خبير سوداني: شرعية الحكومة تتطلب القضاء على الميليشات

2
خبير سوداني: شرعية الحكومة تتطلب القضاء على الميليشات
خبير سوداني: شرعية الحكومة تتطلب القضاء على الميليشات

آمنة جبران

أهم ما يجب معرفته

في حوار مع "أفريقيا برس"، أكد الخبير السياسي السوداني عامر محمد أحمد حسين أن شرعية الحكومة مرتبطة بإزالة خطر الميليشيات المتمردة. وأشار إلى أن أي حل يتضمن وجود هذه العصابات في المشهد السياسي غير مقبول، ويزيد من تعقيد الوضع. كما تناول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وتأثيرها على المبادرات الدولية لإنهاء الحرب.

أفريقيا برس – السودان. أشار عامر محمد أحمد حسين، المحلل السياسي السوداني، في حواره مع “أفريقيا برس”، إلى أن “شرعية الحكومة السودانية مرتبطة بكيفية إزالة خطر الميليشيا المتمردة والقضاء عليها ومحاكمة قادتها”، لافتًا إلى أن “أي حل يشتمل على وجود عصابات التمرد في المشهد السياسي السوداني غير مقبول ولن يكتب له النجاح، بل يزيد الأمر تعقيدًا وهو إضاعة للوقت”. وفق تعبيره.

وبين أن “الانتهاكات الفظيعة لقوات الدعم السريع وراء تعثر المبادرة السعودية -الأميركية لإنهاء الحرب في السودان، مؤكدًا أن “السيناريو الأفضل والأمثل هو القضاء على المليشيا، وبناء واقع مختلف عن واقع الحرب والنزوح، وإبعاد التدخلات الخارجية التي أقعدت بالدولة الوطنية السودانية منذ الاستقلال.”

وأبرز أن “الانقسامات داخل قوى الحرية والتغيير في أعقاب اندلاع الحرب، والمواقف الضبابية من الحرب، وإعلان الحياد دون الوقوف الواضح مع الشعب وإدانة انتهاكات قوات الدعم السريع، كلها عوامل ساهمت في إضعاف هذا التحالف المدني، وأدت إلى تراجع شعبيته داخل الفئات الناشطة في المشهد المدني والثوري في البلاد.”

وعامر محمد أحمد حسين هو صحافي ومحلل سياسي وناقد أدبي سوداني. عمل في صحف يومية سياسية سودانية، وهو مراسل سابق لصحيفة الوطن القطرية ورئيس تحرير تنفيذي لموقع كليك توبرس – كليك برس السودان 2020-2025.

هل يمكن للمبادرات الدولية الأخيرة التوصل لإنهاء الحرب في السودان خاصة أن المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ما زالت مستمرة؟

اتفاقية جدة برعاية سعودية أمريكية في بداية الحرب وما تشتمل عليه من بنود واضحة وجلية حول الدمج والتسريح ومحاسبة من أجرموا من قيادات وأفراد مليشيا الدعم السريع المتمردة، كانت تمثل الحل الناجع إلا أن الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها المليشيا أسقطت بند “الدمج” والرفض الشعبي لوجود المليشيا عسكريًا وسياسيًا، لذلك أي حل يشتمل على وجود عصابات التمرد في المشهد السياسي السوداني غير مقبول ولن يكتب له النجاح، بل يزيد الأمر تعقيدًا وإضاعة للوقت… الوسطاء من دول ورؤساء ومنظمات على اطلاع بالرفض الشعبي، كما أن شرعية الحكومة مرتبطة بكيفية إزالة خطر المليشيا، ومحاكمة قادتها وداعميها، أمام المحاكم الوطنية والدولية، وأن التعويضات وجبر الضرر لا تستطيع الدولة السودانية التنازل عنها، مقابل اتفاق هش لن يكتب له النجاح، إذا تم فرضه باتفاقيات فوقية، لا تراعي جذور الحرب، وكيفية المعالجة، ووضع حل سياسي وعودة إلى حكم مدني، وفترة انتقالية متفق عليها، وكلها قضايا من صميم مستقبل السودان إلا أن ربط ذلك بوجود المليشيا، من أطراف في الرباعية، يمثل خطأ كبير في قراءة الواقع السوداني، وكيف لدولة متورطة في دعم المليشيا أن تكون وسيطًا نزيهًا ولذلك لم تنجح الرباعية؟

