إلهام اليمامة
أفريقيا برس – تونس. جدّدت منظّمات المجتمع المدني في تونس تمسّكها بالمرسوم 88 المنظم للجمعيات واعتبرت أن أي محاولة لتنقيحه أو تعني تهديد للحريات. جاء ذلك خلال لقاء انتظم مؤخرا في العاصمة تونس رفع خلاله المشاركون شعار “المجتمع المدني في تونس: نحن شركاء ولسنا عملاء”.
يأتي هذا اللقاء، الذي شاركت فيه أكثر من 40 منظمة من منظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية بتونس، بحضور المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، ردّا على تقرير تسرّب تحت عنوان الحكومة تعد تقريرها حول مقترح مجلس نواب الشعب المتعلق بتغيير القانون المنظم لعمل الجمعيات.
شهد هذا النص عدة محاولات لتعديله لكن المقترح الأخير الذي وقع تسريبه يعتبر “الأخطر” وفق منظمات المجتمع المدني التي سارعت إلى التنبيه من أثر عدد من فصوله مندّدة بإقصائها وعدم إشراك أو استشارة مكوّنات المجتمع المدني في أي نقاشات حول التشريعات المتعلقة بعمل الجمعيات وتعديل المرسوم 88 الذي يتميّز بطابعه التقدمي والمتناغم مع المعايير الدولية.
في السنوات الأخيرة، وفرت التحولات الدراماتيكية تونس والمنطقة فرصا وتحديات جديدة لدراسة المجتمع المدني ولتحوّله من مفهوم “برجوازي” إلى آلية ميدانية تساهم في تحقيق الرفاه للمجتمع، والرفاه هنا ليس حياة الترف بل البنية التحتية الضرورية للتقدم ومعاضدة الدولة في هذا المسعى… وذلك وفق ضوابط قانونية وتشريعية تمّ تعديلها في تونس بشكل يعطي المجتمع المدني فرصا أكبر للتحرّك.
من هم ممثلو المجتمع المدني
يمثل المجتمع المدني مجموعة المؤسسات غير الرسمية، التطوعية، المكوّنة من جمعيات ومنظمات غير حكومية ومؤسسات عاملة في مجال حقوق الإنسان، ونقابات عمالية ورابطات مهنية، بالإضافة إلى الجمعيات المائية ومؤسسات القروض الصغرى والأحزاب السياسية، في النموذج التونسي الذي يحدده المرسوم عدد 88 – 2011.
اعتبر هذا المرسوم، الذي صاغته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي في 24 سبتمبر 2011، “ثورة” في مجال الحريات وإنصافا للمجتمع المدني واعترافا بدوره “الخدماتي والرقابي” في معاضدة مؤسسات الدولة ونشر مجموعة من القيم والمبادئ التي تهدف إلى تطوير وتنمية المجتمع وتحقيق مبادئ الحكم الراشد وتفعيل العمل الجماعي.
تميّز هذا القانون بتبسيط إجراءات تأسيس هذه الجمعيات، وبتسهيل آليات عملها. فقد ألغى المرسوم 88، المكون من 49 فصلا تتوزع على 9 أبواب، نظام التأشيرة التي كان على الراغبين في تأسيس جمعية طلبها من وزارة الداخلية بشروط، وصار تأسيس الجمعيات يخضع إلى نظام التصريح (الفصل 10).
وجاء في الفصل الأول-الباب الأول: “يهدف هذا المرسوم إلى تكريس حرية تأسيس الجمعيّات الوطنيّة وفروعها وشبكات الجمعيات وفروع الجمعيات الأجنبية والمنظمات الدولية غير الحكومية الوطنية وفروع المنظمات الدولية غير الحكومية الأجنبية ومؤسسات النفع العام الوطنية وفروع مؤسسات النفع العام الأجنبية والنشاط في إطارها وتدعيمها وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها. ويضبط كيفية تأسيسها، وتسييرها، وتمويلها، ومراقبتها”.
وخُصّص البابان السادس والسّابع لضبط مصادر التمّويل المختلفة للجمعيات في تونس. ووفق الفصل 34- الباب السادس- الأحكام المالية، يمكن أن تكون هذه المصادر: اشتراكات المنخرطين، التمويل العمومي (مباشر وغير مباشر: طلب عروض واتفاقيات شراكة)، المساعدات والهبات والوصايا الوطنية، المساعدات والهبات والوصايا الأجنبية، العائدات الناتجة من ممتلكات الجمعية ونشاطاتها ومشاريعها المشروعة، جمع التبرعات.
