هل تتجه تونس لإذابة الجليد مع شرق ليبيا

8
هل تتجه تونس لإذابة الجليد مع شرق ليبيا
هل تتجه تونس لإذابة الجليد مع شرق ليبيا

آمنة جبران

أفريقيا برس – تونس. دفع إعادة فتح القنصلية التونسية في مدينة بنغازي شرق ليبيا المتابعين والمحللين إلى التساؤل عن دوافع هذه الخطوة، وما إذا كانت تحمل أبعاداً سياسية من خلال مساعي الحكومة التونسية إذابة الجليد مع حكومة الشرق برئاسة المشير خليفة حفتر وتمهيداً لتقارب أكبر معها، أم أنها مجرد إجراء روتيني هدفه تسهيل الخدمات للجالية التونسية في ليبيا.

وأعلنت وزارة الخارجية التونسية في الآونة الأخيرة إعادة فتح القنصلية التونسية في مدينة بنغازي، على أن تتولى البعثة تقديم خدماتها للتونسيين المقيمين في مدن مثل بنغازي والجبل الأخضر ودرنة وطبرق وأجدابيا والبريقة والكفرة وغيرها.

ويأتي إعادة فتح القنصلية بعد أكثر من عشر سنوات من إغلاقها عام 2014 بسبب التوترات الأمنية، حيث ألقى مسلحون قذيفة ألحقت أضراراً بالسور الخارجي للمبنى.

ويرى المحللون أن إعادة فتح القنصلية في بنغازي خطوة تتجاوز مجرد تقديم الخدمات للجالية التونسية، وتهدف إلى تعزيز العلاقات مع المنطقة الشرقية، وهو ما يؤشر إلى رغبة تونس في لعب دور أكبر في الملف الليبي من خلال الموازنة بين الأطراف الليبية المنقسمة والسعي لتقريب وجهات النظر والمضي قدماً في جهود المصالحة الشاملة وإنجاح الحوار الوطني.

ويؤكد هؤلاء أن تونس تسعى إلى الموازنة في علاقاتها مع الأطراف الليبية، وهو ما عكسه إعادة افتتاح القنصلية في بنغازي، ثم استقبال الرئيس قيس سعيّد في خطوة لاحقة لمحمد يونس المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي الذي أدى زيارة عمل إلى تونس بداية الأسبوع الجاري.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي صهيب المزريقي في حديثه مع “أفريقيا برس”: إن “إعادة فتح القنصلية ليست خطوة روتينية عادية، بل تعكس تحركاً دبلوماسياً مدروساً نحو التوازن في العلاقات مع الشرق والغرب الليبي، وربما تمهيداً لدور أكبر لتونس في الملف الليبي، أو على الأقل لضمان مصالحها وسط مشهد معقد متمثلاً بالأساس في ثلاثة أبعاد محورية: أمني يتعلق بمتابعة أوضاع التونسيين في الشرق الليبي والتعاون في ملف مكافحة الإرهاب والتهريب، واقتصادي يتعلق بتعزيز العلاقات التجارية، خصوصاً أن هناك فرصاً لإعادة الإعمار في بنغازي والمنطقة الشرقية”.

ويرى أن “الدوافع السياسية لهذه الخطوة تتمثل في إرسال رسالة مفادها أن تونس منفتحة على جميع الأطراف الليبية ولا تنحاز لأي جهة، مما قد يعزز دورها كوسيط إقليمي”.

ويوشر فتح تونس لقنصلية في بنغازي إلى أن تونس تحافظ على دورها الحيادي ومبادئها الدبلوماسية، ذلك أن ليبيا تعيش منذ سنوات انقساماً سياسياً وأمنياً بين حكومتين: واحدة في الغرب (حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها) بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى في المنطقة الشرقية (الحكومة الموازية) مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد المدعوم أمنياً من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتدرك تونس أن الوضع في ليبيا ما زال غامضاً في انتظار ما ستسفر عنه خارطة الطريق الجديدة، وهي مبادرة سياسية تقودها المبعوثة الأممية في ليبيا حنا تيتيه.

كما يلاحظ المتابعون أن عدة بلدان فتحت في الفترة الأخيرة سفارات في بنغازي على غرار روسيا، وهو ما يندرج في إطار التموقع الإقليمي والدولي، خصوصاً في ليبيا التي أضحت ساحة للصراع بالوكالة بين القوى الغربية، فيما تريد تونس أن تلعب دوراً مؤثراً لتؤكد أنها فاعل رئيسي في استقرار المنطقة المغاربية.

