منظمة سوليدار: أي سبيل لعقلنة الإصلاحات السياسية؟ (ورقة تحليلية)

منظمة سوليدار: أي سبيل لعقلنة الإصلاحات السياسية؟ (ورقة تحليلية)
منظمة سوليدار: أي سبيل لعقلنة الإصلاحات السياسية؟ (ورقة تحليلية)

أفريقيا برس – تونس. كشفت انتخابات 2019 مدى تأثير القانون الانتخابي المعتمد على المشهد السياسي وحجمَ مسؤوليته عن إفراز لوحة فسيفسائية لم تكن في صالح الاستقرار في بلادنا وبعد 25 جويلية 2021 تصدّر موضوع المنظومة الانتخابية في تونس من جديدٍ الملفّات المُلحّة لكن ضمن مقاربةٍ جديدة لا تتقاطع بالضرورة مع المسار السابق. منظمة سوليدار تونس وفي إطار نشاطها وبمساهمة نخبة من رجال القانون وعلم الاجتماع أنجزت ورقة تحليلية انطلاقا من سلبيات النظام الانتخابي الحالي المعتمد منذ سنة 2011 محاولة منها لعقلنة الحوار حول الاصلاحات السياسية.

النظام الانتخابي الحالي: سلبيات… بالتفصيل

إن المقصود بعقلنَة الحوار حول الاصلاحات السياسية، هو عدم القفز إلى صياغة نماذج جديدة بناءً على استنتاجاتٍ جاهزة وغير نهائية وإنّما التركيز على فهم الأسباب والظروف التي دفعتنا إلى اعتبار اصلاحات سياسية بعينها ضرورة مُلحّة. من ذلك أنّه لا يجب اعتبار الخيارات المقابلة لتلك المعتمدة في المنظومة الانتخابية الحالية، تعويض الاقتراع على القائمات بالاقتراع على الأفراد، مثلاً، حلاّ حتميا.

يمثّل نظام الاقتراع/ النظام الانتخابي في الأنظمة الديمقراطية جوهر العملية التمثيلية غير أن اختزال النقاش حول نظام الاقتراع في خياري الاقتراع على القائمات أو على الأفراد يُغفل إشكاليات أساسية لها تأثير بالغ على العملية الانتخابية ومآلها.

في تونس ومنذ 2014 عجز المشرع على اعتماد نظام انتخابي (نظام التمثيل النسبي مع أكبر البقايا) من شأنه أن يحقق الأدوار الأساسية المتمثلة في ترجمة إرادة الشعب التي عبّر عنها الناخبون وإفراز أغلبية واضحة قادرة على ممارسة السلطة كما عجز المشرع أيضا عن تحقيق العدالة الانتخابية لإبقائه على نظام تقسيم الدوائر الانتخابية الذي تم اقراره منذ 2011 وهو ما لا يأخذ بعين الاعتبار تطور عدد السكان منذ ذلك التاريخ 2011 بمختلف هذه الدوائر الانتخابية.

إنّ عدم الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي رفعتها الثورة يعدُّ الاخفاق الأبرز لمنظومة ما بعد 2011 وهو ما يبرّر بدرجة كبيرة تقلّص الحماس للمواعيد الانتخابية وتراجع الثقة في الطبقة السياسية. الأمر الذي يمكن أن يجيب على التساؤلات حول طبيعة انتقال السيستام السياسي، من أين وإلى أين؟ والنتائج المحتملة لهذا الانتقال على المناخ الانتخابي وتفاعله مع نظام الاقتراع.

المنظومتان الحزبية والقضائية: الثنائي المفقود

في سبيل عقلنة الحوار حول الاصلاحات السياسية، وجب الانتباه إلى أنّ الخلل الذي تمّت معاينته لا ينحصر في شكل نظام الاقتراع، وأنّ هذا الأخير بدوره لا يتعلّق فقط بخياري الاقتراع على الافراد أو على القائمات، وإنّما يتفاعل مع عناصر أخرى أبرزها المنظومتان الحزبية والقضائية.

وقد أقرت العديد من التجارب الديمقراطية حدّا أدنى من التنظيم الداخلي للأحزاب، بما يدعم مقوماتها المؤسسية وقدراتها التنافسية وديمومتها. كما تدخّل المشرع في تلك التجارب بشكل مباشر ليضبط أهم القواعد الديمقراطية التي يجب أن تحكم التنظيم الداخلي للحزب.

