آلان جونيون: غزة اليوم رمز للإبادة المنهجية الحديثة

16
آلان جونيون: غزة اليوم رمز للإبادة المنهجية الحديثة
آلان جونيون: غزة اليوم رمز للإبادة المنهجية الحديثة

حذامي خريف

أفريقيا برس – تونس. يتبع الفيلسوف والكاتب الفرنسي آلان جونيون (Alain Jugnon) موجة الرفض الصاعدة في فرنسا ضد الحرب في غزة. ويقول في حوار مع “أفريقيا برس” إن “هناك في غزة والضفة الغربية سياسة إبادة جماعية تنفذها دولة إسرائيل اليهودية”.

وضمّن آلان جونيون أفكاره في “غزّة-أوشفيتز وما بعده” الذي يأتي كصوت نقدي قوي وجريء. من خلال هذا العمل، الذي صدر في تونس، يقدم جونيون قراءة فلسفية وسياسية للأزمة الفلسطينية، مستندا إلى تجربة فكرية طويلة في الفلسفة السياسية اليسارية والفكر النقدي المستوحى من ثورة مايو 1968.

في هذا الحوار، نناقش مع الكاتب رؤيته حول مقارنة غزة بأوشفيتز(*)، ودوره كمفكر يساري في مواجهة السياسات الإسرائيلية وتسليط الضوء على أوجه التشابه في الإقصاء المنهجي والضغط القاتل على أهالي غزة.

كتابك الجديد “غزة أوشفيتز وما بعدها” يتناول الحرب الدائرة في غزة من زاوية قوية وجريئة. ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب الآن، وما الرسالة الأساسية التي تريد إيصالها إلى القراء؟

أنا فيلسوف فرنسي، أنشر منذ أكثر من عشرين عاما مقالات في الفلسفة السياسية ذات التوجه اليساري، مستوحاة مما يُعرف بـ”فكر 1968″ (كتابات المثقفين والمفكرين الذين انبثقوا عن ثورة مايو 1968 في فرنسا).

قادتني دراستي الجامعية في سبعينات القرن الماضي إلى أفكار جيل دولوز، وقد سمح لي موقفه المؤيد للقضية الفلسطينية آنذاك بتطوير فلسفة نيتشية وماركسية، بالإضافة إلى نقد الرأسمالية. اليوم، تُلزمني الإبادة الجماعية للفلسطينيين على يد إسرائيل، بقوة وإقناع، بإدانة سياسات الإبادة الجماعية التي تنتهجها الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل.

وهذا هو النص القصير الذي نشرته على فيسبوك عقب مذبحة صحفيي الجزيرة على يد الإسرائيليين في غزة، 10 أغسطس 2025:

“لقد تجاوزنا الآن نقطة اللاعودة مع النازية الإسرائيلية. نحن نواجه النهاية المُحققة لبشرية عصر التنوير. ليس المناخ هو الذي سيقضي علينا.

إن الكتاب المقدس اليهودي المسيحي والرأسمالية الغربية هما اللذان يُبيداننا بإرادتهما الإلهية وكراهيتهما لي، أي للآخر”.

رسالتي إذن سياسية وفلسفية، مُناهضة لحروب الغرب غير المشروعة، ودفاعا واضحا عن الثورات العربية حول العالم.

كيف تفسر المجازر الأخيرة في غزة في السياق الأوسع للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟

أعتقد أن هناك في غزة والضفة الغربية سياسة إبادة جماعية تنفذها دولة إسرائيل اليهودية (أتحدث بكلمات جيل دولوز عن تحول “الدولة” اليهودية إلى النازية) والتي هي جزء من النهج الديني الأصولي والمسيحي من جانب الثيوقراطية الإسرائيلية (بدعم ووسائل عسكرية من الثيوقراطية الأمريكية) وفي مشروع تشكيل إمبراطورية جديدة، وفقا للأسطورة الأصلية لإعادة احتلال “يهودا”: بفضل استعمار الأراضي وإبادة المسلمين في الشرق الأوسط.

