دعوة لمعاقبة تونس تكشف زيف السردية الحقوقية الأوروبية

دعوة لمعاقبة تونس تكشف زيف السردية الحقوقية الأوروبية
دعوة لمعاقبة تونس تكشف زيف السردية الحقوقية الأوروبية

إلهام اليمامة

أفريقيا برس – تونس. تحت لافتة “الدفاع عن حقوق الإنسان”، توجّهت منظمات أوروبية متوسطية برسالة إلى الاتحاد الأوروبي تدعوه فيها إلى فرض عقوبات مباشرة على تونس، في خطوة تبدو في ظاهرها “حقوقية”، لكنها في باطنها تثير الكثير من الشكوك حول دوافعها الحقيقية؛ فملف حقوق الإنسان في تونس مطروح منذ 25 جويلية 2021، تاريخ إعلان الرئيس قيس سعيّد التدابير الاستثنائية وحل البرلمان والحكومة، ومنذ تلك الفترة تتوالى تقارير وتحذيرات منظمات محلية ودولية دون أن تبلغ حدّ المطالبة بعقوبات مباشرة على النظام التونسي. فلماذا تحركت هذه المنظمات اليوم تحديدا؟

يرى محللون تونسيون، تواصل معهم موقع “أفريقيا برس” أن التوقيت ليس بريئا، خاصة وأن تونس تبنّت في الأشهر الأخيرة مواقف خارجية أكثر حدة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأبدت انحيازا واضحا لصالح القضية الفلسطينية، ورفضا لما تسميه “محاولات التطبيع القسري”، فضلا عن رفضها الاصطفاف في المحاور الغربية ضد العدوان العسكري على إيران. في هذا السياق، قد لا تكون حقوق الإنسان سوى واجهة تُستعمل لمعاقبة تونس على تموقعها الإقليمي الجديد، أكثر منها دفاعا مبدئيا عن القيم الحقوقية كما تدّعي تلك المنظمات.

ويذهب في ذات السياق باسل ترجمان، مؤكدا لـ”أفريقيا برس” على أن “الشارع الأوروبي بدأ يتخلص من سردية الرواية التي كانت تقدمها الصهيونية بأن إسرائيل ضحية وعدة دول أوروبية كانت من قبل داعما قويا لإسرائيل بدأت تراجع حساباتها، من هنا بدأت تتحرّك الآلة الإسرائيلية ضدّ كل ما يهدّد سرديتها”.

في المقابل، يقول منصف الشريقي، أمين عام الحزب الاشتراكي، لـ”أفريقيا برس”: “هي دعوات من منظمات حقوقية وراءها تونسيون وتونسيات لم يجدوا تجاوبا من السلطة القائمة في بلادهم فلجأوا إلى المنتظم الأممي وهو ما يجعل من هذه الشكاوى ذريعة لعديد المنظمات الأوروبية والعالمية للتدخل في الشأن التونسي”.

وكانت عدة منظمات غير حكومية من منطقة البحر المتوسط وجهت رسالة إلى المفوضة الأوروبية الجديدة للشؤون الخارجية، كايا كالاس، دعت فيها الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات مباشرة على الرئيس التونسي قيس سعيّد وعدد من الشخصيات الأمنية والعسكرية من بينهم وزراء حاليون وسابقون بالإضافة إلى قضاة وأعضاء من البرلمان، وحتى أفراد من عائلة الرئيس. كما دعت هذه المنظمات حظر تزويد تونس بمعدات عسكرية وخدمات مالية وتجميد التمويلات الأوروبية لتونس في قضية الهجرة.

وجاء في الرسالة التي تولى نقلها المحاميان وليام بوردون وفنسنت برينغارث، نيابة عن كل من: اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس، وفيدرالية التونسيين من أجل المواطنة على الضفتين، والمركز اللبناني لحقوق الإنسان، ومنظمة “يوروميد رايتس”، أن “وضع حقوق الإنسان في تونس تجاوز الخطوط الحمراء، وأوروبا لا يمكنها الاستمرار في التزام الصمت”.

وردّ الرئيس قيس سعيّد على هذه الرسالة بقوله إن بلاده “تخوض حرب تحرير على جميع الجبهات، مشددا على استقلالية قرارها وسيادتها، ومعتبرا أنّ بعض الأطراف المرتبطة بجهات أجنبية تسعى لتأجيج الأوضاع”. كما أبرز أن “الشعب التونسي واع وسيفشل هذه المحاولات، وأنّ تونس ليست في حاجة إلى شهادة استحسان من أيّ جهة خارجية وليست ضيعة أو بستانا كما يتصوّر ذلك البعض”.

تدخلّ مرفوض

وصفت النائبة في مجلس نواب الشعب فاطمة المسدي هذه الرسالة بأنها “تدخّل سافر ومرفوض في الشأن الداخلي التونسي، ومحاولة ضغط مفضوحة تُمارسها أطراف متحالفة مع أجندات مشبوهة تستهدف استقلالية القرار الوطني التونسي، تحت غطاء حقوق الإنسان”.

