التعريض بالعلاقات التونسية الجزائرية يرقى إلى الخيانة

التعريض بالعلاقات التونسية الجزائرية يرقى إلى الخيانة
التعريض بالعلاقات التونسية الجزائرية يرقى إلى الخيانة

أفريقيا برس – تونس. برز رئيس “حركة الشعب” التونسية زهير المغزاوي، هذه الأيام، بتصريحاته النارية التي انتقدت بشدة بعض الأصوات المغرضة التي استهدفت ضرب العلاقات الجزائرية التونسية، معتبرا أن ذلك الجدل “لا يفهم إلا في إطار مسعى واضح لمعاول تهدف إلى هدم العلاقات الثنائية”.

وحرصا من “الشروق” على تسليط الضوء على ما يحدث في الجارة الشرقية تونس، هذه الأيام، من تطاول على الجزائر، خدمة لأجندات مشبوهة، تواصلت مع زهير المغزاوي، حيث وجهت له بعض الأسئلة حول خلفية هذه الحملة المضللة، والجهات التي تقف خلفها..

كيف تقيّمون أهمية العلاقات الجزائرية-التونسية في ظل التوترات السياسية الإقليمية الراهنة؟

العلاقات التونسية الجزائرية كانت على امتداد تاريخ البلدين متينة وأساسية وضامنة لأمنهما معا. ما يجمع البلدين في الحقيقة ليس مجرد الجوار الجغرافي، بل كذلك روابط الانتماء القومي بكل مقوماته. اللغة والثقافة والعقيدة وأيضا المصير المشترك. على امتداد التاريخ كان أي تهديد أو مساس بأمن الجزائر هو مساس بأمن تونس وتهديد لاستقلالها واستقرارها، والعكس صحيح.

هذا ما حدث إبان توسع الإمبراطورية العثمانية ثم الغزو الاسباني للسواحل الجنوبية للمتوسط. وفي الأخير جاء الاستعمار الفرنسي ليحكم قبضته على الجزائر تمهيدا للتمدد نحو تونس وإلحاقها بمستعمراته، لذلك لم يكن ممكنا عبر التاريخ تصور استقلال وسيادة وأمن إحداهما من دون الأخرى.

اليوم يتخذ الأمر شكلا أكثر إلحاحا وضرورة. فالبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالبلدين تبدو في أفضل الحالات غير ودية. مخاطر عدم الاستقرار في ليبيا تهدد أمن البلدين، كذلك الجماعات الارهابية الموزعة على جنوب الصحراء الكبرى، فضلا عن موجات الهجرة غير النظامية التي ترعاها جهات وأطراف معادية للبلدين.

كل هذه التهديدات تضاف إلى كلفة الخيارات السياسية التي تتبناها حكومتا البلدين، سواء فيما يخص العلاقة بالجار الأوروبي وخاصة فرنسا التي لاتزال تتوهم أن تونس والجزائر هما الحديقة الخلفية لها والمجال الحيوي لمصالحها ومصدر الثروات التي تبني عليها اقتصادها ورفاهية مواطنيها.

في مقابل إصرار البلدين على تكريس استقلالهما وسيادتهما الكاملة وحقهما الطبيعي في بناء سياساتهما وفق ما يخدم مصالحهما الوطنية لا وفق ما يستجيب لأوهام فرنسا ومصالحها.

أو فيما يتعلق بخيارات البلدين في خصوص القضايا الكبرى التي تهم الوطن العربي وفي مقدمتها دعم المقاومة الفلسطينية ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني والهرولة للاحتماء بالمظلة الأمريكية التي تقدم نفسها اليوم على أنها المتحكم الوحيد في رسم ملامح السياسة الدولية.

إذا كان هدف تونس والجزائر هو الحفاظ على استقلالهما وتأمين حدودهما الجنوبية، خاصة ضد مخاطر الإرهاب والهجرة غير النظامية والتمسك بخيارهما في رفض التطبيع والتصدي لكل أشكال الهيمنة الإقليمية والدولية، فلا بديل لديهما عن تمتين وتعميق العلاقات الأخوية والوقوف بصرامة في وجه كل محاولات زرع الفتنة بينهما.

لماذا تعارضون توظيف الجدل السياسي الداخلي أو الخارجي في المساس بالعلاقات بين تونس والجزائر؟

أرى انه من أولويات حماية الأمن القومي لأي بلد أن لا تكون خياراته الاستراتيجية موضوع جدل وتداول عمومي في سياق معارضة بعض الأطراف السياسية في أحد البلدين لحكومته في إطار خلاف حول بعض القضايا والشؤون الداخلية.

يهمني في هذا السياق التأكيد على أن التعريض بالعلاقات التونسية الجزائرية وترويج الشائعات المغرضة والتشكيك في نوايا الحكومتين عندما تعملان على تعميق التعاون بينهما لمواجهة المخاطر المشتركة أو تحقيق الأهداف التي تخدم أمن ورفاهية الشعبين، من طرف بعض الجهات المحسوبة على المعارضة في تونس، لا يصب إلا في مصلحة القوى الإقليمية والدولية المعادية. وهو أمر يرقى، في تقديري إلى مستوى الخيانة الوطنية العظمى.