ويحجّر على الجمعيات قبول مساعدات مالية صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية أو عن منظمات تدافع عن مصالح تلك الدول. كما يلزم هذا المرسوم الجمعيات بأن تنفق مواردها المالية في النشاطات التي تحقّق أهدافها فقط دون منافع ربحية تجارية.
سمح هذا القانون بظهور مجتمع مدني متنوع في تونس بعد 14 جانفي/يناير 2011 وفتح واسعا أمام تدفق الجمعيات التي يتجاوز عددها اليوم الـ20 ألف جمعية، وهي جزء من بقية مكونات المجتمع المدني الذي يضم أيضا التعاونيات والنقابات والاتحادات وحتى الأحزاب السياسية.
قانون مثير للجدل
لا شكّ في “ثورية” هذا القانون وفلسفته لكن عليه بعض المؤاخذات من حيث أنه قد يكون فتح الباب أمام تواجد قانوني لمئات الجمعيات دون أن يكون لها حضور ميداني فاعل، أو تلك التي تعمل بعشوائية وضبابية، وأخرى مرتبطة بحسابات حزبية وسياسية، وأيضا ولاءات بعض الجمعيات لمموّليها، خاصة تلك التي تحصل على أموال ضخمة من الخارج وبالعملة الصعبة وبالتالي أجندتها ستخدم من يدعمها أكثر من أي جهة أخرى، حتى لو كانت تحصل، في ذات الوقت، على التمويل العمومي.
وكانت تهمة التمويل الأجنبي لاحقت عدة أحزاب وقوى سياسية على غرار حركة النهضة وحزب قلب تونس وجمعية عيش تونسي التي خضعت لتحقيقات بشأن الحصول على تمويل أجنبي خلال الانتخابات الرئاسية.
في المقابل، لا تعارض منظمات المجتمع المدني تنقيح ما يمكن تنقيحه من المرسوم 88 لكنها تنتقد اقصاءها من المشاورات والنقاشات التي قد تفضي إلى تقوية هدا القانون عوض الغاءه أو تعديله بشكل يهدّد الحريّات في تونس ويعيدها إلى مربع التضييق.
ووفق تقرير نشرته منظمة بوصلة، وهي منظمة تونسية غير حكومية، “تتجلى محاولات ضرب الجمعيات في تونس من خلال حجم وخطورة التغييرات الواردة على مقترح القانون الجديد مقارنة بالضمانات التي تمّ التنصيص عليها صلب نصّ المرسوم 88 الذي احترم في صياغته المعايير الدولية المتعلقة بحريّة تكوين الجمعيات، حيثُ يُمكن تلخيص الهدف من هذا التنقيح في الجُنوح الواضح نحو إطلاق يد الإدارة والسلطة التنفيذية على مختلف المستويات قصد تغليف محاولات التضيّيق والخنق تُجاه الجمعيات بروح من الرّقابة والحماية المغشوشة”.
ويوضح التقرير أن “الخطورة الأولى الواردة بنصّ المُقترح تتمثل في محاولات ضرب مبدأ استقلالية الجمعيات عبر حذف عبارة “والحفاظ على استقلاليّتها” (الفصل الأوّل من المرسوم 88)…”.
ورصد التقرير عبر تحليل التعديلات المقترحة تمشيّا نحو فرض رقابة كبرى عل عمل الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني فمثلا رغم أن مقترح القانون الجديد حافظ على نظام التصريح، في الواقع “نظام التسجيل المُقترح يمنح سلطة تقديريّة واسعة للإدارة المعنيّة بالعلاقة مع الجمعيات برئاسة الحكومة وذلك بجعل عمليّة إنشاء الجمعية تمتد شهرا من تاريخ ايداع التصريح وهو ما يعطيها عمليا صلاحية رفض التأسيس”.
