أنور الجمعاوي
أفريقيا برس – تونس. يُعدّ الخطاب السياسي أحد المداخل التحليلية الأساسية لفهم طبيعة السلطة ومسارات التحوّل داخل المجتمعات، إذ لا يقتصر دوره على نقل المواقف أو عرض البرامج، بل يتجاوز هذا إلى بناء تصوّرات فردية ونُخبوية وجماعية حول الدولة والهُويّة والأنا والآخر، وحول محامل الحاضر والماضي والمستقبل في سيرورة الجماعات البشرية. والخطاب السياسي، في تعريفه النظري، هو مجموع الممارسات اللغوية والرمزية التي يستخدمها الفاعلون السياسيون لتمثّل الواقع واستشرافه، وللتأثير في أصحاب القرار ومساءلتهم، وتوجيه الرأي العام على نحو ما. ولا تُفهم الدولة المتقدّمة بوصفها نتاجاً لسياسات اقتصادية فحسب، بل أيضاً بما هي نتيجة خطاب سياسي عقلاني يوازن بين المنافسة والتوافق ويؤطّر الصراع بين المختلفين ضمن قواعد ديمقراطية، في حين ترتبط الدولة الفاشلة غالباً بخطاب يشرعن الإقصاء ويختزل التعقيد السياسي في ثنائيات معيارية انطباعية حادّة. فبناء الدولة ليس مسألةً مؤسّساتيةً فقط، بل معركة رمزية تدور حول المعاني والقيم والسرديات التي تشكّل وعي المجتمع بذاته وبمستقبله. لذلك، يصبح تحليل المعجم السياسي وأنماط الحجاج وآليات تمثّل الخصوم ضرورة لفهم مسارات التقدّم أو التعثّر في سيرة المجتمعات. ذلك أنّ اللغة السياسية سلطة بحدّ ذاتها، لما لها من طاقة تعبيرية تأثيرية هائلة، قادرة على فتح أفق جماعي مشترك بين الناس، كما يمكنها، في المقابل، أن تغذّي الانقسام وتدفع نحو إعادة إنتاج الفشل. ويُمكن التمييز في تونس بعد الثورة بين لحظتَين في سيرورة الخطاب السياسي: الأولى هي عشرية الانتقال الديمقراطي، والثانية مرحلة ما بعد “25 يوليو” (2021). ولكلّ منهما علاماته الفارقة وتداعياته المخصوصة على الاجتماع التونسي.
شكّلت لحظة الثورة التونسية منعطفاً تاريخياً أعاد تشكيل المجال السياسي والرمزي في تونس، ليس فقط عبر إسقاط منظومة سلطوية استمرّت عقوداً، بل من خلال فتح الفضاء العمومي أمام تعدّدية خطابية غير مسبوقة. فقد انتقل الخطاب السياسي من لغة الدولة الأحادية إلى فضاء تعبيري متنوّع، تداخلت فيه سرديات التحرّر والهُويّة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وغلب عليه معجم سياسي اتّسم بطابع تحرّري استحضر مفردات الحرية والكرامة والسيادة الشعبية. وقد عبّرت تلك المفردات عن ذاكرة احتجاجية جماعية وعن رغبة في القطع مع الماضي السلطوي. غير أنّ هذا المعجم سرعان ما أصبح موضوع تنازع رمزي بين الفاعلين السياسيين، فأعادت الأحزاب توظيفه وفق مرجعياتها الإيديولوجية. فبينما ركّزت بعض القوى على مفردات الهُويّة والأصالة والشرعية الانتخابية وتحكيم الأغلبية، شدّدت أخرى على مفاهيم الدولة العلمانية والحقوق الجندرية وتصعيد الأقلية، ما جعل المعجم الثوري ساحة صراع تأويلي أكثر منه أرضية مشتركة. ومع ذلك، ظلّ هذا الصراع محكوماً بإطار ديمقراطي سمح بالتفاوض والتوافق، خاصّةً في ظلّ أزمات سياسية متلاحقة فرضت البحث عن تسويات ساهمت مكوّنات المجتمع المدني في التوصّل إليها. وفي هذا السياق، برزت لغة التوافق والحوار بوصفها محاولة لإدارة الاستقطاب، وانتشرت مفردات مثل “المسار التوافقي” و”الحكم التشاركي” و”الحوار الوطني”. وقد ساهمت هذه اللغة في تثبيت سردية الانتقال الديمقراطي، لكنّها في الوقت نفسه أخفت توتّرات بنيوية مرتبطة بتراجع الأداء الاقتصادي وتزايد الإحباط الاجتماعي. وعلى التدريج، بدأت الثقة في الطبقة السياسية تتآكل، وظهر معجم نقدي شعبوي ركّز في اعتبار التوافق محاصصة، والثورة مؤامرةً خارجية، والديمقراطية فتنة، واتهام خصوم سياسيين بالظلامية والرجعية والولاء للخارج، وجرى الترويج لثقافة استئصال الآخر الحزبي بدل التعايش معه، وأدّى ذلك الخطاب الاتّهامي إلى نفور نسبي من التحزّب، وظهور خطاب شعبوي ميّال إلى إدانة مشروع الدمقرطة، ومسكون بنوستالجيا استعادة الحكم الرئاسي المطلق.
