هل بوسع الحكومة التونسية الإيفاء بوعود قانون المالية؟

هل بوسع الحكومة التونسية الإيفاء بوعود قانون المالية؟
هل بوسع الحكومة التونسية الإيفاء بوعود قانون المالية؟

أفريقيا برس – تونس. استبعدت أوساط اقتصادية وسياسية في تونس قدرة الحكومة على إيفاء بوعود قانون المالية لسنة 2024 وذلك لمحدودية إمكانيتها وصعوبة تطبيق الإجراءات المقترحة على أرض الواقع خاصة خططها لتحفيز الاستثمار.

وصادق البرلمان على قانون المالية لسنة 2024 بأغلبية 116 صوتا مؤخرا في جلسة عامة، فيما يتساءل خبراء ومتابعون على قدرة القانون الجديد على تحقيق الإصلاحات المرجوة واستعادة توازن المالية العمومية وتعافيها ولو بصفة تدريجية.

قانون مقبول

انقسمت الآراء بين مؤيد يرى في القانون نفسا إصلاحيا ورغبة في تحسين الوضعية المالية والجبائية للبلاد، وآراء أخرى ترى أن القانون لا يعكس الواقع المعيشي والاقتصادي للتونسيين ويبدو فيه الدور الاجتماعي للدولة غائبا.

ويشير النائب رياض جعيدان وهو مساعد رئيس البرلمان المكلف بالإصلاحات الكبرى في حديثه ل”أفريقيا برس” أنه” رغم كل الانتقادات التي وجهتها شخصيا لقانون المالية من حيث غياب الرؤية الإستراتيجية و النظرة الاستشرافية والمقاربة الإصلاحية مع طغيان الحلول الترقيعية في العديد من الملفات المهمة لماليتنا العمومية فإنه كان مقبولا في جملته”.

وتابع بالقول”تأتي المصادقة بعد مرور القانون بمجلس نواب الشعب الذي نجح في إصلاح بعض الفصول وإضافة العديد منها في مساندة لأبناء شعبنا كالعفو الجبائي أو إعفاء إدخال السيارات لتونس مرة كل 10 سنوات لمواطنينا بالخارج ومساندة لبعض القطاعات كالفلاحة والصيد البحري أو مساندة لبعض الإصلاحات الكبرى كالانتقال الطاقي.”

وعلق”الحكومة بدأت فورا في تطبيق كل ما اقترحناه في مداخلاتنا مثلا وذلك على إثر مناداتنا الحكومة في نقاش ميزانية النقل بدعم النقل المستدام.” لافتا أن” رئيس الحكومة كلف وزارة البيئة ببلورة رؤية وإستراتيجية وطنية للتنقل المستدام في إطار التحول الايكولوجي، تشارك في صياغتها كل الوزارات المتدخلة”.

وينص قانون المالية لسنة 2024 على 43 فصلا جبائيا وماليا، مع اعتماده على حزمة فرضيات تتمثل أساسا في تحقيق نسبة نمو للاقتصاد في حدود 2.1 بالمئة واعتماد سعر برميل النفط الخام في حدود 81 دولارا للبرميل، وفق ما نقلته تقارير إعلامية.

وحدد القانون سلسلة من الأهداف من ضمنها إرساء نظام داعم للعدالة الجبائية ويقاوم التهرّب الجبائي كما يدعم القطاع الفلاحي والصيد البحري والموارد المائية ويدفع الإندماج المالي للمؤسّسات الصغرى والمتوسطة ويشجع على الإدخار والإستثمار فضلا عن دعم الإقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة وإرساء آليات بديلة لتمويل نفقات الدعم.

وعبر ما رصدته من أهداف، تسعى تونس إلى خفض العجز إلى 6.6 بالمئة في 2024 مقابل 7.7 بالمئة في 2023 مدفوعة بضرائب إضافية على البنوك والفنادق.

وفيما تشهد تونس أزمة اقتصادية حادة فاقمتها تداعيات تفشي جائحة كورونا وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة والمواد الأساسية إثر الأزمة الروسية-الأوكرانية، ترى أوساط سياسية أن القانون حافظ على مقومات السيادة الوطنية رغم ضغوط المانحين الدوليين الذين يشترطون إلغاء الدعم مقابل حصول تونس على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار.

واعتبر صهيب المريزقي القيادي في حركة الشعب في حديثه ل”أفريقيا برس”أنه”من المعلوم أن قانون المالية لسنة 2024 يأتي في ظرف إستثنائي إقتصادي يشهده العالم كله منذ أزمة كورونا إلى الصراع الروسي- الأوكراني فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك سلبا على الدولة التونسية التي حافظت من خلال قانون مالية سنة 2024 على ميزانية الجباية”.