كما تبعث إعادة فتح القنصلية التونسية في بنغازي برسالة مفادها أن المنطقة الشرقية استعادت استقرارها وأمنها، وهو ما يزيد من فرص الحوار والتسوية السياسية بالبلاد.

ويرى المحلل السياسي منذر ثابت في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “افتتاح قنصلية في بنغازي إجراء بيروقراطي عادي في الأوقات العادية، لكنه الآن يكتسي صبغة سياسية باتجاه إذابة الجليد نحو شرق ليبيا برئاسة المشير خليفة حفتر، وبالتالي المسألة تكتسي صبغة سياسية في ظل انقسام ليبيا”.

ويضيف: “كأن الانقسام أصبح مزمناً وبمثابة العقبة أمام استعادة ليبيا لوحدتها”.

وفي تقديره “يصعب عملياً الحديث عن إمكانية توحيد ليبيا في الآجال القريبة، وبالتالي فإن تونس من المفروض أن تبقى على نفس المسافة من مختلف الأطراف. وهي إلى حد الآن كانت كذلك، إذ لم تكن مناصرة لطرف على آخر ولم تتورط في النزاعات الليبية. وبالتالي أعتقد أن تدشين هذه القنصلية سيكون إشارة هامة وقوية لانخراط تونس في ديناميكية الوساطة والحوار الليبي – الليبي”.

ويلاحظ المتابعون أن علاقات ومصالح تونس مع ليبيا تركزت تاريخياً على الجزء الغربي القريب منها، على عكس المنطقة الشرقية الأبعد جغرافياً، حيث العلاقات أقوى مع الغرب اقتصادياً وأمنياً. ورغم تعاقب الحكومات منذ ثورة يناير 2011، فإن سياسة تونس لم تتغير تجاه ليبيا، إذ تؤكد الدبلوماسية التونسية في ظل استمرار الانقسام والصراع أنها تختار سياسة الحياد والنأي بنفسها عن الخلافات الداخلية.

ويلفت النائب علي زغدود في حديثه مع “أفريقيا برس” إلى أن “لتونس تواصلاً دبلوماسياً مع حكومة الشرق، حيث حافظت الدبلوماسية التونسية على دور ثنائي، وعززت علاقاتها مع الغرب والشرق دون تدخل في الشأن الداخلي الليبي، وهذا يعتبر مساراً جيداً”، وفق تعبيره.

وعلى الرغم من أهمية الخطوة سياسياً ودبلوماسياً، تذهب آراء أخرى إلى أن إعادة فتح القنصلية التونسية ببنغازي هدفها بالأساس تسهيل الخدمات للجالية التونسية بالمدينة، حيث أثّر إغلاقها بشكل كبير على آلاف التونسيين المقيمين في المنطقة الشرقية، الذين اضطروا للتنقل لمسافات طويلة إلى تونس أو إلى مناطق أخرى أقل خطورة للحصول على الخدمات القنصلية الضرورية.

ويبين مصطفى عبد الكبير، رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، في حديثه مع “أفريقيا برس”، أن “التقاليد العرفية للسلطات التونسية في اتجاه ليبيا دائماً ذات منحى دبلوماسي، أي أنه مهما حصل من تغيرات منذ سنة 2011، بقيت تونس محافظة على نمط وطريقة عمل دبلوماسية، فالسفارة التونسية مقرها العاصمة طرابلس بالغرب، إلى جانب وجود قنصلية عامة ببنغازي في الشرق”.

وتابع: “بعد 2013 والأحداث التي وقعت في منطقة الشرق، حيث واجه الجيش الليبي التنظيمات الإرهابية، أصبحت المنطقة ساحة صراع حقيقي، مما أجبر السلطات التونسية على إغلاق قنصليتها في بنغازي، وهو ما أثّر على الخدمات الموجهة للجالية التونسية هناك. ثم اتخذت السلطات التونسية قرار فتح مكتب إداري صغير في بنغازي يعمل دون وجود قنصل عام، يقتصر على بعض الوثائق الضرورية للتونسيين، ثم قررت الخارجية التونسية إعادة فتح القنصلية ببنغازي، وهذا يعتبر خطوة مهمة لتوسيع الخدمات”.

واستنتج بالقول: “برأيي، هو خيار فرضته ظروف الجالية التونسية، حيث لدى تونس عمالة في المنطقة الشرقية بمجالات متنوعة، وهو السبب الرئيسي لقرار فتح القنصلية”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here