هل سقطتْ الدبلوماسية التونسية في فخ الشعبوية؟

هل سقطتْ الدبلوماسية التونسية في فخ الشعبوية؟
هل سقطتْ الدبلوماسية التونسية في فخ الشعبوية؟

أفريقيا برس – تونس. تشدد الدبلوماسية التونسية منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى على تضامنها المطلق مع الشعب الفلسطيني في وجه آلة الحرب الإسرائيلية والعدوان الغاشم الذي يشهده قطاع غزة وكانت من أوائل الدول التي دانت العدوان بوضوح وصوت عال، غير أن غيابها عن القمة العربية الإسلامية وتحفظها على بيانها الختامي خطوة يراها كثيرون غير مبررة كما تسقطها في فخ الشعبوية.

واختار الرئيس قيس سعيد التغيب عن القمة العربية الإسلامية التي احتضنتها الرياض مؤخرا، ثم تحفظت تونس على كل ما ورد في البيان الختامي للقمة باستثناء النقاط المتعلقة بالوقف الفوري للعدوان وإدخال المساعدات الإنسانية فوراً وفك الحصار عن كل فلسطين.

مظلة الإجماع

انقسمت أراء الأوساط سياسية والدبلوماسية بين مؤيد للموقف التونسي الذي يرى أن القمة لن تقدم أي إضافة للفلسطينيين ولن تنصف حقهم وقضيتهم العادلة والغياب عنها هو بمثابة احتجاج عن التخاذل العربي أمام ما تشهده غزة من حرب إبادة، وبين من اعتبر التحفظ والتغيب التونسي يبعد البلد عن الإجماع العربي وهو مبدأ يجب الحفاظ والالتزام به.

ويشير أحمد ونيس وزير الخارجية السابق في حديثه ل”أفريقيا برس” إلى”ضرورة حفاظ تونس على الإجماع مع القاعدة العربية والإسلامية..كما أن المطالبة بأكثر مما يطالبه به الأشقاء الفلسطينيون أعتقد هو أمر يعزلنا، وأمام العداء المطلق والحرب المسعورة التي يعيشها الشعب الفلسطيني علينا أن نواجه كل ذلك بالإجماع. ”

وتابع ونيس”أن نخرج بمواقف تبعدنا على الإجماع وتظهر للعالم أن العالم العربي والإسلامي مجزأ ومنقسم أعتقد أن هذا ليس بالخطة الصحيحة. ”

ثم استدرك بالقول”لكن إذا نذهب للجوهر والمنهجية فإن البيانات الختامية فاقدة للعقوبات الضرورية التي يجب أن تسلط ضد العدو،لم نستعمل هذه الورقة بعد في العالم العربي، كنا نفضل أن نسلط عقوبات على المعنيين بالأمر وفي حين لم يقوموا بذلك على الأقل نواصل ونتمسك بالإجماع العربي”.

وأردف”المعتقد في الشعوب هو التضامن والمساهمة في التضحيات في نصرة القضايا العادلة، نحن لسنا معزولين عن هذه القضية لكن في المقابل التصرف الدبلوماسي للقاعدة العربية الإسلامية كان بوسعه القيام بما أفضل، ومع ذلك ليس أمامنا سوى الانخراط في مظلة الإجماع”.

ويقر ونيس أن”الوضع الاقتصادي والمالي لتونس لا يسمح لها بالخروج بقرارات ناجعة وقوية على مستوى دبلوماسي.. نحن ندافع على مصالحنا القريبة وعلى استبقائنا في الساحة كما لم نلاقي التضامن اللازم في هذه القضية الخطيرة، وصوتنا اليوم متأثر بالأزمة الاقتصادية والمصلحة الاقتصادية والمالية الضعيفة”.

وفيما يجمع التونسيون على ثبات موقف بلدهم الداعم تاريخيا للقضية الفلسطينية، كما اعتبر طيف واسع أن موقف الدبلوماسية التونسية كان الأفضل والأكثر تأثيرا مقارنة بدول عربية أخرى، إلا أن أصوات معارضة لم تجد مبررا لتحفظها على بيان القمة العربية الإسلامية وتغيب الرئاسة عن المشاركة فيها واعتبرت ذلك خطوة شعبوية للاستهلاك الداخلي هدفها إسكات الانتقادات التي طالت البرلمان بسبب عدم تمريره مؤخرا قانون تجريم التطبيع.