وأضافت أن “ما جاء في هذه الرسالة يمثل إهانة لسيادة تونس ورئيس الدولة وكرامة الشعب التونسي ومؤسسات الدولة، ويكشف عن عقلية استعمارية جديدة تستسهل فرض “عقوبات” على الدول التي ترفض الانصياع لأجندات الهجرة غير النظامية أو التدخلات الخارجية”.

ويبدو أن هذا الموقف جمع مختلف الفرقاء في تونس، موالين للنظام ومعارضين له، حيث يشاطر أغلب التونسيين انتقاد فاطمة المسدي “للمعارضين التونسيين و”النشطاء” و”المنظمات” الذين تجرأوا على تأليب الخارج ضد دولتهم”.

من جهته، يشدّد منصف الشريقي، في تصريحاته لـ”أفريقيا برس” على “رفض عقوبات اقتصادية وغيرها على تونس ورئيسها”، معتبرا أن تلك الدعوات بمثابة “تحريض وتدخل في شؤون تونس الداخلية رغم أنها بلد عضو في هذه المنظمات العالمية والأمم المتحدة ومنخرطة فيها وتعلم ضوابطها الداخلية”.

ويضيف الشريقي: “هي مجرد ضغوط على نظام قيس سعيد ولا أرى منفعة ولا مكسبا للشعب حينما يتقدم أي تونسي بشكوى ضد بلده في الخارج، فالأحرى أن نناضل من أجل التغيير من الداخل وفق الضوابط الديمقراطية ويمثل صندوق الاقتراع أكبر مدخل لذلك وهذا يتطلب بناء معارضة ديمقراطية وجمهورية تستند إلى زخم شعبي قادرة على إزاحة النظام ديمقراطيا وليس عبر الالتجاء إلى القوى الأجنبية أو فرض عقوبات على تونس لأن المتضرر الوحيد من ذلك هو الشعب التونسي وليس نظام قيس سعيد”.

ويقول أسامة عويدات، القيادي بحركة الشعب، لـ”أفريقيا برس”: “هذه المنظمات تنتهج سياسة المكيالين فيما يخص ملف حقوق الإنسان، ألا يوجد أغلى من حق الحياة، لماذا يتجاهل هؤلاء الفلسطينيين حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، لماذا يكتفون بالصمت حين ترتكب بحقهم الإبادة والمجازر، هؤلاء أنفسهم يريدون باسم الحريات ضرب السيادات الوطنية للبلدان، هذه مسألة داخلية تونسية ولا أسمح أن تتدخل فيها جهات أجنبية حتى تحدد لنا مربعات التحرك والعقوبات، ليس لديهم الحق التدخل في مسائلنا الداخلية، نحن نختلف مع رئيس الجمهورية، ذاك أمر داخلي، ولا نسمح للأجانب بالتدخل فيها”.

ويضيف عويدات: “المفروض أن تعتذر الدول الأوروبية عن فترات الاستعمار السابقة للدول التي استعمرتها عربيا وأفريقيا، فرنسا يجب أن تعتذر. عن انتهاكها لحقوق الإنسان وسنوات الاستعمار ببلدنا. وهي لا تسقط بالتقادم”.

رهان خاسر

عوض أن تستفيد منها، خصمت هذه الدعوة من رصيد المعارضة التونسية المتآكل أصلا في الشارع التونسي. إذ رأى الكثير من التونسيين أن لجوء بعض الشخصيات المعارضة إلى شركاء أجانب للضغط على الدولة، يُعدّ تجاوزا للخطوط الحمراء وضربا للسيادة الوطنية. بل إن هذه الخطوة، في نظر فئات واسعة من الشعب، تؤكّد الاتهامات التي كثيرا ما وُجّهت للمعارضة بأنها “غير قادرة على تقديم بديل داخلي، فاختارت بدل ذلك بوابة الخارج.”

وقال مراد بن حسين في تدوينة “الرسالة التي خطّها العملاء والمرتزقة إلى مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس، والتي تتضمن اقتراح عقوبات على تونس وعلى قيس سعيّد ومسؤولين آخرين والمؤسسة العسكريّة هي مجرد بداية وبروفة للضغط والهجوم الذي سيبدأ ضد تونس والجزائر في الأشهر القادمة من أجل فرض موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني”.

وفي ذات السياق جاء في تدوينة لنادية قيراط: “عندما تكلمّنا على التمويلات الأجنبية لبعض الأجسام المشبوهة موجودة على التراب التونسي…لم نكن نتكلم من فراغ..اليوم منظمات وأشخاص تدير وفاقا خارج تونس للتحريض عليها.. منظمات تنتمي لأجندات أجنبيّة تحاور نفسها مع الاتحاد الأوروبي في شخص مجموعة لا أحد يعلم عن انتماءاتها شيء….”.

