أفريقيا برس – السودان. في العام 2021، وخلال زيارة لافتة، أهدى وزير الدفاع السوداني آنذاك ياسين إبراهيم، وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين، بندقية من طراز M16، لم تكن الهدية عادية، ولا عابرة، ولا بروتوكولية كما حاول البعض تصويرها لاحقاً.. البندقية كانت سودانية الصنع، محشوة برسالة ذكية، صامتة، لكنها وصلت كاملة، الرسالة تقول إن السودان ليس محض مستورد سلاح، ولا ساحة مفتوحة، بل بلد يعرف سر قوته، ويملك جزءاً مهماً من مفاتيحها.
ولهذا، لم تُقابل الرسالة بالارتياح في تل أبيب، التي تعرف جيداً ماذا يعني أن يمتلك السودان صناعة عسكرية، وخبرة تراكمية، وقدرة على التطور خارج شروط الهيمنة، ومنذ تلك اللحظة تقريباً، لم يعد من الصعب فهم لماذا لم تكن إسرائيل ومعها الإمارات بالطبع بعيدة عن هذه الحرب، ولماذا بدا موقفها — عملياً لا خطابياً — أقرب إلى مليشيا الدعم السريع، في محاولة السيطرة على البلد، أو على الأقل تعطيل نهوضه كقوة إقليمية مستقلة.
عندما اندلعت الحرب، كان واضحاً أنها ليست صراعاً داخلياً صرفاً، صراع بين جنرالين، كما وصفها الإعلام المخادع، بل محاولة كسر استراتيجية، الهدف منها بكل تأكيد هو ضرب القدرة الكامنة للدولة السودانية، وعلى رأسها منظومة الصناعات الدفاعية.
ولذلك قامت المليشيا بعمليات خاطفة في الأيام الأولى لاحتلال مصنع ومكاتب اليرموك ومدينة الجيلي تحديداً، في محاولات للسيطرة على مخازن ومجمعات الإنتاج، لم يكن ذلك من قبيل الصدفة، كان الهدف بالضبط قطع خطوط الإمداد وخنق الجيش، وتدمير مصدر قوته الأساسية، ومن ثم ضرب حصار خارجي عليه، حتى يستسلم، كان دقلو يسعى بالفعل إلى تصفية الصناعة العسكرية السودانية بالكامل، وتسليم أسرارها الاستراتيجية إلى قوى إقليمية معادية، حتى يسهل لاحقاً إخضاع الجيش والدولة. لكن فات عليها، أو بالإحرى من يخطط له، أن منظومة الصناعات الدفاعية لم تكن يوماً مجرد مصانع يسهل اقتحامها أو معدات يمكن نهبها، وإنما عقل مؤسسي، وخبرة بشرية، وشبكات إنتاج مرنة، قادرة على العمل تحت النار والحصار.
الفريق أول ميرغني إدريس سليمان تولى إدارة المنظومة في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، وهي مرحلة اتسمت باضطراب سياسي حاد، وضعف قبضة الدولة، وتزايد الشكوك حول دور المؤسسات السيادية، والمطالبة بهيكلتها عبر واجهات سياسية مخترقة خارجياً، ومسلسل كامل من عمليات الشيطنة والدعاية السوداء، على شاكلة ” معليش ما عندنا جيش” و” كنداكة جاء بوليس جرا”، أي أنها مرحلة ما بعد سقوط نظام، وما قبل حرب، ثم في قلب معركة وجودية مفتوحة.
الرجل، القادم من خلفية عسكرية وأمنية، لم يُقدّم نفسه كواجهة خطابية، وإنما كمدير معركة طويلة النفس، ركز على إعادة ترتيب سلاسل الإمداد، الحفاظ على الكوادر، فتح قنوات تعاون إقليمي، وتثبيت فكرة أن المنظومة باقية، حتى إن تغيّر شكلها، وحين أدرجته وزارة الخزانة الأميركية على قائمة العقوبات، كان ذلك – في حد ذاته – إقراراً بأن المنظومة لا تزال فاعلة، ولم تتحول إلى أثر بعد عين، كما تم التخطيط له. وما يميز الفريق ميرغني إدريس، أنه يدرك جيداً أن سر قوة الدولة في تماسك مؤسساتها وقوة اقتصادية، وتوظيف الموارد في الدفاع عن النفس، وحماية الأرض والإنسان، قبل كل شيء، وهذا على الارجح، السبب الذي جعل القائد العام للجيش رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، يسند إليه أهم وأخطر الملفات، ويشد به عضده.
