آمنة جبران
أفريقيا برس – تونس. يجد الرئيس التونسي قيس سعيد نفسه أمام تحدي مواجهة معارضة قوية تتوسع دائرتها يوما بعد يوم ما من شأنها أن تهدد مصير مشروعه السياسي، خاصة بعد أن انضم الاتحاد التونسي للشغل، إلى الأصوات الرافضة للمشاركة في حوار وطني اقترحته الرئاسة، فيما اعتبره الاتحاد ”شكليا ومعروف النتائج”.
وبمقاطعة اتحاد الشغل، المنظمة النقابية ذات الثقل في البلاد، لحوار على مقاس الرئيس يستثني فيه كل من يعارض التدابير الاستثنائية منذ 25 جويلية الماضي، تتسع دائرة المنتقدين لتوجهات الرئيس سعيد ، وهو ما سيلقي بظلاله سلبا على أجندته السياسية التي تعلق آمالها على استفتاء 25 جويلية وتعديلات دستورية مرتقبة قد لا تلاقي تفاعلا وتجاوبا شعبيا.
وزادت حدة الانتقادات منذ إصدار الرئاسة مرسوم رئاسيا يعد لدستور جديد دون مشاركة الأحزاب، حيث أصدر سعيد مؤخرا مرسوما عين خلاله أستاذ القانون الصادق بلعيد رئيسا للجنة استشارية لصياغة دستور جديد لجمهورية جديدة مقصيا الأحزاب السياسية من أي دور في صياغة الدستور الجديد، ليحل محل دستور 2014 التي انبثق عن نقاش شامل بين الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية الرئيسية في تونس.
وردا على مرسوم الرئاسة الذي يضبط إجراءات إصدار دستور جديد، دعت الأحزاب المعارضة في تونس إلى التحرك العاجل للدفاع عن الديمقراطية التمثيلية، حيث ترفض المعارضة، من بينها جبهة الخلاص الوطني و”مواطنون ضد الانقلاب” و”حركة النهضة”، خارطة الطريق السياسية التي عرضها سعيد ودعت إلى مقاطعة الاستفتاء مثلما دعت إلى مقاطعة الاستشارة الوطنية الإلكترونية في وقت سابق.
ويضع إصرار الرئاسة في المضي في مشروعها بشكل إقصائي البلاد في حالة صدام سياسي وانقسام حاد في الشارع بين مؤيد ومعارض ، ما يزيد من توتير المشهد في بلد يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة وعلى مشارف اضطرابات اجتماعية حسب توقعات المتابعين.
مشهد ضبابي

تسير البلاد نحو مشهد ضبابي مع زيادة التصعيد بين الرئاسة والمعارضة خاصة بعد تعهد الأحزاب الرئيسية بالتصدي لقرار الرئيس تقرير مصير البلاد بشكل منفرد وصياغة دستور خلف غرف مغلقة وإقصاء النخبة السياسية من أي دور في الدستور الجديد.
يأتي ذلك فيما يعيش الشارع التونسي حالة من الاستياء والقلق في ظل تواصل ارتفاع الأسعار واستمرار أزمة البطالة والتهميش أمام ما تعانيه البلاد من أقسى أزمة اقتصادية في تاريخها.
ويشير محللون أن الأزمة الاقتصادية واكتفاء الرئاسة بسياسة المماطلة والوعود، على غرار توسع رقعة المعارضة، يحرج الرئاسة ويربك مشروعها السياسي، وهو ما عكسته نتائج آخر سبر آراء الذي يكشف إلى تراجع ملفت لشعبية سعيد.