ولم يختلف كل من نضال عثمان وريما بن عامر عما سبق في رفض التدخل في شؤون البلاد، مهما كانت الأسباب.

وفي تعليقه على هذه التدوينات، يقول رياض الشعيبي، القيادي بحركة النهضة، لـ”أفريقيا برس”: “المشكل أن مثل هذه الدعوات تتضرر منها المعارضة في الداخل أكثر مما تستفيد. فالاتحاد الأوروبي لم يفعّل الفصل الثاني من اتفاقية الشراكة مع تونس منذ إبرامها رغم كل التجاوزات التي شهدتها الحريات وحقوق الإنسان مرورا بكل الأنظمة التي تداولت على البلاد منذ 1995. ولأننا لا نتوقع من غير التونسيين الدفاع عن حقوقهم، فإننا لا نتوقع من أية جهة سياسية في العالم أن تقوم بهذا الدور بل على العكس من ذلك، بعض حكومات الاتحاد الأوروبي متورطة في دعم الاستبداد والدكتاتورية أمنيا وسياسيا واقتصاديا”.

من جانبه، يقلل باسل ترجمان من أهمية هذه الدعوة، لافتا إلى أن “الرسائل التي وجهتها المنظمات المتوسطية ليس لها قيمة ووزن في مستوى التعاطي مع الاتحاد الأوروبي وعلاقته مع تونس. هذه الرسائل هي خارج إطار الحديث وممارسة تحاول فيها بعض المنظمات تسجيل بعض المواقف ما أثار حفيظة الشارع التونسي”.

تحريض على تونس

في الوقت الذي يسعى فيه قادة أوروبيون إلى توجيه الرأي العام الدولي نحو ما يجري في غزة من جرائم إسرائيلية موثّقة وموصوفة من جهات أممية بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب، اختارت بعض أطراف المعارضة التونسية في الخارج طريقا مغايرا، موجّهة بوصلتها نحو الداخل التونسي ليس من باب الإصلاح أو النقد، بل من خلال التحريض على فرض عقوبات خارجية على البلاد. خطوة أثارت الاستغراب والتنديد، ليس فقط من قبل الموالين للسلطة، بل حتى من معارضين في الداخل اعتبروا أن القضية الفلسطينية تستدعي توحيد المواقف، لا استدعاء الوصاية الأجنبية على تونس بذريعة حقوق الإنسان.

لذلك الرسالة التي وجّهتها المنظمات “المحرضة” على العقوبات أتت بنتائج عكسية لما سعت إليه. فبدل أن تُحدث ضغطا دوليا على السلطة السياسية، ساهمت في توحيد صفوف التونسيين، سواء من الموالين أو من المعارضين، ضدّ أي تدخل خارجي في شؤون بلادهم. وقد أجمع كثيرون على أن الخلافات الداخلية، مهما بلغت حدّتها، لا تبرّر الاستقواء بالخارج، ولا تسوّغ استدعاء العقوبات الأجنبية على وطنهم. وهكذا تحوّلت الرسالة إلى نقطة التقاء نادرة بين أطراف سياسية ومجتمعية كانت حتى الأمس القريب متصارعة، لكنها اليوم وجدت نفسها، ولو مؤقتا، موحّدة في وجه ما اعتبرته “تهديدا للسيادة الوطنية” وثمنا “تفتخر تونس بدفعه لدعم القضية الفلسطينية”.

قائمة بالجمعيات والمنظمات التي دعت إلى تسليط عقوبات اقتصادية على تونس هي:

– اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT)

– الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (LTDH)

– المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)

– الاتحاد التونسي للمواطنة ذي الضفتين (FTCR)

– الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات (ATFD)

– المجلس الوطني للحريات في تونس (CNLT)

تمويلاتها حسب وسائل إعلام محلية:

1- المفوضية الأوروبية: من أهم الممولين الرئيسيين خاصة في مجال دعم الحريات والحوكمة.

2- الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (Sida): تمويل طويل الأجل يشمل برامج في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

3- برنامج الشراكة الدنماركية العربية (DANIDA): يدعم منظمات المجتمع المدني في تونس والمغرب ومصر والأردن.

4- وزارة الخارجية النرويجية: تمويل موجه للحقوق والحريات في بلدان جنوب المتوسط.

5- الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC): دعم لمشاريع تهتم بالهجرة والتنمية المجتمعية.

6- منظمة جورج سوروس (Open Society Foundations): تمويل مشاريع تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة.

7- مؤسسة فرنسا (Fondation de France): تمويل لمشاريع محلية ترتبط بالتضامن والحوار المدني.

8- كنيسة السويد (Church of Sweden): مساهمات مالية لدعم الأنشطة التشغيلية والدفاعية.

9- مؤسسة هاينرش بول (Heinrich Böll Stiftung – ألمانيا ) تمويل خاص بمشاريع الهجرة والمناخ والنساء.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here