يعني أن الخلافات السياسية الظرفية لا يمكن أن تبرر الإضرار بعلاقات تاريخية واستراتيجية بين البلدين؟

طبعا، هذا الأمر مرفوض جملة وتفصيلا. فمهما بلغت حدة الخلافات السياسية الداخلية بين الحكم والمعارضة فهي لا تبرر المساس بما هو استراتيجي، أي بأمن واستمرارية وعمق العلاقة بين البلدين.. في الحالة التونسية الجزائرية يجب أن يتذكر الجميع، خاصة أولئك الذين يقدمون أنفسهم زورا للرأي العام المحلي والخارجي على أنهم معارضة جذرية للسلطة القائمة في تونس اليوم، أن الجزائر ظلت على الدوام خير سند وظهير لمن يحكم في تونس بغض النظر عن هويته السياسية.

وأوضح دليل على ذلك، ما تمتعت به كل الحكومات التي تعاقبت على تونس خاصة في مرحلة ما بعد الثورة من دعم وإسناد جزائري على المستوى الأمني والاقتصادي والدبلوماسي، رغم أن هناك أطرافا هيمنت على المشهد السياسي والحكومي التونسي خلال السنوات الماضية، لم يكن موقفها من الجزائر ايجابيا، حتى لا نستعمل توصيفات أخرى، ومع ذلك ظلت السياسة الجزائرية تجاه تونس محكومة بنفس الرؤية المبدئية والإستراتيجية.

كيف يمكن الفصل، برأيكم، بين النقد السياسي المشروع والحملات التي تستهدف عمداً العلاقات الجزائرية-التونسية؟

استهداف العلاقات التونسية الجزائرية لا يدخل ضمن خانة النقد السياسي المشروع، لأنه يشكل تهديدا عميقا لأمن تونس وهو يصب بالضرورة في مصلحة أعداء البلدين إقليميا ودوليا. هذان الأمران يقعان على طرفي نقيض، والفرق بينهما هو تماما كالفرق بين المعارضة الوطنية التي تحرص على تطوير أوضاع وطنها من دون المساس بمقومات أمنه القومي، والعملاء الذين لا يرون بأسا في تسليم أوطانهم للعدو خدمة لأجندات سياسية وحزبية…

ما دور النخب السياسية والإعلامية في منع تأجيج الخلافات المصطنعة بين الشعبين؟

النخب السياسية الوطنية والإعلام النزيه هم المؤتمنون حقا على حماية أمن البلدين ولعب الدور الحاسم في منع تأجيج نار الفتنة بين الحكومتين والشعبين.

الشعبان التونسي والجزائري ليسا مجرد جارين. ما يربط بينهما يرقى إلى مستوى الروابط الدموية التي صنعت تاريخا مشتركا وتصنع اليوم مصيرا موحدا. لذلك فكل مساس بهذه الروابط أو لعب على وتيرة النعرات الشعبوية إنما هو تهديد مباشر لأمن واستقرار الشعبين، لن يستفيد منه سوى المتربصين بنا من جماعات إرهابية وقوى إقليمية ودولية معادية.

هل تعتقدون أن هناك أطرافًا تستفيد من توتير العلاقات بين تونس والجزائر؟ وكيف يمكن إفشال هذا المسعى؟

طبعا، هناك أطراف مستفيدة من توتير العلاقة بين البلدين وتعمل دائما على صب الزيت على نار الإشكالات أو الاختلافات البسيطة التي تظهر بين الحين والآخر. هناك أولا الجماعات الإرهابية الكامنة داخل البلدين أو المستوطنة في جوارهما والتي تتحين الفرصة دائما للانقضاض وتنفيذ عملياتها الإجرامية.

وثانيا هناك القوى الإقليمية والدولية الطامعة في ثروات البلدين وموقعهما الاستراتيجي والتي لا تتحقق أهدافها إلا بتوتير العلاقات بين البلدين وتفكيك أواصر الوحدة والتضامن بينهما.

السبيل الوحيد لإفشال هذه المساعي هو مزيد من تمتين العلاقة وتوسيع مجالات التنسيق والتعاون بين الحكومتين، خاصة في المناطق الحدودية، بما يكشف أمام الشعبين أهمية هذه العلاقات ودورها في توفير ظروف الحياة الكريمة والرفاهية والأمن لكلا الشعبين.

ما الرسالة التي تودون توجيهها للتونسيين والجزائريين لصيانة علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل؟

الرسالة التي أود توجيهها هي ضرورة اليقظة والحذر في مواجهة هذه الأجندات المعادية. ومزيد تعميق العلاقات في كنف الشفافية وإشراك قطاعات أوسع من السياسيين والأكاديميين والمثقفين والفنانين والرياضيين ورجال المال والأعمال في تمتين هذه العلاقات لقطع الطريق في وجه كل من تسول له نفسه تزييف الحقائق واختلاق الأكاذيب خدمة لمصالح حزبية أو تأليبا لقوى معادية للبلدين.

المصدر: الشروق

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here