ويلفت حسام الحامي المنسق العام لائتلاف صمود في حديثه ل”أفريقيا برس”أنه”من ناحية المبدأ تونس من الدول الذي يعد موقفها ثابتا في القضية الفلسطينية منذ القدم وهو موقف ثابت مع الشرعية الدولية والحل السلمي، ورغم الأوضاع الصعبة الذي يمر به قطاع غزة قلنا أن الحلول يجب أن تكون واقعية حسب موازين القوى في الميدان.”

واعتبر أنه” من الجيد أن نرفع السقف للمطالبة بماهو أكثر لكن الموقف الدبلوماسي الأخير من القمة العربية الإسلامية كان فيه نوعا من التصعيد الغير مبرر خاصة أنه لا يرجى من ورائه نتائج عملية في الواقع حيت تونس الوحيدة التي تحفظت على كل ما صدر من القمة إلا في مسألة المساعدات”.

وحسب الحامي”أحرجت تونس بهذا التحفظ من الناحية دبلوماسية حتى الدول التي تختار خط المقاومة ولها موقف واضح من القضية الفلسطينية مثل إيران والجزائر”.

ويعتقد أن”مثل هذه التصعيدات موجهة للاستهلاك الداخلي المحلي وهو موقف لا يراد منه جدوى أو مكاسب حقيقية يتحصل عليها الشعب الفلسطيني بقدر ماهو موقف موجه للشأن الداخلي خاصة بعد تراجع البرلمان عن قانون تجريم التطبيع وهو ما جعل الشعب التونسي لا يرحب بمثل هذه المواقف، فكان هذا الموقف محاولة لتهدئة الأمر وللتأكيد على أن تونس لم تغير موقفها الداعم للقضية الفلسطينية وهو دعم غير مشروط”.

واستنتج بالقول”هذا هو تقيمي كأن هذا الموقف من القمة هو استدراك للارتباك الذي وقع بالبرلمان بخصوص قانون تجريم التطبيع وتناسي الموضوع والمرور لجلسة مناقشة الميزانية، وقد حاولت السلطة التنفيذية التدارك بهذا الموقف التصعيدي الذي لا أرى له مبررا حيث سيحرج حتى الدول التي في صف المقاومة ولن يجعل العلاقات مع هذه الدول على أفضل ما يكون”.

وخلافا للتوقعات بتمرير البرلمان التونسي قانون تجريم التطبيع في جلسة عامة انعقدت بداية نوفمبر الجاري لما يلاقيه من دعم رسمي وشعبي، إلا أن تصريح رئيس البرلمان إبراهيم بودربالة بأن الرئاسة تولي اهتماما لمصلحة تونس الخارجية ما يعني بالضرورة عدم تمرير القانون ثم تأجيل الجلسة لأجل غير معلوم، قد أثار جدلا وانتقادات واسعة خاصة لما يعرف عن الرئيس سعيد دعمه للقضية الفلسطينية ولهذا القانون منذ أن كان مرشحا للرئاسة سنة 2019.

حراك دبلوماسي ولكن

تقر أوساط سياسية بالحراك اللافت للدبلوماسية التونسية منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى حيث كان موقفها قويا وواضحا مقارنة ببقية الدول العربية الأخرى حيث عبرت الرئاسة عن وقوفها الكامل والغير مشروط مع الشعب الفلسطيني كما دعت المجتمع الدولي إلى وضع حد للعدوان الغاشم في غزة، وشعبيا رفرف علم فلسطين في الشوارع والمدارس بالبلد كما عبرت مسيرات التضامن على رفضها لكل ما يرتكبه العدو الصهيوني من انتهاكات وجرائم بحق الإنسانية.

مع ذلك وحسب متابعين كان بإمكان الدبلوماسية التونسية اتخاذ خطوات أكثر فاعلية في هذا الملف يتجاوز البيانات شديدة اللهجة ويمنحها دورها أكبر إقليميا ويمسح لها بالانضمام إلى طاولة المفاوضين الدوليين.

