ميناء بورتسودان.. بدأ التسابق عليه محموماً للغاية من قبل بعض القوى والمحاور الإقليمية.. ومنذ أن طرحت أنقرة مشروع تعمير جزيرة وميناء سواكن.. بدا التململ واضحاً وسط دول إقليمية ودولية، تسابق المصالح دفع دولاً غير مشاطئة لإيجاد موطئ قدم لها بالبحر الأحمر، ولم يقتصر ذلك على الدول العربية أو المشاطئة، وتحدث البعض عن ما سمي بـ”قوة الواجب” التي تبرر التواجد العربي في منطقة البحر الأحمر التي تضم الدول الخليجية والدول المطلة على البحر الأحمر..
تدخلات إقليمية ودولية عديدة دفعت بتواجد عسكري لافت بالبحر الأحمر لأهداف خاصة تم تبريرها تحت لافتات رسمت باهتة من بينها مواجهة القرصنة وتأمين الملاحة البحرية لأساطيل تلك الدول تحت مظلة لم تبد مقنعة ولا مبررة جيداً.. بل تعدتها إلى مشهد سيئ الإخراج..
قواعد دولية بمهام خاصة
أهميته لم تأت من فراغ، إذ تمر عبره نحو 3.3 مليون برميل نفط يومياً.. بجانب أهميته الاستراتيجية.. لم تنج تلك البحيرة الهامة للملاحة الدولية والإقليمية من اصطفاف العديد من القواعد الأجنبية والدخول إلى مياهه الدافئة بغية تحقيق أهداف استراتيجية تخدم مصالح دولها بمبررات ظلت تبدو واهية مثل مكافحة الإرهاب والقرصنة.. ومن بين تلك القواعد (قوة المهام المشتركة) في جيبوتي، وهي فرقة تابعة للاتحاد الأوروبي، معروفة باسم العملية الأوروبية لمكافحة القرصنة (أتلانتا)، شكلت بمشاركة ثماني دول هي: ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا، فرنسا، اليونان، هولندا، بريطانيا والسويد.. وتوجد في جيبوتي القاعدة الأمريكية، وهي أكبر تواجد عسكري غربي هناك، إذ يتمركز جنوب مطار (أمبولي) الدولي نحو أربعة آلاف فرد عقب إنشائها في عام 2001، مددت واشنطن عقد إيجارها في العام 2014، لمدة عشر سنوات إضافية مقابل 63 مليون دولار سنوياً، بهدف تعزيز وجود واشنطن العسكري في المنطقة، وتنطلق منها العمليات داخل الأراضي الصومالية واليمن.. وتوجد في جيبوتي القاعدة الفرنسية التي تحمل اسم (فورس فرانسيس جيبوت)، وتتموضع بالقرب من طريق (دودا) ويتمركز فيها نحو 900 عسكري، مقابل عقد إيجار بقيمة 34 مليون دولار سنويًا.
وحسب تقارير استخباراتية أمريكية تمكنت إيران من تحويل ميناء عصب الإريتري إلى قاعدة عسكرية بها ثلاث غواصات إيرانية من نوع (كيلو)، بجانب تواجد المجموعة 41 بحرية التابعة للجيش الإيراني، وتضم الفرقاطة اللوجستية (لافان)، والمدمرة (الشهيد الأدميرال نقدي)، وسفينة (تنب)، بغرض الدعم اللوجستي.
إسرائيل في المقدمة
الأطماع الإسرائيلية، ومنذ أمد طويل ظلت تتحيَّن الفرص لتتموضع بالبحر الأحمر.. وحدّد باحثون استراتيجيون إسرائيليون موقف تل أبيب من اتساع نطاق التنافس على الوجود في البحر الأحمر، ودخول قوات من دول لا تمتلك شواطئ على هذا البحر وقصد بذلك دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان، إضافة لإيران، ولم تخرج تركيا من القائمة، إضافة إلى الوجود الإماراتي اللافت جنوب البحر الأحمر.
وحسب تقرير نشره موقع “ترك برس”، فإن النظرة الاستراتيجية الإسرائيلية للبحر الأحمر تنطلق من كونه يضعها على خريطة الحدود مع مصر والأردن والسعودية، ويضمن لها شريان تجارتها مع شرق آسيا ودول أفريقيا التي عززت علاقاتها معها في العقدين الأخيرين بشكل واضح… إلا أن أطماع إسرائيل في هذه البحيرة تخطت ذلك بكثير.