أما بخصوص التبريرات التي تتحجّج بتعلّة الإرهاب من خلال التنصيص صلب الفصل 24 من مقترح القانون على صلاحية رئاسة الحكومة في حلّ الجمعيات ذات الخلفية أو الشبهة الإرهابية بصفة آلية، يلفت تقرير البوصلة إلى أن “ذلك لا يعكس إلا سطوة السلطة التنفيذية على صلاحيات السلطة القضائية واستعمال مجرد الشبهة كشرط لحل الجمعية”، معتبرا أن “هذا الفصل سيكون بمثابة أداة للتهديد والضغط على الجمعيات التي ستحاول ممارسة دورها الرقابي بكل حرية لتصحيح أو نقد بعض السياسات الحكومية”.
وبالتالي، يخلص تقرير البوصلة، كما خلص ممثلو منظمات وجمعيات والناشطين المشاركين في لقاء منظمات المجتمع المدني من أجل الحفاظ على المرسوم 88، إلى أن الهدف من مساعي التنقيح والتغيير “واضح ولا يعني إلا المزيد من إطلاق يد الإدارة لفرض التّضييقات على الجمعيات والمنظمات دون أن تكون هنالك أي خطة واضحة أو مُستحدثة في مقترح هذا القانون لمراقبة التمويل الأجنبي ومنع التهرب حسب السرديات المُهيمنة”.
تهديد للحريّات
في تصريح لأفريقيا برس حول تعديل المرسوم 88، شدّدت أستاذة القانون الدستوري، سلسبيل القليبي، على أن “المرسوم عدد 88 فيه ما يكفي من الآليات لمراقبة نشاط الجمعيات فيما هو محظور عليها وتحديدا مراقبة التمويل الأجنبي”. وأضافت أنه بمقتضى ضوابط وفصول المرسوم 88 تم “حلّ وتعليق عمل أكثر من 200 جمعية”.
وفي اليان الختامي للقاء منظمات المجتمع المدني من أجل الحفاظ على المرسوم 88، أعلنت المنظمات والجمعيات والناشطين المشاركين تمسّكها “بمكتسبات ثورة الحرية والكرامة ومن أهمّها حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وحرية التنظيم ومن ضمنها حرية العمل الجمعياتي التي كرسها المرسوم عدد 88 لسنة 2011 والذي سمح لا فقط بتقنين العمل المدني، بل أيضا، ساهم في تنويعه وجعله ركيزة مستقلة وأساسية لتعزيز الدّيمقراطية والمساواة والبناء التنموي”.
وأشار البيان: “إلى تفاقم استهداف العمل الجمعياتي من طرف السلطة وذلك أساسا عبر شتى أنواع التضييقات على تأسيس الجمعيات ونشاطها وتمويلها، وعبر ملاحقة أعضائها ومحترفيها، وعبر خطاب التخوين واتهام كل مختلف باللاّوطنية وبالعمالة وخدمة أجندات أجنبية، وعبر مساعي تغيير المرسوم 88 في اتجاه وضع قانون تسلطي ينسف حرية المجتمع المدني ويلغي دوره كقوة رقابة واقتراح (…) عبر توظيف عدد من النصوص القانونية وعلى رأسها المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال لضرب حرية التعبير…”.
يعتبر الإطار التشريعي الذي يضبط شروط عمل المجتمع المدني في تونس عاملا مهما في تطور الأنشطة الجمعياتية، لكن في ذات الوقت بقدر ما يكون القانون محفزا على زيادة عدد الجمعيات وتوسيع مجال نشاطها، قد يكون في بعض الحالات أحد أسباب ضبابية هذه الجمعيات وغياب تقييم لفاعليتها الميدانية وتهرّبها من واجبها ودورها ضمن مجتمع المواطنة.
في المقابل، هناك جانب آخر غالبا ما لا يظهر عند الحديث عن الجمعيات ويختفي خلف المرسوم عدد 88 الجامع، وهو أن مجموعة القوانين المحددة لعمل المجتمع المدني لا تقتصر فقط على أبواب وفصول المرسوم 88، بل يمكن اعتبار هذا الأخير هو الإطار القانوني العام والمحدد لطريقة تأسيس وضوابط تمويل وعمل الجمعيات وغيرها ممن يشملهم تعريف المجتمع المدني، فيما تحدد مجموعة قوانين أخرى (داخلية) عمل كل فئة وفق طبيعة خدماتها ومنظوريها ومراجع النظر التي تعود إليها وتتبعها.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