بحلول 25 يوليو/ تموز 2021، دخلت تونس طوراً سياسياً جديداً لم يكن مجرّد تحوّل في موازين السلطة بقدر ما كان إعادة تشكيل عميقة للخطاب السياسي ومعجمه ورهاناته الرمزية. فقد أعلن رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، تفعيل الفصل 80 من دستور 2014، وإعفاء رئيس الحكومة وتجميد أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه. واعتمد خطاباً قطع مع المعجم التوافقي، وأسّس لعقد سياسي يقوم على علاقة مباشرة بين الرئيس والشعب، متجاوزاً الوسائط الحزبية والبرلمانية التي شكّلت جوهر النظام شبه البرلماني بعد 2014. ومع تلك اللحظة، لم تعد المؤسّسات الوسيطة فضاءً للتمثيل بقدر ما تمّ تصويرها عائقاً أمام الإرادة الشعبية، وهو ما مثّل نقطة انكسار في التصوّر السائد للديمقراطية التونسية بحسب مراقبين. وتجلّى التحوّل الخطابي أيضاً في لهجة التحذير والتصعيد التي رافقت ذلك الإعلان، حين أكّد الرئيس أنّ من يطلق رصاصة سيُقابل بردّ حاسم. وكشفت تلك الصياغة عن انتقال الخطاب من لغة دستورية تقنية إلى لغة ردعية ميّالة إلى استدعاء مفردات الحسم والقوة واعتبارها ضمانة لحماية الدولة. واستبطن هذا التحوّل تصوّراً للدولة بوصفها كياناً مهدّداً يستدعي استثنائية في الخطاب والممارسة، بما يتقاطع مع نظريات السلطة الاستثنائية التي تغتنم لحظة الخطر لتوسيع صلاحيات الحاكم. وأعاد المعجم الرئاسي تعريف مفهوم الشرعية ذاته، فأُكّد على الشرعية الشعبية المباشرة بدلاً من الشرعية التمثيلية القائمة على المؤسّسات. واستعادت تلك السردية صورة القيادة الرعوية التقليدية الوصيّة على الجمهور. وأثار ذلك نقاشاً أكاديمياً حول مخاطر تهميش الوسائط السياسية، لأنّ الديمقراطية التمثيلية تنبني على التوازن بين الإرادة الشعبية والضوابط المؤسّسية.
وظهرت في خطاب الرئيس وأشياعه مفرداتٌ تحوّلت إلى علامات دلالية ثابتة للمرحلة. من أهمها “تصحيح المسار”، وهي عبارة وظّفها القوم لإضفاء شرعية على إجراءات “25 يوليو” ومخرجاتها واعتبارها عملية إصلاح تستهدف إعادة توجيه الثورة نحو أهدافها الأصلية. وترافق ذلك مع استعمال مصطلح “لوبيات” الذي يشير إلى شبكة متداخلة من الأحزاب والنُّخب الاقتصادية والإعلامية والإدارية المتّهمة بعرقلة مشروع الرئيس وأتباعه التي يُعلَّق عليها فشل منظومة 25 يوليو في تحسين الأوضاع المعيشية للتونسيين. وأتاح هذا المصطلح تبسيط المشهد السياسي في صورة صراع بين شعب وكتلة مصالح، وهو ما يعزّز جاذبية الخطاب الشعبوي.
