أفريقيا برس – السودان. يتحدّث السفير السوداني في الدوحة بدر الدين عبد الله، في مقابلة صحافية، بثقة كبيرة عن قرب حسم الحرب التي يخوضها الجيش السوداني ضد مليشيات “الدعم السريع”، مستنداً في ذلك إلى معطيات كثيرة، منها الانتصارات التي حقّقها الجيش، الذي استعاد السيطرة على ثلاثة أرباع الأراضي السودانية، بحسب ما يقول، فضلاً عن حالة التشرذم والانقسامات في صفوف “الدعم السريع”. كذلك يؤكد السفير السوداني الذي شغل سابقاً منصب وكيل وزارة الخارجية السودانية أنّ مرحلة إعادة الإعمار في السودان بدأت بالتوازي مع العمليات العسكرية، ويرى أن السودان يمتلك موارد طبيعية كبيرة، وأن المطلوب توفير الأمن وتهيئة بيئة استثمارية لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية.
*نبدأ من آخر التطورات الميدانية، يتحدّث الجيش السوداني عن اقتراب الحسم العسكري، وانتهاء المعارك مع نهاية العام الحالي، هل لديكم ضمانات دولية بوقف الدعم المقدَّم لـ”الدعم السريع”؟
السودان يعتمد على قوّته الذاتية وتماسك الجيش ودعم الشعب بقطاعاته كافة للجيش، والدعم الذي نتلقّاه من بعض الدول العربية الشقيقة، هذا ما يعطي الحكومة والجيش الثقة بحسم الحرب وعودة الأمور إلى طبيعتها في السودان.
*هل تلقّيتم دعماً عسكرياً من الدول التي تحدّثت عنها؟
لا لا، الدعم الذي أقصده في الجانب الإنساني. وهذا الجانب مهم جداً في إسناد الجيش، فنحن مطمئنون إلى أن الشعب يجد على الأقل أساسيات الحياة، وأن الجيش الذي يخوض هذه الحرب الوجودية التي كان المقصود منها استئصال الشعب السوداني، وتدمير هويته وذاكرته بصورة ممنهجة، مسنود ومدعوم من الشعب السوداني بكل فئاته، وذلك يقرّبنا من حسم الحرب وتحقيق الانتصار. والسودان يعتمد الآن في المقام الأول على قوّته الذاتية، ومن بعد ذلك دعم الأشقاء، سواء كان ذلك دعماً دبلوماسياً أو سياسياً أو إنسانياً.
*هل تعتقد أن المجتمع الدولي أصبح ينظر إلى ملف السودان بنظرة أخرى، ويتفهّم حقيقة الحرب؟
تغيّرت المعادلات الآن بعد الانتصارات التي حقّقتها الحكومة السودانية، والمجتمع الدولي في المقام الأول يحترم القوة، فالعالم اليوم لا يحترم الضعيف أبداً. فإذا كنت ضعيفاً، سيظلّ المجتمع الدولي يضغط عليك لتحقيق مكاسب وأهداف لمصلحة قوى إقليمية ودولية من هذه الحرب، لكن القوة الذاتية للدولة السودانية ومواقفها أجبرتهم في كل مرة على التبدّل والتحول في أهدافهم وفي مقاصدها، وهذا التبدّل لا يأتي إلا حين تكون قوياً، وطالما أنت في موقف ضعف فالمجتمع الدولي لا يحترمك ولا يقدّم لك أي شيء، فالمجتمع الدولي يبحث عن مصالحه، ومن ثم مصالحك، وما دامت لديك القدرة على تحقيق هذه المصالح بقوّتك يتعامل معك.