غير أن الملاحظ في هذا النطاق أن القانون التونسي لم يتدخّل في المسائل التنظيمية الداخلية للأحزاب إلا بصفة عامة في حين أنها قواعد أساسية من شأنها أن تحد من شخصنة الأحزاب السياسية وتُسهم في تدعيم بنيتها الداخلية وضع يليق ببلادنا كديمقراطية الناشئة عادة ما تقوم فيها الأحزاب على وجود شخصية ذات إشعاع وطني تقودها وهو ما يحدّ من انتشارها وتأثيرها ويضعف حظوظ استمراريّتها.

ولئن تعدّ الأحزاب السياسية، فاعلا أساسيا في العملية الديمقراطية، والانتخابية بشكل خاص، وعنصرا مؤثّرا الا ان دور المنظومة القضائية يبقى مهما في تحسين جودة الانتخابات ومآلها وتعزيز الثقة فيها كآلية للتمثيل والتعبير عن إرادة الشعب. وتعتبر الرقابة القضائية أحد عناصر الرقابة على الانتخابات التي تشمل بصورة تقليدية عملية الإشراف والمتابعة الرسمية التي تقوم بها الإدارة الانتخابية، كما تشمل كذلك الرقابة الحزبية والمجتمعية.

وجب في البدء التفريق بين تدخّل القضاء أثناء الانتخابات وإثرها فخلال الانتخابات، مكّن القانون الهيئة الفرعية من آليات منها حجز الإعلانات الانتخابية وتحرير محاضر الحجز وفض الاجتماعات والاستعراضات والمواكب والتجمعات بالاستعانة بالقوة العامة عند الاقتضاء لكن هناك عائقان جوهريان يعطّلان هذه العملية فالقانون لا يمنح أعوان الهيئة من صفة عون ضابطة عدلية، وبالمقابل فإن استعانة الهيئة بالقوة العامة يفترض تعاون وزارة الداخلية. لذلك يمكن أن يكون من المتوجه لمنح فاعلية أكبر لتدخل الهيئة أن يتم إحداث خطة قاضي انتخابي استعجالي يختص بالنظر في نزاعات الحملة الانتخابية ويعاضد تدخله عمل الهيئة قصد فرض رقابة ناجعة وسريعة على الحملة الانتخابية.

أما إثر العملية الانتخابية، فيؤثّر تباين الزمن القضائي بين القاضي الإداري والقاضي المالي والقاضي الجزائي على نجاعة عملية الرقابة، إذ يوجد إجماع على ضرورة تقليص زمن النزاع في المادة الانتخابية وأهمية التنسيق بين المسارات القضائية للأقضية الثلاثة وذلك للحد من الإفلات من العقاب الذي أصبح ظاهرة مؤثرة بشكل كبير على مصداقية الانتخابات. وللحد أيضا من البطء الشديد في التعاطي مع القضايا مما يؤدي إلى صدور الأحكام بعد سنوات من ارتكاب الجريمة الانتخابية وربما بعد انقضاء المدة النيابية حيث تكون حينئذ غير ذات معنى.

خلصت الورقة التحليلية التي قامت بها منظمة سوليدار الى أنه في سبيل توفير الضمانات الكافية لنزاهة ونجاح العملية الانتخابية، لابدّ من استخلاص الدروس من التجارب السابقة وعرض الإشكاليات المرصودة بكلّ موضوعية، ودون أحكام مسبقة. الأمر الذي يفترض أن تتمّ الاصلاحات على ضوء تحليل عميق يستشرف السلبيات التي قد تطرحها خيارات جديدة من قبيل الانتخاب على الأفراد وذلك في ما يخصّ الإجراءات التمييزية الايجابية لصالح النساء والشباب وذوي الإعاقة، وأيضا في ما يخصّ تعميق الإشكاليات التي تخصّ الصراعات القبلية والمناطقية والمال السياسي الفاسد. وأن تتمّ مراعاة مآل هذا الخيار في النتائج التي قد لا تتيح تشكيل أغلبية ضامنة للاستقرار وتحمّل المسؤولية السياسية مستقبلا.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here