النموذج الجزائري هو الأفضل

53

في الانقلابات العسكرية التي ازدهرت في فترتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كانت الجيوش هي أداة التغيير الرئيسية، وتحت عنوان واحد، وهو التصدي للاستعمار ومؤامراته، وتحرير الأراضي المحتلة، وتعزيز السيادة الوطنية، وكانت تتجنب توصيفها بالانقلاب، والإصرار على انها ثورة مدعومة شعبيا.
تغير الوضع اثناء الموجه الأولى لما يسمى بثورات الربيع العربي، حيث انتقلت أدوات التغيير الى الشعوب العربية التي نجحت بنزولها الى الشارع والميدان في اطاحة بعض الأنظمة المدنية اسما والعسكرية جوهرا، ونضرب مثلا بالثورات المصرية والتونسية واليمنية، ونستثني السورية لأنها لم تنجح في تغيير النظام، والليبية لان إدارة التغيير كانت طائرات حلف الناتو، وهذا موضوع آخر.
الجديد في الحراكين الشعبيين اللذين انطلقا بقوة في الجزائر والسودان في الأشهر القليلة الماضية، ان هذين الحراكين او الثورتين، عكستا ظاهرة فريدة من نوعها، تتجسد في حالة من التوافق، بل التحالف، بين المؤسستين الشعبية والعسكرية، حيث رضخت الأخيرة للمطالب الشعبية، واستسلمت لقدرتها في التغيير، وكانت، أي المؤسسة العسكرية، أحد ابرز ادواتها في اطاحة أنظمة ديكتاتورية فاسدة، فالاصرار على الدولة المدنية الديمقراطية هي البديل الوحيد.
اذا كان “تحالف الضرورة” السابق ذكره قد صمد حتى الآن في الجزائر، لأسباب عديدة ابرزها تلبية الجيش لمعظم شروط ومطالب الحراك الشعبي السلمي الحضاري، فان نظيره في السودان بدأ “يتضعضع” و”يتآكل” لان المؤسسة العسكرية السودانية تماطل في تسليم السلطة، وإقامة دولة مدنية على أسس ديمقراطية، وتنفرد بالقرار في القضايا الاستراتيجية ودون الرجوع لاي مرجعية حراكية او مدنية.
اليوم خرجت الخلافات بين الطرفين المدني والعسكري الى السطح، وتحدثت وكالات انباء عالمية عن حدوث اشتباكات بالأيدي بين أعضاء قوى سياسية ممثلة للحراك ونظرائهم في المجلس العسكري، واكد شهود عيان ملاسنات حادة، وضرب بالكراسي بين الحاضرين.
الحديث عن الخلافات واسبابها يطول، وربما يحتاج الى مساحة اكبر بكثير من حدود هذه الزاوية، لكن ما يمكن قوله ان أعضاء المجلس العسكري الذين يحكمون البلاد عمليا، لا يريدون أي مشاركة حقيقية بل شكلية لقوى الحراك في الحكم، او أي تقاسم للسلطة بالتالي، حيث يصرون على ان تكون لهم الأغلبية في أي تشكيل مجلس الحكم الذي من المفترض ان يتولى مسؤولية إدارة شؤون الدولة السودانية في المرحلة الانتقالية.
المجلس العسكري الحالي استغل الحراك الشعبي لتنفيذ انقلابه والاستيلاء على السلطة، واقام تحالفات إقليمية ودولية لترتيب أوضاعه، وتثبيت حكمه الجديد، ويتلكأ في نقل السلطة الى حكومة سلطة مدنية كاملة، وهذا خطأ وقصر نظر كبير لن يؤدي الا للمزيد من عدم الاستقرار في البلاد، وخروج الثورة عن طابعها السلمي الذي تمسكت به حتى الآن.
التاريخ لا يجب ان يعود الى الوراء، والمؤسسة العسكرية يجب ان يكون دورها حماية البلاد وامنها، لا ان تقودها الى الفوضى، خاصة بعد ان فشلت، ولأكثر من ثلاثين عاما في السودان وبعد امتلاكها السلطة المطلقة.

الحراك السوداني المبارك يجب ان يستمر حتى تحقيق جميع مطالبه في تكريس الدولة المدنية، وإعادة العسكر، كل العسكر، الى الثكنات مكانهم الطبيعي، والا فان البلاد ستدخل مرحلة اكثر خطورة من الملاسنات والضرب بالكراسي الحالية، فالشعب السوداني الطيب المبدع الخلاق يستحق ان يحكم نفسه بنفسه، وهو الذي يعج بالكفاءات في الداخل والخارج.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here