ويلاحظ عبد الله العبيدي الدبلوماسي سابق في حديثه ل”أفريقيا برس”أن”الدبلوماسية التونسية قامت بمجهود كبير على مستوى المبادئ لكن ليس على مستوى التمشي والتعاطي مع القضية لأننا رأينا كيف تتحفظ في كل لقاء متعدد الأطراف ونحن نتساءل هنا هل كسبت أنصار في القضية التي تدافع لأجلها؟.. هل تنتمي لكتلة من الدول العربية والغير عربية التي تناصر القضية”.؟

وأضاف”على المستوى المبدئي نعم ولكن عمليا لم تتوصل إلى شيء، كان من المفروض أن ينتقل رئيس الجمهورية من بلد إلى بلد ويتلقي بنظرائه من الدول الأخرى ويستقبلهم وهو ما يسمح له بالفعل بتحريك تيار لصالح القضية الفلسطينية، حيث لا يكفي التحفظ أعقاب كل بيان للقاء متعدد الأطراف من الجامعة العربية أو القمة العربية. ”

وفي تقدير العبيدي أنه”كان من المفروض أن تشارك تونس بالقمة العربية والإسلامية لرصد المواقف ومحاولة تتغير وجهات النظر مع زيادة عدد المفاوضين، وعادة العمل الدبلوماسي يسبقه إعدادات وتحضيرات لاستباق أي موقف وتداعياته لكننا في الواقع ندافع عن قضية لا نملك إمكانياتها”.

ويتسق رأي عبدالله العبيدي مع رأي محسن النابتي الناطق الرسمي لحزب التيار الشعبي الذي بين في حديثه ل”أفريقيا برس” أنه “كان بإمكان الدبلوماسية التونسية التحرك بشكل أفضل في هذا الملف”.

ويقول النابتي مقيما أداء الدبلوماسية التونسية منذ بداية عملية طوفان الأقصى”هناك مستوى مبدئي بتعلق بثوابت تونس في علاقة بالقضية الفلسطينية، وأعتقد جازما أن الموقف التونسي هو الأفضل على الإطلاق حيث يدعم هذه القضية باعتبارها قضية تحرر وطني وتتعلق بتحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر وهو يخرج تونس من كل ما عرف تاريخيا بالمفاوضات والمبادرة العربية للسلام التي أضرت بالقضية الفلسطينية وبالحق الفلسطيني ويعيد القضية إلى أصلها كقضية تحرير أرض وتحرير شعب..فيما يخص المبادئ كانت تونس الأفضل لأن مجمل الأقطار العربية تدور حول حل الدولتين والحلول الظالمة وغير شرعية .. هنا الموقف تونسي جيد جدا. ”

أما في علاقة بالحركية الدبلوماسية، فيعتقد النابتي أنه” كان بإمكانها أن تكون أفضل حيث أن الحضور والمشاركة في القمة العربية والإسلامية كان سيسمح لها بممارسة ضغط أكثر”، معلقا “لو ألقى الرئيس قيس سعيد مداخلة في هذا السياق المبدئي كان سيحرج كثير من الأنظمة العربية التي تتحدث على حلول تفريط”.

وبعد فشل القمة العربية التي تحولت إلى عبء على الشعب الفلسطيني، هناك دول أخرى يمكن أن تراهن عليها تونس لتحريك الملف الفلسطيني، وهي الدول التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل على غرار جنوب أفريقيا وبوليفيا وكوبا وخاصة الدول التي بادرت لأجل تقديم قضية في محكمة الجنايات ضد العدو الصهيوني، حسب ما ذهب إليه النابتي.

وخلص بالقول”يمكن لتونس أن تدعو إلى قمة لدول عدم الانحياز على سبيل المثال أو قمة مصغرة تضم مثل هذه الدول لتشكل قوة ضغط داخل المجتمع الدولي لعزل العدو الصهيوني ومزيد تقطيع أوصاله على مستوى الدولي وإحراج بقية الدول العربية التي مازلت تحتفظ بعلاقات مع هذا الكيان”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here