حوار آمنة جبران
أفريقيا برس – تونس. تسير تونس بخطوات بطيئة نحو الانتقال إلى البناء الإيكولوجي حيث تقوض الصعوبات المالية والتشريعية طموح الشركات الخضراء الناشئة في تشييد مشاريع مستدامة وصديقة للبيئة، على رغم الأضرار التي تواجهها البلد جراء تداعيات التغير المناخي على جميع الأصعدة.
وتؤكد تونس حرصها على الموازنة بين التطور التكنولوجي وبين الحفاظ على البيئة، إلا أنها لم تتمكن بعد من التحول من البناء الكلاسيكي إلى البناء الايكولوجي، في حين اختارت بعض شركات القطاع الخاص خوض المغامرة والتوجه نحو المشاريع الخضراء بمجهود فردي لما لها أثر بيئي وصحي.
ويرى خبراء البيئة والمناخ أن انخراط تونس في منظومة البناء الجديدة بات ضرورة ملحة، حيث أن التغيرات المناخية التي يعيشها العالم تفرض التوجه نحو البناء الايكولوجي الصديق للبيئة الذي يقدم حلولا للحد من مشاكل العجز الطاقي بتكلفة مالية منخفضة.
تمويل محدود

يتميز البناء الإيكولوجي بمزايا وفوائد تسمح له للحد من الأزمة الطاقية والمناخية حيث يقع استعمال مواد صديقة للبيئة لتشييد الجدران والمنازل مثل الحجارة والخشب، وعلى الرغم أن تونس تمتلك تراثا معماريا في البناء البيئي حسب أهل الاختصاص وموارد طبيعية يمكن استغلالها في مواجهة أزمة الطاقة العالمية والتغيرات المناخية، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم توفر دعما كافيا لتشجيع مبادرات الشركات الخضراء والمنوال التنموي الأخضر.
وأشار أحمد بن نجمة وهو مشرف على مشروع يعنى بمساندة الشركات الخضراء في تونس من قبل منظمة “هيفوس” في حديثه لـ”أفريقيا برس” أن”فكرة المشاريع والشركات الخضراء في تونس باتت تلاقي رواجا وتفاعلا بيئيا ايجابيا.”
وتابع بالقول “تمنح هذه الشركات خدمات أو منتوج محدد يساهم إما في التأقلم مع التغيرات المناخية وتداعياتها أو نجد من خلالها الحل لتدارك ما فقدناه من مواد، ومهمتنا مساعدة هذه الشركات تقنيا وماليا لتحقيق أهدافها.”
وبين أن “فكرة هذه المشاريع بدأت في التطور، وبدأ كثير من الشباب في العمل على تداعيات التغير المناخي وهو شيء ايجابي حيث باتت هذه الشركات تستحوذ على الاهتمام “. غير أن “هذا النوع من الشركات يواجه جملة من التحديات والصعوبات أهمها الدعم المالي المحدود وغياب التشريعات التي تعترف بها وتحصنها ونقص اليد العاملة والخبراء المختصون في هذا المجال على غرار البيروقراطية، الأمر الذي دفع الكثير منها إلى التوقف عن خوض التجربة محليا والهجرة نحو الخارج.”
وأوضح بالقول “لا توجد خطوط تمويل خاصة بهذه الشركات سواء من الدولة أو من القطاع خاص، يعني الموارد المالية لا تفي بالغرض حيث يستوجب عليها القيام بالبحث العلمي للتجربة وهي خطوة مكلفة ماليا وليس بالضرورة أن تحقق نتائج ايجابية، كما أنها تعمل على نتائج طويلة المدى بينما البنوك والمستثمرين يريدون تحقيق الربح ونتائج سريعة”.
وتعيق الأزمة الاقتصادية التي ترزح تحت وطأتها البلاد توفير دعم مالي كاف خاص بالخطط البيئية وبالتعهدات الدولية لمواجهة التغيرات المناخية، ورغم ذلك خصصت الحكومة في إطار المخطط التنموي 2023-2025 اعتمادات بقيمة 6.7 مليار دينار (2.134 مليار دولار) لفائدة الاقتصاد الأخضر والتغيرات المناخية في إطار خطتها التنموية الجديدة، وفق ما نقلته تقارير إعلامية.
وانعكس نقص الموارد المالية على العامل التقني الذي يشكل تحديا آخر بالنسبة لهذه الشركات، حيث تتطلب هذه الخطوة “استقطاب خبراء وتقنيين للمساعدة في عملية التطوير وهي خطوة مكلفة ماليا، كما لا يوجد برامج تعنى بالدعم التقني وتكتفي الدولة وبعض برامج التعاون الدولي على التشجيع فقط على بعث المشاريع في مرحلتها النظرية”، حسب بن نجمة.