دول الرباعية المكونة من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، هذه الدول لها علاقات قوية وتاريخية على المستويات كافة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ومع تورط الإمارات في الحرب أصبح التعويل على القاهرة والرياض، أما وجود واشنطن فإنه وجود حسب الثقل الدولي، ودائرة المصالح المشتركة مع مصر والسعودية والإمارات، إذ لا وجود أمريكي في الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية السودانية، بسبب سياسة أمريكية متوارثة في التعامل مع السودان بالحصار للضغط على الدولة الوطنية السودانية إبان حرب الجنوب، وبالدعم الأمريكي الإسرائيلي تم انفصال جنوب السودان، فالنخب السياسية السودانية منذ الاستقلال لا تثق بالولايات المتحدة الأمريكية ومع تبدلات السياسة الأمريكية في عهد ترامب فإن الرباعية ستتحول إلى ثلاثية واشنطن والقاهرة والرياض، وقد تساهم بالحل خاصة أن القاهرة والرياض لديهما القبول الشعبي والرسمي ويرجحان كفة بقاء الدولة الوطنية السودانية ضد التقسيم، وإقامة دويلة مليشياوية في دارفور بدعم عسكري ومالي إسرائيلي إماراتي وهو تهديد مباشر للأمن القومي العربي.

أي سيناريوهات محتملة للحرب في السودان، وهل يمكن الانتقال إلى حكومة مدنية أم أنه الاحتمال الأضعف؟

السيناريو الأفضل والأمثل، هو القضاء على المليشيا المجرمة، وبناء واقع مختلف عن واقع الحرب، والنزوح وإبعاد التدخلات الخارجية، التي أقعدت بالدولة الوطنية السودانية منذ الاستقلال، هذا السيناريو بلا شك يمثل مطلب الشعب الثائر ضد الديكتاتوريات في 1964 والإطاحة بحكم الجنرال إبراهيم عبود، والإطاحة بحكم الجنرال جعفر محمد النميري 1985 والإطاحة بحكم الجنرال عمر البشير 2019، كل هذه التجارب السياسية الناضجة، تصب في خانة العودة إلى الحكم الديمقراطي المدني، ولكن الناظر لهذا التاريخ يجد أن كل أزمات السودان مرتبطة بموقعه الجغرافي، وموقفه من قضية فلسطين، وحفاظه على أمن وادي النيل برفضه الوجود العسكري الأجنبي، وأن هذه القضايا لا يمكن التنازل عنها على المستوى الشعبي، وفي مقابل ذلك السودان لا يعيش في كوكب آخر، وكل ما يجري من حوله له تأثيره، والنخبة السودانية هي الأدرى بكيفية عودة السودان إلى موقعه، وكيفية معالجة آثار الحرب، وكذلك كيفية قيام فترة انتقالية متفق عليها، تنتهي بانتخابات حرة نزيهة وحكومة ديمقراطية ذات قاعدة عريضة شعبية دون تدخل خارجي أو فرض أجندة لا تتفق مع مصالح الشعب السوداني.

برأيك هل أن انقسام قوى الحرية والتغيير وغياب بديل سياسي أضعف موقعها التفاوضي؟

الحرية والتغيير كانت تمثل أغلبية الشارع السوداني إبان ثورة ديسمبر 2019، وامتلكت شرعية وقبول شعبي غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث، إلا أن الصراعات الداخلية والتصنيف الأيديولوجي الحاد، حتى لمن هم داخل الصف الواحد، ساهم في إضعاف دورها، وخروج أغلب القوى المدنية والسياسية الفاعلة، وتحولت الأقلية المتحكمة في القرار إلى حزب سياسي يحارب في طواحين الهواء، ويفقد في كل يوم موقع من مواقعه الشعبية، والجري خلف الأحلام ومغالطة الواقع والصراع مع الدولة العميقة المرتبطة بالنظام السابق، كلها عوامل أضعفت تحالف الحرية والتغيير. ما حدث من تحولات وانقسامات داخل الحرية والتغيير في أعقاب اندلاع الحرب، والمواقف الضبابية من الحرب، وإعلان الحياد دون الوقوف الواضح مع الشعب وإدانة انتهاكات قوات الدعم السريع، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الحرية والتغيير وأدت إلى تدني القبول الشعبي وسط الفئات الناشطة في المشهد المدني والثوري، وتورط رموز سابقة في الحرية والتغيير في دعم المليشيا والانتماء لها في العلن والمشاركة في تحالفها المسمى “تأسيس.”