كيف تنظر إلى تطور الدعم الشعبي في فرنسا لغزة والقضية الفلسطينية، خاصة بعد الأحداث الأخيرة؟

فرنسا ماكرون تُنمّي الإسلاموفوبيا وكراهية الآخر تجاه المواطن العربي والمسلم، وهذا يُذكّرني بحرب الجزائر. اليسار الفرنسي نفسه (أُعرّف نفسي كفيلسوف فرنسي يساري) – باستثناء الخطاب الأخلاقي والسياسي لجان لوك ميلينشون – يُساهم في انتشار الإسلاموفوبيا، والذي تُغذّيه وسائل الإعلام الفرنسية. في كتاباتي، أقف في معارضة واضحة وصريحة لهذه الثقافة العنصرية والكارهة للأجانب في فرنسا، والتي، برأيي، بدأت تتغلغل في بلدي منذ انتخاب نيكولا ساركوزي عام 2007.

كتابك يقارن بشكل قوي بين غزة وأوشفيتز. هل يمكنك توضيح هذا الاختيار وردود الفعل التي أثارها هذا التشبيه؟

كتابي “غزّة-أوشفيتز وما بعده” يمثّل بقضية فلسطين، وقد اخترت أن ينشر في تونس لأن كلامي ومنشوراتي بشكل عام إما خاضعة للرقابة، أو غير مرئية، أو أو تُحتقر من قِبل الأوساط الأدبية والثقافية والسياسية في فرنسا.

“كتاب غزّة-أوشفيتز وما بعده” لا يسعى فقط إلى إثارة الجدل، بل إلى تحريك ضمير القراء وتشجيع المجتمع الدولي على مواجهة الانتهاكات الإنسانية. في زمن تتصاعد فيه الحروب وتتفاقم السياسات القمعية، يقدم هذا الكتاب دعوة للتفكير النقدي والمقاومة الفكرية، دفاعا عن الإنسانية وحقوق الشعوب المستضعفة، خصوصا في فلسطين.

————————-

(*) أوشفيتز (Auschwitz) هو اسم أكبر معسكر اعتقال وإبادة نازي أقيم خلال الحرب العالمية الثانية في مدينة أوسفيتسيم (Oświęcim) بجنوب بولندا التي كانت آنذاك تحت الاحتلال الألماني. المعسكر أُنشئ سنة 1940، وتحول لاحقًا إلى مجمع ضخم يضم معسكرات فرعية. استخدمه النازيون لسجن اليهود، والغجر، وأسرى الحرب، والمقاومين السياسيين. يُعدّ رمز للإعدام الجماعي، العمل القسري، والتجارب الطبية. أصبح أوشفيتز اليوم موقعًا تذكاريًا ومتحفًا عالميًا يخلّد ذكرى ضحايا النازية.

لكن اسم “أوشفيتز” لم يعد مجرد إشارة إلى مكان جغرافي في بولندا، بل أصبح في الذاكرة التاريخية والسياسية رمزًا عالميًا للإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. لذلك، يُستعمل في الخطاب الثقافي والسياسي كمجاز أو استعارة للتعبير عن:

1. أقصى درجات العنف والوحشية: عندما تُستخدم كلمة “أوشفيتز” فالمقصود هو القتل الممنهج، والإبادة الجماعية، وسلب إنسانية البشر.

2. تجسيد لظلم الدولة أو النظام الشمولي: يُستعمل للتنديد بممارسات قمعية يُنظر إليها كامتداد لفكر الإبادة.

3. مجاز للمجازر أو الحصار القاتل: في بعض الخطابات (أدبية، فلسفية أو سياسية) يُقارَن وضع معيّن ـ مثل المجاعات، الحروب، أو المجازر ـ بأوشفيتز للدلالة على أن ما يحدث ليس مجرد “صراع عسكري” بل جريمة وجودية تهدف إلى إلغاء جماعة بشرية بأكملها.

على سبيل المثال، في الأدب والفلسفة، حين يشبّه مفكر وضعًا إنسانيًا بـ”أوشفيتز”، فهو يقصد أن الناس هناك يعيشون أوضاع إبادة بطيئة، أو ظروفًا تجعل حياتهم بلا قيمة في نظر المعتدي.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here