*بعد تبدّل هذه المواقف، هل تلقّى الجيش السوداني دعماً عسكرياً ومادياً من القوى الإقليمية الدولية لحسم هذه الحرب؟
هذه الحرب أدارها الجيش السوداني بموارد السودان الذاتية، ومعظم العتاد العسكري كان من الموارد الذاتية، وبفضل العقلية السودانية العسكرية التي خطّطت ونفّذت بإحكام، إذ استعاد الآن أكثر من ثلاثة أرباع مساحة السودان. ونحن الآن في المراحل الأخيرة، للانتهاء من هذا التمرد، والمعركة تدور حالياً في منطقة دارفور وبعض مناطق كردفان، والجيش السوداني استطاع أن يستردّ بعضاً من هذه المناطق في أقصى غربي السودان وأقصى دارفور، ما أضعف الروح المعنوية لقوات التمرّد، التي تعاني من تفتت داخلي وانشقاقات من قيادات كبيرة ومن مجموعات قتالية انضمت إلى الجيش السوداني.
*الحكومة السودانية ترفض الحوار مع “الدعم السريع”، بينما لا تزال المواقف الدولية تحثّ هذا على الحوار، لماذا هذا الرفض؟
الحكومة السودانية ليست ضد الحوار، بل ضد ما تقدّمه اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر) التي تطرح ما يسمّى “الهدنة الإنسانية” التي تنصّ على بقاء قوات التمرد في مناطقها وقوات الجيش والحكومة السودانية في مناطقها. ويعني ذلك أن يظل المواطن السوداني تحت انتهاكات قوات التمرد، والمسؤولية الأخلاقية للحكومة السودانية والجيش السوداني تقوم على ألا يُترك المواطن السوداني تحت وطأة الانتهاكات من جانب التمرد. لذلك فإن مرجعية الحكومة السودانية بشأن الحوار هي اتفاقية جدة التي جرى التوصّل إليها في 11 مايو/أيار 2023 بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، والتي تنصّ صراحة على خروج قوات التمرد من كل المدن السودانية إلى معسكرات محددة. ومن بعد ذلك، يُتفَاوض على كيفية استيعاب قوات التمرد في الجيش السوداني، أو تسريحها. الهدنة الإنسانية المقترحة هي نوع من فرض أمر واقع، إذ إن استمرار سيطرة قوات التمرد على جزء من السودان يعني استنساخ النموذج الليبي في السودان وتكراره، بأن تكون هناك حكومتان، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، فالسيادة الوطنية والحفاظ على الوحدة لا تفَاوض بشأنهما.
*هل هناك خطط حكومية لما بعد السيطرة على كامل الأراضي السودانية مع نهاية العام الحالي كما أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي (وقائد الجيش) عبد الفتاح البرهان؟
الحكومة السودانية بدأت إعادة الوضع إلى طبيعته حتى قبل أن تتم السيطرة على الأراضي كافة والتراب الوطني السوداني. وبدأت حكومة الأمل التي كانت في بورتسودان، والآن انتقلت إلى الخرطوم، إعادة الخدمات إلى المواطن السوداني، وهناك نحو أربعة ملايين سوداني عادوا إلى ديارهم وإلى منازلهم بعدما شرّدتهم قوات التمرد، كما بدأت العملية الدستورية باستعادة مهام المحكمة الدستورية بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، وتجرى الآن مشاورات لتشكيل المجلس الوطني (الهيئة التشريعية) من خلال اختيار أعضائه في المرحلة الأولى، ومن ثم انتخابهم، فالحكومة شرعت في استعادة كل مؤسسات الدولة الدستورية والسلطات التنفيذية والتشريعية.
*ما هو التحدي الأساس الذي تواجهه الحكومة سودانية الآن؟
التحديات كثيرة، من أهمها عودة اللاجئين، وإعادة البنية التحتية، والخدمات. ومهما وصفت لك ما حدث في السودان خلال هذا التمرد من تدمير، فلن تصدّق. كان هناك تدمير ممنهج للبنية الأساسية وللأعمال الحكومية والخاصة كافة. على سبيل المثال، دُمّرت 80% من المصانع التي كانت موجودة في الخرطوم، كما خُرِّب مشروع الجزيرة؛ أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا.
*هل وضعت الحكومة خططاً لإعادة الإعمار بعد الدمار الذي تسببت به هذه الحرب؟
إعادة الإعمار والبناء ستكون أولاً باستثمار الموارد السودانية، فالسودان بلد ينعم بموارد ضخمة جداً تحتاج إلى بيئة آمنة، وبيئة استثمارية جاذبة لقيام شراكات داخلية وخارجية للنهوض بالسودان.