كيف يمكن إيقاف نزيف الحرب في السودان، أين تكمن مخرجات الحل؟

تكمن مخرجات الحل في القضاء على المليشيا المتمردة، وإبعاد الحواضن الشعبية التي تورطت في مساندتها ترغيباً وترهيباً، وإبعادها عن هذه العصابة أو أي تأثير لها عليها في المستقبل، أي الحواضن القبلية. وهذا يتطلب التبرؤ من المليشيا والوقوف مع الدولة، وإدانة جرائم المليشيا علناً. هذا يمثل أفضل علاج للحرب وجراحاتها المؤلمة، ورتق النسيج الاجتماعي وجبر ضرر الحرب بالتعويضات لكل من تضرر. فهذه المليشيا المجرمة قد استولت على كل مدخرات المواطنين من أثاث، وأجهزة كهربائية، وأبواب وشبابيك المنازل الخاصة، وقامت بحرق المرافق العامة الحكومية وحرق الوثائق، ونهب آلاف المكتبات الخاصة والعامة ونقلها في شاحنات إلى خارج السودان، في محاولة خبيثة لتجريف الذاكرة ونهب الآثار. ووصل بهم الحال إلى تخريب كل شبكات وتوصيلات الكهرباء والمياه ونهب مصوغات النساء وكل مدخرات المواطنين في البنوك. ما فعلته المليشيا المجرمة يجب مقارنته في التاريخ بجرائم التتار عند دخولهم بغداد، والخمير الحمر عند دخولهم عاصمة كمبوديا.

هل تأثرت الأحزاب السودانية بالحرب الأمر الذي جعلها تفقد الصلة بقواعدها الشعبية؟

الأحزاب السياسية السودانية منذ الاستقلال في حالة شد وجذب مع الحكومات الشمولية المتعاقبة. وكل نظام عسكري يستولي على الحكم، أول قرار يتخذه بعد إعفاء الحكومة الديمقراطية المنتخبة هو حل الأحزاب، وبداية المطاردة، من مصادرة الدور الحزبية، واعتقال الزعامات، وبالتالي تجريف الحياة السياسية، وغياب تواصل الأجيال، وتحويل الانتماء الحزبي إلى جريمة جنائية. ساهمت السنوات الطويلة لحكم العسكر في غياب الكوادر الحزبية المدربة، وظهور طبقة انتهازية من الساسة، تعمل مع كل الحكومات. فاختلط الحابل بالنابل. فترة الحكم السابق بزعامة عمر البشير هي أطول حكم شمولي مؤدلج، مع غياب حرية التعبير لسنوات عديدة، وإغلاق الصحف الحزبية ومطاردة الصحف المستقلة بواسطة المصادرة اليومية ومنع الإعلان الحكومي والخاص بترهيب الشركات الكبرى من أجل منع الإعلان عن الصحف المستقلة. ثم جاءت فترة انتقالية في العام 2005 عقب توقيع اتفاقية نيفاشا، عادت الأحزاب إلى الواجهة من جديد لكنها كانت تعمل بناءً على شروط النظام، وهي شروط ترفض المساس بالتمكين السياسي والاقتصادي، وبالتالي لم تستطع الأحزاب ممارسة الحق في المعارضة الرشيدة، أو حتى المشاركة الفاعلة في أجهزة النظام. لذلك عندما سقط النظام، وجدت المعارضة نفسها في مأزق تماماً مثل من تفاجأ بالمطر بعد الخروج من البيت إلى الشارع دون مظلة. وجدت الأحزاب كوادرها قد تشتت وهاجرت، وماتت، فبحثت عن عداوات قديمة، واعتاشت عليها.

