في موقف قوات التحالف، مؤكدا أن الخطوة تمنحهم مزيدا من الصبر والعزيمة، حسب تعبيره.

وأضاف صندل، في منشور على فيسبوك، أن التحالف سيواصل مواجهة القوات التي دخلت المدينة، متوعدا بالتصدي لها داخل الدلنج.

السلك وملكن

وفي تطور آخر، أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة السلك بإقليم النيل الأزرق إثر عملية عسكرية “محكمة”.

وكانت منصات موالية للدعم السريع قد قالت إن قواته مع الحركة الشعبية-شمال هاجمت مناطق “السلك” و”أحمر سيدك” و”ملكن” في إقليم النيل الأزرق المتاخمة للحدود مع جنوب السودان وإثيوبيا، وسيطرت عليها.

وقالت قيادة الفرقة الرابعة مشاة للجيش في الدمازين (عاصمة إقليم النيل الأزرق) في بيان إن “قوات الفرقة، مدعومة بالقوات الساندة، تمكنت من استرداد منطقة السلك بإقليم النيل الأزرق، بعد عملية عسكرية محكمة أسفرت عن دحر المليشيات الإرهابية بكل قوة واقتدار، وكبدتهم خسائر فادحة”.

وكانت مصادر رسمية قد قالت للجزيرة نت إن الاسناد اللوجستي والعسكري لقوات الدعم السريع وحلفائه في الحركة الشعبية-شمال وصل عبر أراضي إثيوبيا وجنوب السودان المجاورتين إلى الشريط الحدودي للسودان مع الدولتين حيث تنتشر قوات التحالف في مناطق محدودة منه.

وأجرى نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، الذي يزور جوبا عاصمة جنوب السودان منذ الأحد الماضي، محادثات منفصله مع الرئيس سلفاكير ميارديت ومستشاره للشؤون الأمنية توت قلواك وقادة الاجهزة الأمنية والعسكرية.

وقال مسؤول في جوبا للجزيرة نت إن المشاورات ركَّزت على الأمن القومي للدولتين الذي يتأثر بما يحدث في أي منهما.

مكاسب متعددة

ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد جمال الشهيد أن فك الحصار عن الدلنج سيؤدي إلى فتح الطرق وإعادة انتشار قوات الجيش والكتائب المساندة له، مما يمنحه دفعة معنوية كبيرة، ويُضعف قدرة الطرف الآخر على استخدام الحصار ورقة للضغط العسكري والسياسي، وينعكس إيجابا على الأوضاع الإنسانية.

ويعتقد الخبير العسكري، في تصريح للجزيرة نت، أن الجيش أجهض محاولة تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية لفتح جبهة قتال جديدة في جنوب إقليم النيل الأزرق بمهاجمة منطقتي السلك وملكن لأهميتهما في خارطة الانتشار العسكري وارتباطهما بمناطق زراعية وسكانية.

وبرأي الخبير الشهيد، فإن إحباط الهجوم على جنوب النيل الأزرق يحمل مؤشرات عدة، أبرزها:

تحسُّن الرصد الاستخباري والميداني للجيش والقوات المقاتلة معه.

ارتفاع مستوى الجاهزية القتالية والقدرات الدفاعية، والانتقال من الدفاع الثابت الى الرد المتحرك “السيّار”.

حرمان تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية من تشتيت جهود الجيش وإرهاقه واستنزافه وإرباك خططه العسكرية.

وعن مغزى التطورات في النيل الأزرق، يقول الخبير العسكري إنها تعني الانتقال من المنافسة على السيطرة إلى صراع المحاور والتحكم في الحركة والطرق والعمل الإقليمي وليس الصراع على مناطق بعينها.

ويضيف أن عمليتي السلك وملكن تحدّان من قدرة التحالف العسكري على الالتفاف والسيطرة، وتدفعانه إلى مراجعة خططه الهجومية وربما التحول للاستنزاف والضربات المحدودة بدلا من التقدم المباشر.

أهداف تكتيكية

وبشأن تداعيات التطورات في جنوب كردفان والنيل الأزرق، يوضح الخبير الشهيد أنها سترفع التنافس على تثبيت مناطق نفوذ في الأطراف بوصفها أوراقا مؤثرة في أي ترتيبات مستقبلية، إذ يمارس الميدان العسكري دورا مهمّا في أوراق التفاوض والمناورة السياسية.

وستؤدي التطورات العسكرية في جنوب كردفان والنيل الأزرق -كما يرى الخبير- إلى تعزيز انتشار الجيش في المنطقتين وتثبيت المكاسب العسكرية، وستكون لها انعكاسات إستراتيجية أوسع تمنح الجيش قدرة على حرمان التحالف العسكري المناوئ له من تحقيق اختراقات عسكرية.

ووفقا للخبير الشهيد، فإن الحسم العسكري وحده سيظل عاجزا عن إنهاء الحرب ما لم يتبعه مسار سياسي لمعالجة جذور الأزمة وإرغام الطرف الآخر على الخضوع، وتحقيق توافق وطني لبناء الدولة على أساس يؤدي إلى الأمن والاستقرار.

أما الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر، فيوضح أن العمليات التي شهدها إقليم النيل الأزرق تستهدف تشتيت جهود الجيش عن عملياته في كردفان ودارفور، وتنفيذ سياسة “شد الأطراف” لمنع تقدُّم الجيش غربا.

وحسب حديث الخبير الأمني عبد القادر للجزيرة نت، فإن الجيش كان مستعدا، ودفع بمقاتلين ومعدات عسكرية لتعزيز الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين، وهو ما مكَّنه من صد هذه الهجمات، مشيرا إلى قصف سلاح الطيران التابع للجيش قبل ذلك لمناطق يابوس وبليلا، وتدمير مركبات قتالية واستهداف قوات من الدعم السريع والحركة الشعبية.

وبرأيه، فإن فتح جبهة عسكرية في جنوب شرقي السودان هدفها “تكتيكي” للتحالف العسكري، ولا تُحدث تحوُّلا في ميزان القوى أو تغييرا في الخريطة العسكرية لأنها تجري في شريط حدودي ضيق ومنطقة مغلقة، ولا يمكن وصول الإمدادات إليها إلا عبر الحدود مع إثيوبيا أو جنوب السودان مما يجعلها عرضة لتقديرات قيادتي الدولتين، إذ يمكن أن تقود العملية إلى تحرك فصائل عسكرية مناهضة لجوبا وأديس أبابا لاستغلال حالة السيولة الأمنية في الشريط الحدودي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here