علماء صينيون يطاردون “التحول المحرّم” في فيزياء الجسيمات

3
علماء صينيون يطاردون
علماء صينيون يطاردون "التحول المحرّم" في فيزياء الجسيمات

أفريقيا برس – السودان. في فيزياء الجسيمات، هناك لحظات نادرة ومهمة جدا تنكسر فيها قواعد طالما اعتقد العلماء أنها ثابتة. وهذا بالضبط ما تلاحقه تجربة “مايس” الجديدة، إذ تسعى إلى رصد تحول فائق الندرة توصف احتماليته بأنها “محظورة” تقريبا داخل النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات.

يقود المشروع فريق دولي تتولى مؤسسات صينية قيادته، من بينها جامعة صن يات-سن ومعهد الفيزياء الحديثة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، ويرتبط بزخم مرافق بحثية كبرى في هويتشو مثل مرفق المسرّع عالي الشدة للأيونات الثقيلة والمبادرة الصينية للنظام المُدار بالمسرّعات.

تفاعل خاص

في هذا التفاعل، حسبما أوضح العلماء في دراسة نشرت بدورية “نيوكلر ساينس آند تكنيكس”، تتحول ذرة غريبة تسمى “الميوونيوم” إلى توأمها من المادة المضادة، والمسمى “الميوونيوم المضاد”، ولو حدث ذلك أمام أعين الكواشف، فسيكون دليلا مباشرا على فيزياء جديدة وراء ما نعرفه اليوم.

المادة المضادة هي المرآة الكمية للمادة العادية، فلكل جسيم معروف نظير مضاد يحمل الكتلة نفسها لكن شحنته الكهربائية وعلاماته الكمية معكوسة، فالإلكترون السالب له موجب يدعى البوزيترون، والبروتون الموجب له بروتون مضاد سالب الشحنة. وعندما تلتقي المادة بالمادة المضادة يحدث فناء متبادل تتحول فيه كتلتهما إلى طاقة.

أما الميوونيوم، فهو ليس عنصرا كالهيدروجين أو الهيليوم، لكنه يشبه ذرة مؤقتة، حيث يتكون من ميون موجب مرتبط بإلكترون. والميون (Muon) جسيم يشبه الإلكترون لكنه أثقل بكثير ويعيش لزمن قصير جدا قبل أن يتحلل.

لذا فإن الميوونيوم يولد سريعا ويختفي سريعا، وهذا ما يجعله مختبرا ممتازا لفحص القوانين الأساسية بدقة، لأن سلوكه يمكن حسابه نظريا بدقة عالية، ثم مقارنته بما ترصده التجارب.

كسر النموذج القياسي

في تجربة “مايس”، يشبه الأمر العثور على “إبرة” في كومة قش، فليس كافيا أن يحدث التحول مرة، بل يجب إثبات أنه حدث فعلا.

لذلك تُنتِج التجربة عددا هائلا من ذرات الميوونيوم باستخدام حزمة ميونات قوية، ثم تستخدم مادة خاصة (هلام السيليكا الهوائي) لتزيد كفاءة تكون هذه الذرات وخروجها بشكل مناسب للقياس.

بعدها يراقب العلماء بصمة محددة لو حدث التحول إلى ميوونيوم مضاد، تتمثل في صدور إلكترون عالي الطاقة، وتوجيه بوزيترون منخفض الطاقة إلى الكواشف، وظهور فوتونات مميزة تنتج عند فناء البوزيترون مع الإلكترون. اجتماع هذه العلامات معا هو ما يمنح العلماء الثقة بأنهم رأوا الإشارة الحقيقية للتحول المحرم، لا ضجيج الخلفية.

رصد هذا “التحول المحرم” يعني كسر مبدأ مهم في النموذج القياسي يُعرف بـ حفظ نكهة اللبتون، وهو يعني ببساطة أن “هوية” اللبتونات الأساسية لا تتبدل أثناء التفاعلات المعتادة، فالإلكترون يبقى إلكترونا، والميون يبقى ميونا، والتاو يبقى تاو، وكذلك النيوترينوهات التابعة لكل واحد منها. كأن لكل نوع وسما أو نكهة تمنع القواعد القياسية للطبيعة تبديله من نوع إلى آخر.

لذلك فإن أي عملية تحول مثل “التحول المحرم” تعد مؤشرا قويا على فيزياء جديدة تتجاوز ما يسمح به النموذج القياسي، ومن ثم فهناك حاجة للبحث عن نظرية جديدة تشرح التركيب الدقيق للكون.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here