ماجد البرهومي
أفريقيا برس – تونس. يعيش الاقتصاد التونسي منذ أكثر من عقد حالة من الانسداد البنيوي العميق، لم تعد مظاهره تقتصر على مؤشرات رقمية سلبية أو اختلالات ظرفية قابلة للاحتواء، بل تحوّل إلى أزمة شاملة تمسّ أسس النموذج التنموي نفسه، وتنعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالأزمة الاقتصادية في تونس لم تعد أزمة نمو فحسب، بل أزمة قدرة الدولة على إدارة الموارد، وأزمة ثقة بين الفاعلين، وأزمة خيارات عمومية تراكمت عبر سنوات بدون مراجعة جذرية.
دخل الاقتصاد التونسي منذ سنة 2011 مرحلة نمو ضعيف ومضطرب، حيث لم يتجاوز متوسط النمو السنوي في أفضل حالاته 2 في المئة، في حين سجّل في عديد السنوات نسبًا قريبة من الصفر أو سلبية. ففي الفترة الممتدة بين 2011 و2020، بلغ متوسط النمو أقل من 1.3 في المئة، وهو مستوى غير كافٍ إطلاقًا لاستيعاب الطلب الاجتماعي المتزايد على الشغل والخدمات. وتفاقم هذا الضعف مع جائحة كوفيد 19، التي أدّت إلى انكماش اقتصادي حاد سنة 2020، ثم تلتها مرحلة تعافٍ بطيء وغير متوازن. وفي 2023، لم يتجاوز النمو حدود 0.4 في المئة، بينما تراوح في 2024 بين 0.6 في المئة و1.4 في المئة وفق اختلاف التقديرات، وهي أرقام تكرّس حالة الركود الطويل.
ويكشف تحليل بنية هذا النمو المحدود أنه يعتمد أساسًا على عوامل ظرفية، مثل تحسّن موسمي في الإنتاج الفلاحي أو انتعاش نسبي في السياحة، من دون أن يكون نتيجة توسّع هيكلي في الاستثمار أو تحسّن في الإنتاجية. فالقطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل الصناعة التحويلية المتقدمة والتكنولوجيا، لم تنجح في لعب دور القاطرة، فيما ظلّ الاقتصاد يعتمد على قطاعات هشة وسريعة التأثر بالصدمات الخارجية. هذا النمط من النمو غير المتوازن يفسّر عجزه عن خلق فرص شغل كافية، ويجعل أي تحسن مؤقت عرضة للانكفاء السريع.
وتُعدّ البطالة من أبرز المؤشرات التي تعكس عمق الأزمة الاقتصادية، إذ ظلّ معدل البطالة في تونس مرتفعًا بشكل مزمن، رغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية. فقد بلغ المعدل العام للبطالة حوالي 16 في المئة في 2024، مع تسجيل نسب أعلى بكثير في صفوف الشباب، حيث تجاوزت 40 في المئة، وفي صفوف حاملي الشهادات العليا، حيث فاقت 23 في المئة. ويكشف هذا الواقع عن خلل هيكلي في العلاقة بين منظومة التعليم وسوق العمل، إذ أنتجت الدولة أعدادًا كبيرة من الخريجين من دون أن يواكب الاقتصاد هذا العرض بفرص تشغيل حقيقية. كما تعاني النساء من نسب بطالة أعلى من الرجال، وهو ما يبرز استمرار الفجوة الجندرية في المشاركة الاقتصادية.
ولا تتوقف آثار البطالة عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى تداعيات اجتماعية عميقة، من بينها ارتفاع نسب الفقر، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتصاعد موجات الهجرة، خاصة في صفوف الشباب. فقد أصبحت الهجرة، النظامية وغير النظامية، خيارًا شبه جماعي لفئات واسعة من التونسيين، في ظل انسداد الأفق الاقتصادي وتراجع الثقة في المستقبل. ويشكّل هذا النزيف البشري خسارة مزدوجة، إذ تفقد البلاد جزءًا من رأسمالها البشري الذي استثمرت فيه عبر التعليم والتكوين.