ودرج في خطاب سعيّد وأنصاره استخدام مفردات مثل “الخونة” و”المتآمرين” و”العملاء”، وهي نعوت تُخرج الخصم من دائرة المنافسة السياسية إلى دائرة التهديد الوجودي. وتؤدّي هذه اللغة وظيفة تعبئة شعبوية، إذ تعزّز صورة الصراع بوصفه مواجهة أخلاقية بين الأخيار والأشرار، لا مجرّد اختلاف في البرامج وتباين في كيفية حكم البلاد. كما تربط استعارات جنائية مثل التآمر على أمن الدولة، والعصابات، ونهب المال العام، الخصوم السياسيين بخطاب الجريمة على نحو يساهم في نزع الشرعية الأخلاقية والقانونية عن أنشطتهم. ومن ثمّة وُظّف الخطاب السياسي قصد التأسيس للذات عبر تقويض الآخر وشيطنته على نحو ما.
في المقابل، طوّرت المعارضة معجماً مضادّاً سعى إلى تنزيل حركة 25 يوليو ضمن سردية تراجع ديمقراطي. فقد انتشر استعمال مصطلح “الانقلاب” لتوصيف تعليق عمل البرلمان والحكم بالمراسيم. كما ظهرت مفردات مثل “الاستبداد” و”الحكم الفردي” و”تركيز السلطة”، وهي تعبيرات تستحضر ذاكرة سلطوية وتربط المرحلة بإمكانية العودة إلى نمط الحكم الأحادي. وقد أدّت هذه اللغة وظيفة تحذيرية تهدف إلى تعبئة الرأي العام ضدّ مخاطر الحكم الرئاسوي. كما استُخدمت مصطلحات قانونية مثل “تقويض الدستور” و”تعطيل المؤسّسات” و”ضرب التوازن بين السلطات”، وهي مفردات تستند إلى مرجعية دستورية تريد بيان عدم قانونية التدابير الرئاسية. واعتمدت المعارضة تعبيرات دفاعية مثل “الدفاع عن الديمقراطية” و”حماية المسار الدستوري” و”دولة القانون”، في محاولة لإعادة تعريف الصراع بوصفه صراعاً حول قواعد اللعبة السياسية لا حول الأشخاص. ومع ذلك، لم يخلُ هذا المعجم من شحنة نقدية مبالغ فيها مثل الحديث عن دكتاتورية مطلقة وفاشستية شاملة، وهي تعبيرات تستهدف نزع المصداقية السياسية والشرعية الدستورية عن مشروع الرئيس سعيّد.
كما لعبت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي دوراً حاسماً في تعميم هذا المعجم، إذ تحوّلت بعض المفردات إلى وسوم تُستخدم للتعبئة والتجريم الرمزي في آن واحد. وقد ساهم ذلك في انتشار خطاب الكراهية ولغة السخرية والتشويه والتخوين خارج الخطاب النخبوي، ما جعل المعجم الصراعي جزءاً من الثقافة السياسية اليومية لطيف معتبر من التونسيين. ومعلوم أنّ هذا الخطاب السياسي المتوتّر يُساهم في تآكل الثقة بين الفاعلين السياسيين وبين المواطنين، إذ يبدو المجال السياسي ساحة مؤامرات وصراعات لا مجال فيها للتوافق، ويُغذّي، على المستوى الاجتماعي، مشاعر الانقسام على نحو يهدّد الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، ويقوّض مفهوم المواطنة، إذ يُعاد تعريف “المواطن الصالح” وفق موقعه من السلطة أو المعارضة. فالمؤيد قد يُقدَّم بوصفه وطنياً حقيقياً، بينما يُوصم المخالف بالخيانة أو العمالة، والعكس صحيح. ويؤدّي هذا الانزلاق إلى تسييس الهُويّة الوطنية، وإضعاف الروابط المدنية الجامعة، وتكريس ثقافة الإقصاء والإقصاء المُضاد التي لا تخدم مطلب إقامة دولة تعدّدية تقدّمية قادرة على إدارة الاختلاف بدل قمعه.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