وشرح بالقول”حيث أنها ترتكز على أكثر من 85 بالمئة على العائدات الجبائية فضلا على أن نتيجة ميزانية الدولة حققت عجزا فادحا في مقابل ذلك لم نشهد تبيان لمصادر اقتراض خارجي خاصة أمام عدم الإتفاق مع صندوق النقد الدولي ولا مع الجهات المانحة الأخرى وهو ما يزيد الميزانية تعقيدا من ناحية العائدات.”

وأبرز”هنا نتفق مع رئيس الجمهورية قيس سعيد في نقطتين أساسيتين وهما سيادة القرار الوطني وعدم الرضوخ للإملاءات الخارجية من جهة ومن ناحية ثانية ضرورة التوجه للتعويل على الذات كون تونس ترزخ بخيرات وثروات تؤهلها لتجاوز أزمتها.”

واستدرك”لكن اليوم لابد من إيجاد حلول اقتصادية وطنية تكون إستراتيجية أولا و تراعي الراهن اليوم من توفير الحاجيات الأساسية في السوق بصورة أولى لأنه لا قيمة لباب الدور الاجتماعي للدولة المنصوص عليه في قانون المالية في مقابل ذلك المواد مفقودة و تباع بأسعار باهظة على الشعب التونسي”.

نوايا حسنة ولكن

يتضمن قانون المالية الجديد إجراءات تحفيزية لتشجيع الاستثمار بالبلاد، ورغم أنها خطوات ايجابية لكنها غير كافية لخلق الثورة وتحقيق الموارد وذلك في ظل اقتصاد هش عجزت الحكومات المتعاقبة منذ ثورة يناير على إنقاذه وتطويره ونقل التونسيين إلى واقع معيشي أفضل.

وبالنسبة للشارع الذي فقد شغفه بالشأن العام واختار غالبيته العزوف وهو ما عكسته نتائج الانتخابات المجالس المحلية الأخيرة، فإن الآمال بخصوص هذا القانون ضئيلة، كما يعتبره طيف واسع نسخة مكررة من قوانين المالية السابقة ولن يزيد المواطن إلا عبئا ماليا كما أنه غير قادر على تحقيق انفراجة اقتصادية في ظل تواصل غلاء المعيشة وفقدان المواد الغذائية الأساسية.

وبينما يراهن قانون المالية على تشجيع مشاريع الباعثين الشباب والاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة واستعمال الطاقات البديلة والمتجددة،غير أنه طموح يصعب تطبيقه في ظل محدودية الإمكانيات، وفق خبراء.

ويلفت شكيب بن مصطفى الخبير الاقتصادي في حديثه ل”أفريقيا برس”إلى أن”إجراءات التي أعلنتها الحكومة المتعلقة بالاستثمار ودعم مشاريع الباعثين الشباب على مدى أربع سنوات دون استخلاص الأداءات هي فكرة جيدة لكن مع إضافتها لشروط فإنه من الصعب الالتزام بها.”

وبرأيه”لن يكون لهذا الإجراء تأثير كبير كما هو الحال فيما يخص توجه الحكومة نحو الاقتصاد الأخضر وتقليص القيمة المضافة على الأداءات الجبائية للسيارات الكهربائية المستوردة”.

ووفق التوجه الإيكولوجي التي تريد أن تنتهجه الحكومة التونسية، يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2024 التقليص من أداء القيمة المضافة الموظّف على السيّارات الكهربائية من 19 بالمائة، حاليا، إلى 7 بالمائة ابتداء من مطلع يناير 2024 فضلا عن التقليص ب50 بالمائة من أداء الجولان ومعاليم التسجيل بالنسبة لهذه الفئة من السيّارات.

ويستدرك”المشكل أن هذا المنوال بالأساس غير جاهز إلى حد الآن لوصول مثل هذه السيارة إلى بلدنا.. يتطلب ذلك بنية تحتية كاملة حتى يقع استعمال مثل هذه السيارات كذلك فيما يخص الاقتصاد الأزرق الفكرة جيدة لكن يبدو من الصعب تطبيقها”.

ويعتقد بن مصطفى أن”نوايا الحكومة في القانون الجديد حسنة من خلال طموحها في تطبيق الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري، لكن في ظل واقعنا فإن هذه الاستثمارات ستكون غير مربحة بسبب القوانين وشروط التي تضعها الحكومة.”

وختم بالقول”الإمكانيات المحدودة تصعب خطط الحكومة ولا يمكن استغلالها أو أن تفي بوعودها فيما يخص هذا القانون”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here