وفي موازاة أزمة النمو والبطالة، يواجه الاقتصاد التونسي ضغوطًا كبيرة على مستوى الأسعار، حيث عرف التضخم ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ما أدّى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين. فقد تجاوز معدل التضخم في بعض الفترات 9 في المئة، قبل أن يتراجع نسبيًا إلى حدود 7 في المئة في 2024، ثم إلى قرابة 5 في المئة في 2025. غير أن هذا التراجع لا يعكس تحسنًا فعليًا في مستوى العيش، بل يرتبط أساسًا بتراجع الطلب الداخلي نتيجة إنهاك الأسر وتقلّص استهلاكها. وتركزت الزيادات في الأسعار في المواد الغذائية والطاقة والنقل، وهي مكونات أساسية في سلة استهلاك الفئات المتوسطة والضعيفة.
وتُظهر بيانات الاستهلاك أن جزءًا متزايدًا من دخل الأسر يُوجَّه لتغطية الحاجيات الأساسية، على حساب التعليم والصحة والثقافة، ما يهدّد بتآكل الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا عنصر توازن في المجتمع التونسي. كما أدّى التضخم إلى زيادة التوترات الاجتماعية، وارتفاع وتيرة الاحتجاجات المرتبطة بغلاء المعيشة ونقص المواد الأساسية، وهو ما يضع الدولة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على التوازنات المالية والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
ارتفاع الدين العمومي
تبرز أزمة المالية العمومية كأحد أخطر مكونات الوضع الاقتصادي، إذ تعاني الدولة التونسية من اختلالات هيكلية في ميزانيتها، نتيجة ارتفاع النفقات الجارية وضعف الموارد الذاتية. فقد ارتفع الدين العمومي إلى حوالي 83 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، بعد أن كان في حدود 40 في المئة قبل 2011، مع توقعات ببلوغه مستويات أعلى في حال استمرار نفس السياسات. ويشكّل هذا الدين عبئًا متزايدًا على الميزانية، حيث تلتهم خدمة الدين جزءًا هامًا من الموارد، على حساب الاستثمار العمومي والإنفاق الاجتماعي.
كما تُعدّ كتلة الأجور في الوظيفة العمومية من أعلى النسب عالميًا، إذ تجاوزت 14 في المئة من الناتج المحلي، وهو ما يعكس اعتماد الدولة المفرط على التشغيل العمومي كآلية لامتصاص البطالة وشراء السلم الاجتماعي. غير أن هذا الخيار، وإن كان مفهومًا في سياق اجتماعي هش، أصبح غير قابل للاستدامة، خاصة في ظل ضعف الإنتاجية وتراجع الموارد. وأدّى هذا الوضع إلى تقليص هامش المناورة أمام الدولة، وجعلها عاجزة عن الاستثمار في البنية التحتية أو القطاعات المنتجة.
ويزيد من تعقيد الوضع اعتماد الدولة المتزايد على التمويل الداخلي، حيث ارتفعت حصة الدين الداخلي إلى أكثر من نصف إجمالي الدين، ما خلق ضغطًا كبيرًا على القطاع البنكي، وقلّص قدرته على تمويل الاستثمار الخاص. كما أدّى هذا التوجه إلى ما يُعرف بتأثير المزاحمة، حيث تنافس الدولة القطاع الخاص على الموارد المالية المتاحة، ما يحدّ من ديناميكية الاقتصاد.
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية الخارجية، يواصل الميزان التجاري تسجيل عجز هيكلي، بلغ حوالي 7.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، نتيجة ضعف الصادرات وارتفاع الواردات، خاصة من الطاقة والمواد الغذائية. ويعكس هذا العجز محدودية القاعدة التصديرية للاقتصاد التونسي، واعتماده الكبير على الخارج لتلبية حاجياته الأساسية. كما يفرض ضغوطًا مستمرة على احتياطي العملة الصعبة، الذي يبقى هشًا، ويجعل البلاد عرضة لمخاطر تمويلية في حال تعثّر بعض التدفقات المالية.
أما الاستثمار، فيبقى الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية، إذ تراجعت نسبته إلى أقل من 15 في المئة من الناتج المحلي، وهي نسبة غير كافية لتحقيق نمو مستدام. فالاستثمار العمومي يعاني من ضعف الموارد وتعقيد الإجراءات، في حين يظل الاستثمار الخاص مترددًا بسبب عدم الاستقرار السياسي، وغموض الرؤية الاقتصادية، وتعقيد الإطار القانوني والإداري. كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بسنوات ما قبل 2011، ولم يعد يلعب دورًا محوريًا في نقل التكنولوجيا أو خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة عالية.