بالطبع يصعب تجاهل الجيل المؤسس، الشهيد جمال زمقان والمهندس عماد الدين حسين، وغيرهم من رجال الإنقاذ، فبين 1997 والعقوبات، و2023 اندلاع الحرب، استطاعت منظومة الصناعات الدفاعية أن تفعل ما فشلت فيه دول كثيرة في المنطقة، توطين الذخيرة والسلاح، صيانة وترقية الطيران (صافات1 – صافات 03 نموذجاً) ( مسيّرة سفروق) وضمان سلاسل إمداد مستقلة، والتحول من الدفاع إلى الاكتفاء ثم الإسناد.
ولعل ما يميّز منظومة الصناعات الدفاعية، أنها لم تحبس نفسها في خندق،العسكرة”، فبينما كانت الحرب في ذروتها، كانت المنظومة تفعل شيئاً آخر بهدوء، تحمي المجتمع عبر إدارة المسؤولية المجتمعية، التي تتحرك في مساحات واسعة، دعماً ورعاية لأسر الشهداء ولضحايا الحرب، النازحين والذين فقدوا السند ومصادر الدخل. أكثر من 160 ألف سوداني عادوا عبر مشروع العودة الطوعية من مصر، عشرات الآلاف من ليبيا، عمان، في رحلات مجانية، تنظيم، وجبات، إسعافات، وتحت شعار بسيط لكنه عميق: “ راجعين.. نبني ونعمر بلدنا”، وهى عودة نجحت في هزيمة مشروع المليشيا التي سعت إلى إفراغ الأرض من سكانها، وترويج دعاية الحرب النفسية بأن السودان، بما فيه العاصمة الخرطوم لم يعد صالحاً للحياة.
في البحر الأحمر، وفي الخرطوم، وفي الجزيرة، كانت طائرات صافات ترشّ ضد حمى الضنك والكوليرا، وتُنقذ ما تبقى من صحة الناس، توفر الطعام والخيام للمتضررين من السيول والفيضانات، تمسح الدموع دون من وأذى، وما لا نعرفه هو الأكثر، فهذا غيض من فيض، بينما تُنير مجمعات ساريا وجياد الشوارع بالطاقة الشمسية، وتعيد الحياة إلى الطرق والمصانع، وهنا لا بد من الإشارة إلى عودة جياد الصناعية، بصورة أقوى وأمضى عزيمة، آلاف الوظائف، صناعة الأمل، المساهمة في معركة الإعمار، فأي مؤسسة عسكرية تفعل ذلك وهي تحت النار؟
دعك من خبر رويترز_ غير المؤكد حتى الآن_ عن إبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار بين باكستان والسودان، تشمل، 10 طائرات هجومية خفيفة من طراز كاراكورام–8 وأكثر من 200 طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، وأنظمة دفاع جوي متطورة، لأنه لا يخفى على الكثير من الناس أن الجيش السوداني يقاتل المليشيا ومرتزقتها بأسلحة متطورة فعلياً، ولذلك نجح في إخراجها عنوة من عشرات المدن والولايات، بما فيها العاصمة الخرطوم، وتتلقى مليشيا آل دقلو الإرهابية ضربات قوية ومركزة ومميتة هذه الأيام، بالرغم من أنها تعتمد على خطوط دعم وإمداد إماراتية، كما أن المنظومة طورت شراكة استراتيجية مع مصر وتركيا، يصعب تجاهلها.
هذا الخبر، في توقيته ودلالته، ليس محض صفقة سلاح فقط، وانما رسالة سياسية وعسكرية واضحة، بأن السودان لم ينكسر، ولم يُغلق خياراته، ولم يقبل أن يُدار أمنه الوطني من خارج حدوده، بل أكثر من ذلك، هو يضع لبنات قوة ردع مستقبلية، لا بغرض العدوان، وانما بهدف الحماية، وهو بالضرورة مسار ينسجم تماماً مع حديث القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن تحول في العقيدة الدفاعية للجيش السوداني. تحول يتجاوز رد الفعل، ويؤسس لجيش يمتلك القدرة على الردع، وحماية المجالين الجوي والبري، وتأمين الحدود بالكامل، في زمن البقاء فيها للأقوى
خلاصة الأمر أن اللافت في تجربة منظومة الصناعات الدفاعية، أنها لم تنكفئ على دورها العسكري، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تعاني من تصدّع خدماتها الأساسية، تمددت أدوار المنظومة إلى مجالات تبدو – للوهلة الأولى – بعيدة عن السلاح، العودة الطوعية، مكافحة نواقل الأمراض، الطاقة الشمسية، الإنارة، البنية التحتية، المساهمة الفاعلة في معركة الإعمار.، وهذا التمدد لا يمكن فهمه باعتباره إحساناً، بل تعريفاً موسعاً للأمن القومي، إذ أن الأمن لا يعني فقط حماية الحدود، بل حماية المجتمع من التفكك، ومن فقدان الثقة في مؤسسات الدولة.
عزمي عبدالرازق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن السودان عبر موقع أفريقيا برس