وبرأي مصطفي عبدالكبير، الناشط الحقوقي والسياسي في حديثه لـ ”أفريقيا برس” فإن ”تطورات المشهد التونسي أصبحت صعبة على كل الأصعدة والأوجه .”
وشرح بالقول” خاصة إذا تحدثنا عن المسارين السياسي الاقتصادي، حيث يبدو أن سعيد بين المطرقة والسندان، مطرقة الوضع الداخلي الملتهب مع غلاء معيشة غياب التمويلات الدولية انهيار العملة التونسية وارتفاع قيمة المواد الأساسية الموردة بعد حرب أوكرانيا، وبين سندان المعارضة السياسية التي بدأت تتوسع وترص الصفوف ضده مستغلة قي ذلك تأخر الرئيس في تنفيذ الأجندة السياسية التي كان قد أعدها. ”
ويلفت عبدالكبير أنه ”إضافة إلى ضبابية المشهد في ما يتعلق بالمسار الانتخابي انطلاقا من الاستفتاء وصولا إلى انتخابات آخر السنة كذلك إلى عامل الزمن، حيث لم يعد يخدم مصالح سعيد بل أصبح لاعبا آخر ضده”.
وفي تقديره فإن ”كل العوامل تخدم مصالح المعارضة نتيجة أخطاء إستراتيجية ارتكبها سعيد الذي وضع نفسه في دائرة القرارات الفردية المغلقة ، إلا أن اللعبة أرهقته وبدأت تستنزفه، عكس المعارضة التي بدأت تتوسع ضده وخير دليل على ذلك تحول أطياف سياسية كانت داعمة له بعد 25 جويلية وجزء كبير من عامة الناس ولكنها الآن في صف المعارضة”.
وأستنتج عبدالكبير إلى أن” فرص تدارك الرئيس أصبحت ضعيفة لذلك فهو الآن يبحث عن حلول، لعل نجاح الاستفتاء وإنجازه في موعده أمرا مهما”.
الحل في التوافق

على رغم ما تبديه غالبية الآراء من تشاؤم حيال المشهد السياسي في تونس، تذهب بالاعتقاد آراء أخرى إلى أن فرص تطويق الأزمة مازلت سانحة، حيث أن صياغة حلول توافقية بين الرئاسة والأحزاب والمنظمات من شأنها أن تنقذ البلاد.
وفيما ازدادت فرص المعارضة في قلب المشهد إلى صالحها وهو أبرزه انضمام مزيد من الأصوات إليها احتجاجا ضد ما تسميه انقلابا على الديمقراطية، مازالت الرئاسة محل ثقة طيف واسع من المؤيدين الذين يستهجنون مساعي خصوم الرئيس إحباط خطواته وتشويه صورته أمام الرأي العام بعد أن تمكن بسلاح القانون والدستور من إزاحة نخبة ما بعد ثورة يناير لفشلها في إدارة البلاد.

ويلفت المحلل السياسي باسل الترجمان في حديثه لـ”أفريقيا برس” إلى أن” هذه المعادلة تنقسم إلى ثلاث نقاط:
النقطة الأولى هي المعارضة التي تريد إعادة الأمور إلى ما قبل 25 جويلية وهي معارضة لا قيمة لها ولا وزن وهناك قطيعة كبرى بينها وبين الشارع التونسي وبالتالي الحديث عنها خارج الاهتمام العام أو الخاص .”
أما النقطة الثانية وهي أن ”هناك أطراف اليوم كانت من مؤيدي 25 جويلية بدأت تتخذ مواقف نقدية تجاه مواقف الرئيس سعيد وهذه المعارضة تتسع وتعبر عن خلاف في رؤيتها تجاه العديد من القضايا وأولى هذه القضايا هي قضايا الحوار الوطني وقضايا الدستور القادم ”.
لكن النقطة الثالثة والأهم في كل هذه القضية حسب ترجمان، وهي أنه” ليس من مصلحة تونس وكل القوى السياسية أن يتسع هذا الصدام سواء بين الرئاسة والمعارضة أو بين المعارضة ومنظومة الحكم وبالتالي يجب السعي إلى تشكيل آليات تكون قادرة على بناء توافقات من أجل أن تخرج تونس من هذه المرحلة إلى ما نسميه بناء دولة جديدة تستجيب لتطلعات المواطن ”.
وبرأيه فإن ” المرحلة تحتاج إلى شجاعة في أن يلتقي كل الأطراف وان يتحدثون بكل صراحة ويصيغون رؤى مشتركة، حيث أن توسيع الصدام لا يخدم تونس لا من بعيد ولا من قريب بل على العكس سيزيد من تعميق الأزمة. ”
ولاحظ أن” هناك جهود لإخراج تونس من الأزمة السياسية والاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها، وبالتالي لا يجب السقوط في فخ التصعيد والاتجاه نحو مزيد من تعميق الأزمة”.
وخلص بالقول” كل الأطراف مدعوة إلى أن تجد حلولا وسطا للخروج من الأزمة والوصول إلى استفتاء يوم 25 جويلية على دستور حقيقي والاستعداد للانتخابات التشريعية القادمة نهاية السنة”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