سعت إسرائيل سراً وفي العلن إلى تنفيذ استراتيجية تواجدها في البحر الأحمر بشكل لافت في السنوات الأخيرة تحديداً في جنوبه بالقرب من مضيق باب المندب، بعدما ضمنت تواجدها شماله. ولكي تتموضع جنوبه استغلت علاقاتها بإريتريا لإنشاء قواعد في “رواجيات” و”مكهلاوي” على حدود السودان، كما تمتلك إسرائيل قواعد جوية في جزر حالب وفاطمة عند مضيق باب المندب، وفي جزيرة “دهلك”، حيث أقامت قاعدة بحرية هناك… وتلاشت هنا مبررات تأمين السفن التجارية، وحلت محلها مبررات تحت مظلة دواعٍ أمنية صرفة غُلّفت بمخاوف الوجود الإيراني القائم والمحتمل هناك.. الأمر الذي استدعى جلب تل أبيب عتادها العسكري كاملاً غير منقوص ليشمل الزوارق المسلحة بالصواريخ وقذائف الأعماق لاستهداف الغواصات..
وبدت عسكرة البحر الأمر في جنوبه ماثلة تماماً أمام الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث يدور الحديث عن حشد تل أبيب نصف قواتها الجوية البالغة نحو 449 طائرة مقاتلة في قواعد النقب القريبة من البحر الأحمر ودونها أوامر الطلعات الدورية فوق أجوائه إلى مداخله الجنوبية، ورصدت حالات التكامل والتنسيق التام للقوات الأمريكية مع القوات الإسرائيلية ممثلة في فرقة مدرعة إسرائيلية كبيرة بالمنطقة العسكرية الجنوبية القريبة من البحر الأحمر، حصرت مهامها في مجالات الاستطلاع والمساحة وتخزين الأسلحة .
بورتسودان تنافس إقليمي ودولي
دخل ميناء بورتسودان حلبة التنافس الدولي والإقليمي عقب إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة إلى السودان بتاريخ ديسمبر 2017م موافقة الخرطوم تسليمه جزيرة “سواكن” المطلة على البحر الأحمر، بهدف (إعادة تأهيلها) وترميم آثارها في إطار اتفاقيات اقتصادية، الأمر الذي أثار حفيظة حلف السعودية- الأمارات، وظهر حينها الارتباك واضحاً على دول إقليمية أخرى من بينها مصر، بحجة أن الأمر يمكن أن يسهم في تغذية الصراعات الإقليمية الدائرة فيها، وتحولها إلى إحدى أكثر البؤر توتراً حول العالم..
ومن جانب آخر، أثار العرض الذي قدمته الحكومة السابقة لروسيا لإقامة قاعدة عسكرية في ميناء بورتسودان بهدف تعزيز وجودها في المنطقة، حفيظة دول إقليمية ودولية مرة أخرى.. عقب إبداء الخرطوم رغبتها في تطوير ممثلية التعاون العسكري مع روسيا من ملحقية إلى مستشارية، إذ أن لدى الخرطوم برنامجاً لإعادة تحديث القوات المسلحة بالكامل، والسبب أن كل معدات الجيش السوداني روسية، لذلك ظلت حاجة السودان إلى مستشارين في هذا المجال ملحة.
ورغم أن أمر القاعدة الروسية ببورتسودان ظل في حسابات موسكو قيد الدراسة حسب تصريحات رسمية، وحسب تصريحات للسفير الروسي في الخرطوم منتصف العام الماضي، فإن الحديث في موسكو كان يدور ليس حول بناء قاعدة بحرية بل حول نقطة إمداد للسفن الحربية الروسية المتواجدة في البحر الأحمر، وأردف بالقول: “كما ترون هذا شيء مختلف”…. إلا أن خبراء سودانيين اعتبروا المخاوف التي صاحبت الوجود التركي أو الروسي في شرق السودان غير مبررة أمام مقاربة تحركات دول غير مشاطئة، ظلت تدير عدداً من الموانئ على البحر الأحمر استناداً إلى أن السودان ليس متمحوراً عسكرياً مع دولة بعينها أو منحازاً إلى حلف دون آخر إنما يبحث عن مصالحه في إطار علاقات متوازنة.. وتبقى تلك الملفات الآن قيد الدراسة والمراجعة من قبل المؤسسات المختصة.
وحسب تصريحات رسمية دفع بها المتحدث باسم وزارة الخارجية التركي حامي أقصوي مؤخراً، فإن الأنباء الواردة في الإعلام حول إمكانية إلغاء الاتفاقية المبرمة بين تركيا والسودان بشأن جزيرة سواكن السودانية، لا تعبر عن الواقع. وأكّد أن الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، تعمل على ترميم الآثار العثمانية الموجودة في الجزيرة. وحال إعادة الخرطوم النظر في تلك الاتفاقيات فإن تركيا ربما لن يعنيها الأمر كثيراً، إذ أنها تعول على تواجدها العسكري في الصومال، حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية لها في العاصمة الصومالية (مقديشو)، بتكلفة بلغت (50) مليون دولار.
homepage-arabic