لماذا يتواصل الصمت الدولي إزاء ما يعيشه السودان من أوضاع إنسانية مأساوية؟

عندما اندلعت الحرب في العاصمة الخرطوم، نزح ما يزيد على 12 مليون إلى الداخل السوداني. ومن ساهموا في إطلاق شرارة الحرب من الداخل والخارج، أرادوا خلق أكبر مأساة في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنهم فشلوا، إذ احتضنت الولايات السودانية الشمالية ونهر النيل وشرق السودان وحتى وسط السودان ما قبل استيلاء التمرد على مدينة ودمدني ومدينة سنجة. وكل من نزح وجد الأكل والكساء والغطاء والمأوى. أصاب هذا الواقع المجتمع الدولي بالصدمة، فقد كان هناك من يسعى بالمتاجرة بالمأساة ولم يجد غايته. وكل ما تم تقديمه من مساعدات من دول عربية مع مساعدات شحيحة من الأمم المتحدة، برنامج الغذاء، وأغلبها تذهب إلى دارفور. الأمم المتحدة تعيش في ضائقة مالية بسبب سياسة أمريكية تسعى لتجفيف المساعدات الإنسانية، ليتهم يجففوا الحروب، ويمنعوا تدخلاتهم في شؤون الدول الأخرى. والغريب أن التدخلات كلها تحت لافتة انتهاك حقوق الإنسان.

أي تأثير للحرب في السودان على النظام العالمي بشكل عام وأفريقيا بشكل خاص؟

حرب السودان هي النموذج الذي أراده صانعوها تقديمه للشعوب الرافضة لسطوة الاستعمار الجديد. وقد اشتركت دول عديدة في هذه الحرب بالتمويل، والسلاح والمرتزقة. والغريب أن حرب جنوب السودان والوصول إلى مرحلة الانفصال، تم تقديمه كنموذج لتقسيم دولة ما بعد الاستعمار. والآن ما نراه في أرض الصومال، وفي اعتداء الولايات المتحدة الأمريكية على دولة فنزويلا والقبض على رئيسها هو نموذج جديد يتم تقديمه بأن لا حصانة لدولة أو احترام لسيادة الدول واستقلالها في خرق واضح للقانون الدولي.

لكن الوعي السياسي للشعب السوداني وحضارته القديمة وثقافة شعبه كلها عوامل ساهمت في دحر مخطط التقسيم والاستيلاء على الدولة. ومن النتائج المهمة التي يمكن تبيانها أن المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في طريقهم للتحالف، إذ أن السكوت عن ما يحدث في السودان وغزة ومحاولة تفكيك إيران كلها لا تصب إلا في تهديد الأمن القومي في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وقيام إسرائيل الكبرى على حساب الجغرافيا البشرية والطبيعية للعالم العربي والإسلامي. وبالتالي لا نجاة لدولة من العلو الإسرائيلي والغطرسة الأمريكية. وهنا يأتي السؤال عن موقع وموقف النخب مما يحاك من مؤامرات باستخدام أدوات من داخل المنظومة نفسها، خاصة أن الهزيمة تبدأ من الداخل، وأن الخارج هو انعكاس لما يحدث في أرضنا وفي وعينا. وفي خارطة دول كبرى تسعى لتمزيق دول العالم الثالث والاستيلاء على الموارد و”ملشنة” الدول (حكم الميليشيات) وإنهاء نظام الدول المتعارف عليه عالمياً من قرون. ولعل النموذج الصومالي المتمثل في غياب الدولة، واقتطاع أجزاء منها وتحويلها إلى دولة بها كل مقومات الدولة مثل إقليم أرض الصومال التي اعترفت بها إسرائيل في مقابل رفض الانضمام لدولة الصومال الكبير، وهو ما يشير أن أجزاء من السودان ذهبت لدول أخرى وتحولت شعوبه إلى جاليات، وهذا ما يريده الاستعمار ويعمل عليه. وكنت قد كتبت في ولاية ترامب الأولى عن “ترمبب العالم”. الآن ترامب في ولايته الثانية يسعى لحكم البلطجة السياسية كقناة وحيدة لحل الأزمات في العالم. ومن بعد “ترمبب العالم” يدخل مرحلة التبطلج وسيادة قانون الغاب. وترامب الشعبوي بلا شك يؤمن بالمثل الشعبي الأمريكي “من يطلق الرصاصة الأولى تكتب له الحياة”، والمثل الآخر “إذا اختصم الديك والدودة فإن الدودة حتماً على خطأ.”

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here