تعطيل الإصلاحات
لا يمكن فصل هذه المؤشرات عن السياق السياسي والاجتماعي العام، حيث ساهم عدم الاستقرار السياسي، وتوتر العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني والمنظمات النقابية، في إضعاف الثقة وتعطيل الإصلاحات. فقد واجهت محاولات إصلاح الدعم والمؤسسات العمومية والنظام الجبائي مقاومة اجتماعية، وذلك في ظل غياب رؤية شاملة تضمن توزيعًا عادلًا لكلفة الإصلاح. كما أدّى تراجع الحوار الاجتماعي إلى تعميق الفجوة بين الدولة والفاعلين الاجتماعيين.
وتُعدّ المؤسسات العمومية أصدق مثال على تعقيدات الأزمة، إذ تعاني أغلبها من خسائر هيكلية وسوء حوكمة وتراكم ديون، من دون وجود استراتيجية واضحة لإصلاحها أو إعادة هيكلتها. وقد تحوّلت هذه المؤسسات من أدوات محتملة للتنمية إلى عبء ثقيل على المالية العمومية، وهو ما يحدّ من قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.
ورغم كل هذه التحديات، لا يخلو الاقتصاد التونسي من مقومات النهوض، إذ تمتلك البلاد رأسمالًا بشريًا مهمًا، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وبنية تحتية أساسية، وتجربة تاريخية في التحديث. غير أن تفعيل هذه المزايا يتطلب تحولًا جذريًا في النموذج التنموي، يقوم على رفع الإنتاجية، وتنويع القاعدة الاقتصادية، وتحسين مناخ الأعمال، وتحقيق عدالة جبائية حقيقية، إلى جانب حماية الفئات الهشة من كلفة الإصلاح.
وتجدر الإشارة إلى أن تونس شهدت تحسنا في الأشهر الأخيرة في تصنيفات بعض وكالات التصنيف الائتماني الدولية، وهو الأمر الذي أثار جدلًا حول ما إذا كانت هذه التحسينات تعكس تحسنًا حقيقيًا في المؤشرات الاقتصادية أم أنها مجرد نتيجة لهدوء نسبي واستقرار سياسي ومالي شهدتهما البلاد. ولعل من أبرز التصنيفات ذلك الذي صدر عن وكالة فيتش للتصنيف الائتماني في أيلول/سبتمبر 2025، حيث رفعت هذه الوكالة تصنيف تونس من مستوى «CCC+» إلى «B-» مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو تقدم مهم مقارنة بالمستوى السابق.
كما أن وكالة موديز للتصنيف الائتماني قامت في آذار/مارس 2025 بتحسين تصنيف تونس من «CAA2» إلى «CAA1» مع نظرة مستقبلية مستقرة أيضًا، استنادًا إلى تراجع احتياجات التمويل الخارجي للقطاع الخاص، وقدرة البنك المركزي على الحفاظ على احتياطيات العملة الأجنبية، وتحسن الجدول الزمني لسداد الديون الخارجية. هذه العوامل تُظهِر أن وكالات التصنيف لم تُجرِ تغييراتها على أساس تحسينات مجردة في الاستقرار السياسي وحده، بل على أساس بيانات واقعية حول تحويلات مالية وتحسّن في بعض المؤشرات الاقتصادية الكبرى.
لكن من المهم أيضًا التأكيد على أن هذه الوكالات ما زالت تحافظ على تقييم شامل يعكس المخاطر المرتفعة المرتبطة بالوضع الاقتصادي التونسي. فعلى سبيل المثال، ورغم رفع وكالة «فيتش» لتصنيف تونس إلى «B-» مع نظرة مستقرة، إلا أنها ما زالت تصنّف الخضراء ضمن الدول ذات المخاطر الائتمانية المرتفعة، وتحذّر من محدودية الوصول إلى التمويل الخارجي، ومن التعرّض الكبير لصدمات أسعار السلع الأساسية في غياب إصلاحات هيكلية كبرى مثل إصلاح الدعم.
وبالتالي فإن تونس لا تعيش أزمة اقتصادية ظرفية وعابرة، بل أزمة نموذج اقتصادي استنفد طاقته، وأصبح عاجزًا عن تلبية تطلعات المجتمع. ومن دون إصلاحات عميقة وشاملة تحقق التوازن بين الدولة والسوق، وبين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، سيظل الاقتصاد التونسي يدور في حلقة مفرغة من إدارة الأزمات، بدل الانتقال إلى مسار تنموي مستدام يفتح أفقا حقيقيا للتعافي والاستقرار.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