ويلفت أنه “رغم مساهمتها في دعم الدولة في تحقيق أهدافها البيئية أمام المانحين الدوليين عبر مشاريعها المقترحة، إلا أنه لا يوجد تأطير لهذه الشركات حيث تعمل كل شركة بمفردها بدل العمل بشكل جماعي في مواجهة التغيرات المناخية”.
وعلق “لا يوجد تواصل مع الدولة فيما يخص هذه الشركات، كما لا يوجد قانون مختص يحميها وينظم عملها، لا نرى لها أثر مثلا في قانون المالية الجديد”.
ومازالت النصوص التشريعية في تونس لم تعترف حتى الآن بالبناء الإيكولوجي، والدليل على ذلك حسب الخبراء هو أن المؤسسات العمومية التي تريد الانخراط في البناء الإيكولوجي لم يجدوا نصوصا قانونية تشجعهم على ذلك.
ثقافة البناء الإيكولوجي

تحتاج الشركات الخضراء على غرار الدعم المالي والتقني إلى ترسيخ ثقافة البناء الإيكولوجي لدى الشارع والتوعية بأهميتها في المحافظة على البيئة في ظل تمسك الغالبية بنمط البناء الكلاسيكي.
وقدمت شركات ناشئة تجارب ناجحة في تشييد منازل صديقة للبيئة على رغم ما واجهته من صعوبات.
ويقول هيثم غندري وهو صاحب شركة صديقة للبيئة ل”أفريقيا برس” أن”شركته المختصة في البناء بالخشب واجهت كثير من التحديات خاصة في مجال توفير السلع واليد العاملة”. كما أن” القوانين التي تحمينا غير واضحة، ولم نجد دعما من الدولة، حسب وصفه.
وشرح بالقول”اليد العاملة في هذا المجال ضئيلة، كما لا يتوفر كثير من المواد في هذا الاختصاص ولا توجد خبرات كافية في المجال الإيكولوجي من المهندسين إلى اليد العاملة البسيطة وهو ما جعلنا نعمل على تكوين وتدريب فريقنا على البناء الإيكولوجي”.
وأردف”سنعمل على التدريب والتعريف به في الجامعات التونسية لتوفير المعلومة للمهتمين بهذا المجال”.
وسلط غندري الضوء على” الثقافة المستشرية في المجتمع التونسي والتي لازلت غير مقتنعة بكل ما تقوم هذه الشركات من جهد فيما يخص التوجه نحو البناء الإيكولوجي، مؤكدا مواصلة العمل والسعي إلى ترسيخ هذه الثقافة ونشر الوعي بقيمة هذه المشاريع من ناحية بيئية. ”
واعتبر أنه”من الضروري صناعة وتوفير هذا السوق لجميع التونسيين، وأنهم ماضون في هدفهم المتمثل في إقناع المواطن باستهلاك كل ماهو إيكولوجي وأن يكون من ضمن الممارسات اليومية”.
ويتخوف الشارع من الإقبال على المنازل والمباني الصديقة للبيئة لعدم ثقته في هذه المشاريع أو في توفر المواد الطبيعية اللازمة في السوق، كما أن تراجع المقدرة الشرائية للمواطن وانشغاله بأوضاعه المعيشية المتردية لم تسمح له بالاهتمام بمثل هذه المشاريع التي تجد انتشارا في المنشآت السياحية البيئية.
ويفسر سليمان بن يوسف الأمين وهو دكتور باحث في علم اجتماع البيئة والتنمية في حديثه ل”أفريقيا برس”سبب ضعف الإقبال على المشاريع الخضراء في تونس.
ويعتقد أن” ما يعوق انتشار ثقافة البناء الإيكولوجي عدد من العوامل منها ما يرتبط بعقلية سائدة لا ترجح أولوية السلامة البيئية على المدى البعيد وترى في هذا التيار ترفا وكلفة زائدة لا مبرر”.
واستدرك”رغم اختصاص إدارة في وزارة التجهيز ووجود مختصين في التخطيط المعماري وقيادة المشاريع الإيكولوجية ومبادرات توعوية وترويجية جريئة، إلا أنه لا بد من حزمة أخرى من الإجراءات من بينها الحوافز المادية والإدارية لاعتماد هذا الصنف من البناء وتصميم هندسة الأحياء وتكثيف المسابقات ومبادرات والتعريف بقصص المناخ”.
وخلص بالقول”وزارة البيئة تقوم بدور ريادي يساهم في الدفع نحو التحول و الانخراط التدريجي في هذا المجال ضمن مقاربة إستراتيجية متصلة بالاقتصاد الأخضر والمدن الذكية.. كما يمكن ومع الجهد التوعوي والاتصالي التفكير في حملة أو خطة وطنية شاملة ذات أهداف قابلة لتحقيق في أجل زمني معقول سواء خلال سنة أو على مدى مخطط تنموي”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