*هل هناك إحصاءات حول نسبة من عاد من السودانيين إلى البلاد في الفترة الأخيرة؟
من بين 14 مليون نازح ولاجئ عاد حتى الآن أربعة ملايين مواطن سوداني إلى ديارهم. فالمتمردون أخرجوا الناس من منازلهم ومن قراهم ومدنهم، وما نشهده الآن بدء العودة الطبيعية، والحكومة التي نجحت في إيجاد حالة من الاستقرار، تحثّ الناس على العودة، وتجهد لوقف التدهور الحاصل في جميع المجالات وإعادة الأعمال التنموية والخدمية، فإذا لم يعد المواطن، من الذي سيقوم بكل العمل التنموي؟ لا بد من العودة، وأن تتوفّر للمواطن أفضل سبل الحياة، وأن يكون جزءاً من مشروع النهضة السودانية الجديد.
*كيف ترى الدور الذي تؤديه الأمم المتحدة في الملف السوداني، وأدوار اللجنة الخماسية واللجنة الرباعية، هل يمكن أن يؤدي هذا الدور إلى نتيجة وحلّ نهائي جذري في السودان؟
نحن نشكر كل من يحاول أن يبذل جهداً في سبيل عودة الأوضاع إلى طبيعتها في السودان. ولكن إذا لم يكن هناك تعريف صحيح لما يدور في السودان، وإذا لم يكن هناك جهد دولي يصنّف التمرد جماعةً إرهابية، وجهد دولي لإيقاف كل الدعم الخارجي للتمرد، من حيث العتاد والمرتزقة، فلن تكون لهذه الجهود أي نتائج على الأرض.
*أنت تقول إن الأمم المتحدة لا تقوم بالدور المطلوب منها في حرب السودان؟
هي تقوم بدور منقوص، وهذا الدور لا يؤدي إلى السلام في السودان. فهذه الحرب ستتوقف خلال فترة قصيرة جداً، إذا توقف الدعم الخارجي لها، وستتوقف إذا صُنّفت حركة التمرد حركةً إرهابية، لا يتعامل معها أي شخص أو أي دولة أو أي جهة في العالم.
*وكيف تقيّمون الدور الذي تقوم به جامعة الدول العربية؟
المجتمع الدولي كلّه عموماً ومن ضمنه جامعة الدول العربية يبذل جهوداً ودعماً إنسانياً وسياسياً، لكن كما سبق أن قلت، إذا لم يكن هناك توصيف صحيح لما يدور في السودان، سواء من اللجنة الرباعية أو اللجنة الخماسية، فلن يكون هناك مردود عملي ونتائج لهذه الجهود. هذه الحرب ليست بين طرفين، ولا يمكن أن تساوي بين الحكومة السودانية والجيش السوداني وحركة متمردة. فإذا لم يُتصحّح التوصيف وتصنيف التمرد مجموعةً إرهابيةً فلن يُتوصَّل إلى أي نتيجة لأي جهد إقليمي.
*يعاني اللاجئون السودانيون في دول الجوار أوضاعاً صعبة، كيف ترى الدور الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة والدول المضيفة بهذا الشأن؟
المنظمات الدولية لديها قدرة عالية في توصيف ما يدور في السودان من معاناة إنسانية ومن نزوح ولجوء ومن مجاعة حادثة أو متوقعة، لكن العمل على الأرض دائماً يكون ضعيفاً جداً. فالمنظمات الدولية اعترفت بأن ما وصلها من الدعم المقرر للسودان عام 2025 كان 23% فقط، وهناك معاناة إنسانية حقيقية على الأرض، تحتاج إلى أفعال أكثر مما تحتاج إلى أقوال. والحكومة السودانية تبذل جهوداً ضخمة جداً في تسهيل عمل المنظمات الإقليمية والدولية لتوصيل الإغاثة والأعمال الإنسانية للمواطنين. ولكن هناك ضعفاً كبيراً جداً في التمويل للمنظمات الدولية العاملة على الأرض في السودان.





