أفريقيا برس – تونس. أكدت جبهة الخلاص الوطني التونسية، خلال ندوة فكرية بعنوان “الديمقراطية في تونس: بين الانتقال والانتكاس”، أن تونس تمر بمرحلة هيمنة للشعبوية، معتبرة أن العودة إلى المسار الديمقراطي تستوجب عهدًا سياسيًا جديدًا قائمًا على التوافق بين مختلف الفاعلين. وأوضحت الجبهة أن الندوة نُظمت بمناسبة الذكرى الـ12 لدستور 2014، الذي وصفته، رغم ما شابه من نقائص، بأنه دستور توافقي.
وقال القيادي في جبهة الخلاص الوطني وعضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين المحامي سمير ديلو، في كلمة له، إن الحديث عن الديمقراطية اليوم بين الانتقال والانتكاس قد يطول، ولكن الغاية هي الوصول إلى تفكير مشترك، أي النظر إلى المستقبل بعيدًا عن إلقاء المسؤوليات على أي طرف، مؤكدًا أن المطلوب هو إعادة المسار الديمقراطي. وأضاف ديلو أن القصد من هذا الحوار إلقاء نظرة على الماضي والحاضر والتفكير في المستقبل، مؤكدًا أن هناك العديد من التساؤلات حول الانتقال الديمقراطي في تونس والانتكاسة التي حصلت بعد الثورة وأسبابها، مشيرًا إلى أن الديمقراطية لا يمكن تلخيصها في مجرد نصوص قانونية ومؤسسات وهيئات، بل إنها تتطلب قيمًا وثقافة ديمقراطية وانتقالًا مجتمعيًا.
وأوضح ديلو أن أبرز ما يمكن استنتاجه هو أن الأزمة متعددة الأوجه، مؤسساتية، وأيضًا تتعلق بكل ما هو قيمي، فالانقلاب على الدستور والمؤسسات المنتخبة لم يواجه برفض شعبي، فالشعب هو الذي صنع الثورة، ولكن النخب لم تنجح في الحفاظ عليها. وبين أن مصير البلاد رهين ما تستطيع النخب فعله، ومدى قدرتها على التضحية في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القضاء والإعلام، وكذلك العمل السياسي والجمعياتي.
وأكدت أستاذة القانون العام سناء بن عاشور، في كلمة لها، أن الانتقال الديمقراطي والانتكاسة التي حصلت في الديمقراطية لهما عدة أسباب، مؤكدة أن الديمقراطية تتضمن أسسًا هامة، كدولة القانون والنظام السياسي الذي يجب أن يحترم القواعد والأنظمة القانونية الموجودة، ومنها علوية القاعدة القانونية، مبينة أن الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في تونس جعلت الهيمنة لدولة التشريع، وكأن الدستور مجرد ورقة تتضمن قواعد قانونية يمكن تغييرها بمجرد تغيير الحكم، مشيرة إلى أن التأويل الحاصل في قانون الإرهاب، مثلًا، الذي “أدى إلى إهدار عنصر هام من عناصر دولة القانون”.
وبينت أنه “رغم النقائص التي كانت موجودة في دستور 2014، إلا أنه كان دستورًا توافقيًا وجامعًا، ولكن بمجرد ما حصل الانقلاب في 25 يوليو/ تموز 2021، تم الدوس على الشرعية، ولم يعد العمل بالدستور، ليتم استبداله بنصوص أخرى، أي بدستور جديد”. وبحسب بن عاشور، فإنه “يجب استخلاص الدروس من الماضي، كما أن العودة إلى المسار الديمقراطي تتطلب اليقظة والمساندة والتضامن مع كل من هم في السجون من سجناء الرأي والمعارضة، وهو ما قد يؤسس للحياة المواطنية، وللمشاركة في الشأن العام بعيدًا عن الظلم وانعدام المحاكمة العادلة التي طاولت الجميع”. وبينت أن ما يبنى عليه هو الديمقراطية وتكوين عهد سياسي، لأنه لا مستقبل دون ديمقراطية، التي من دونها لن يكون هناك أي مستقبل سياسي للبلاد.
أما أستاذ العلوم السياسية حمادي الرديسي، فقال إنه “حصل انتقال ديمقراطي بعد ثورة 14 يناير 2011، لكن تم التحول والرجوع إلى نظام ما قبل الديمقراطية، وهذا له عدة أسباب، فنظريًا النظام الديمقراطي انتهى، وما بقي هو الشعبوية، والمس من الحريات، واستغلال القواعد القانونية التي هي بيد السلطة السياسية، موضحًا أن الظاهرة الشعبوية هي الطاغية حاليًا”. وبين الرديسي في كلمة له أن النموذج الديمقراطي في العالم في أزمة، فالديمقراطية تعيش أزمة في العديد من البلدان.
ويرى أستاذ علم الاجتماع والباحث المختص في السياسة المولدي القسومي أن هناك تزويرًا معرفيًا في تعداد الجمهوريات، فالحديث عن جمهورية ثالثة غير صحيح، لأننا في جمهورية جديدة كما سماها الانقلاب، مؤكدًا أن الدستور الحالي يحمي الرئيس. وتابع أنه في الشعبوية يكون التغيير إما بالتداول من داخل المنظومة في حد ذاتها، أو ربما تتهالك وتتهاوى لأنها ليست أداة حكم، أو قد تضعف بسبب قوة المعارضة وضغط الشعب. ولفت إلى أن المطلوب هو التنظيم والتنشئة على مبادئ المواطنة، وتأسيس إطار لفضاء آمن يضمن التواصل السياسي السليم بين الجميع.
وأكد عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة بلقاسم حسن، أنه في الذكرى الـ12 لدستور الثورة، يمكن القول إنه وقع انتقال ديمقراطي حقيقي، لكن حصلت انتكاسة في 25 يوليو/تموز 2021، مبينًا أن الحديث عن مفاهيم قانونية واجتماعية ودولة القانون والتمثيلية الشعبية والسلطة السياسية مهم، ولكن الأهم هو التقاء نخب فكرية وسياسية اليوم لم تكن تجتمع سابقًا، مبينًا أنها تدافع جميعًا عن حق الآخر في الحرية والتعبير واستقلالية القضاء.
وأضاف المتحدث أن هذه الخطوة مهمة جدًا في مسار لم الشمل الديمقراطي، أو التقاء المدافعين عن الديمقراطية في تونس، وحماية الدستور، فالدستور قد يضرب برمته ويأتي دستور آخر يعوضه، رغم أنه القاعدة العامة التي يجب أن تقوم على العيش المشترك، وبالتالي الوعي الشعبي، الذي لم يصل بعد إلى مرحلة التبني التام للديمقراطية، ولا يزال هناك الكثير من العمل على الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





