قصائد هندية تعيد كتابة تاريخ السافانا القديمة

3
قصائد هندية تعيد كتابة تاريخ السافانا القديمة
قصائد هندية تعيد كتابة تاريخ السافانا القديمة

أفريقيا برس – السودان. لم يأت هذا الاكتشاف من صور أقمار صناعية ولا من نماذج مناخية معقدة، بل من أبيات شعر وأغان شعبية كُتبت قبل نحو 750 عاما.

فبحسب دراسة حديثة نشرت في دورية “بيبول آند نيتشر” (People and Nature) التابعة للجمعية البيئية البريطانية، استعان باحثون ومؤسسات هندية بنصوص أدبية قديمة لفهم تاريخ المناظر الطبيعية في غرب الهند، ووصلوا إلى نتيجة تربك تصورا علميا سائدا منذ عقود وهي أن السافانا هناك ليست غابات مدمرة، بل هي نظام بيئي أصيل وضارب في القدم.

ذاكرة الأرض في بيت شعر

وبحسب تقرير نشره موقع “ساينس ديلي” (Science Daily) قبل أيام، حلل الباحثون من جامعة ولاية ميشيغان الأمريكية قصائد وأساطير وأغاني شعبية مكتوبة باللغة الماراثية تعود إلى القرن 13 الميلادي، تصف تفاصيل الحياة اليومية في غرب الهند من مراعي مفتوحة وأعشاب قصيرة وأشجار شوكية متباعدة ورعاة ماشية يتحركون في فضاء واسع. وعندما قارن الفريق هذه الأوصاف بالمشهد البيئي الحالي وجد تطابقا لافتا مع ما نعرِفه اليوم بالسافانا.

يقول الباحث الرئيس أشيش نيرليكار إن “اللافت هو مدى ثبات المشهد عبر القرون، فالوصف القديم يشبه إلى حد كبير ما نراه اليوم ويختلف جذريا عما يتخيله كثيرون عن ماض غابيّ كثيف”.

من “غابات متدهورة” إلى نظام بيئي أصيل

لطالما افترض علماء وخبراء في السياسات البيئية أن الأراضي العشبية المفتوحة في غرب الهند ليست سوى غابات أزيلت أشجارها بفعل النشاط البشري، وبنيت على هذا الافتراض عدد من برامج التشجير الواسعة تحت شعار “استعادة الغطاء الحرجي”.

لكن الأدلة الأدبية، حين وُضعت إلى جانب بيانات علمية مستقلة، روت قصة مختلفة، فهذه البيئات المفتوحة لم تكن يوما غابات كثيفة، بل سافانا طبيعية تعود -على الأقل- إلى سبعة قرون، وتدعمها شواهد أقدم من حبوب اللقاح الأحفورية وبقايا الحيوانات الراعية للعشب التي تشير إلى وجود نظم بيئية مشابهة منذ آلاف السنين.

القصيدة “أرشيف بيئي”

تعامل الباحثون مع الأدب الشعبي بوصفه سجلا بيئيا غير رسمي، فقد رصدوا في النصوص إشارات إلى 44 نوعا من النباتات البرية، نحو ثلثيها من الأنواع المميزة لبيئات السافانا مثل شجرة الأكاسيا (Vachellia leucophloea) وأنواع من شجر الكاباريس (Capparis divaricata).

وتظهر إحدى هذه الأشجار في قصة شعبية عن شاعر -قديس من القرن 15- نبتت شجرة على قبره في مشهد رمزي يعكس حضور هذه النباتات في الوعي الجمعي والمشهد الطبيعي معا.

تبعات على التشجير ومكافحة تغير المناخ

لا تقف أهمية هذه النتائج عند إعادة تفسير الماضي، بل تمتد إلى الحاضر والمستقبل. ففي وقت تتسابق فيه الحكومات والشركات لإطلاق مبادرات “زراعة المليارات من الأشجار” لمواجهة تغير المناخ، تحذر الدراسة من أن التشجير غير المدروس في أراضي السافانا الأصيلة قد يكون ضرره أكثر من نفعه.

فالسافانا ليست أراضي “فارغة” تنتظر الأشجار، بل هي نظم بيئية معقدة تدعم تنوعا بيولوجيا فريدا وتوفر سبل عيش لمئات الملايين من البشر وتخزن كميات كبيرة من الكربون في التربة والجذور، لا في الجذوع وحدها. وتحويلها إلى غابات كثيفة قد يعني تدمير هذا التوازن وإزاحة أنواع متكيفة مع الجفاف والحرائق الطبيعية.

وتنبه الدراسة على أن الحلول المناخية السريعة قد تتحول إلى مشكلة إذا لم تُبنَ على فهم دقيق لتاريخ الأنظمة البيئية المحلية.

ما الذي نتعلمه من الشعر؟

الرسالة المركزية للدراسة واضحة، وهي أنه قبل أن نقرر أي أرض نزرعها بالأشجار علينا أن نفهم تاريخها البيئي الحقيقي، فليست كل أرض قليلة الأشجار جرحا في جسد الغابة، وليست كل عملية تشجير فعل استعادة.

وفي زمن تعتمد فيه العلوم البيئية على التكنولوجيا المتقدمة تذكّرنا هذه القصة بأن الذاكرة الثقافية -قصيدة منسية أو أغنية شعبية قديمة- قد تحمل أحيانا مفاتيح لفهم تاريخ الأرض وقد تكون أكثر دقة من أحدث صور الأقمار الصناعية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here