اتفاقية أوروبية جديدة تكرس أسواق استهلاكية في إفريقيا

اتفاقية أوروبية جديدة تكرس أسواق استهلاكية في إفريقيا
اتفاقية أوروبية جديدة تكرس أسواق استهلاكية في إفريقيا

أفريقيا برس – تونس. اقترب الاتحاد الأوروبي من إبرام أول اتفاقية شراكة اقتصادية مُعززة مع أربع دول إفريقية هي جزر القمر ومدغشقر وموريشيوس وسيشيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تتجاوز إطار التعاون التجاري التقليدي لتُكرّس حضوراً أوروبياً أعمق داخل أسواق المحيط الهندي الإفريقية.

وأعلن الاتحاد الأوروبي انتهاء جولة المفاوضات الخاصة بالاتفاق، تمهيداً للتوقيع الرسمي عليه، في وقت يشهد فيه النظام التجاري العالمي تغيرات متسارعة تدفع القوى الاقتصادية الكبرى إلى إعادة ترتيب مناطق نفوذها التجارية وضمان استقرار سلاسل الإمداد والأسواق الخارجية.

ورغم تقديم الاتفاق باعتباره إطاراً لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتنمية، فإن بنوده الأساسية تكشف تركيزاً واضحاً على حماية المصالح الأوروبية وتوسيع قدرة الشركات الأوروبية على النفاذ إلى الأسواق الإفريقية، سواء عبر الاستثمار المباشر أو السيطرة على قطاعات حيوية ومجالات الإنفاق الحكومي.

وبحسب ما أعلنته المفوضية الأوروبية، فإن الاتفاق يمنح الشركات الأوروبية تسهيلات واسعة للوصول إلى أسواق المشتريات العامة في الدول الأربع، وهو ما يتيح لها المنافسة على العقود الحكومية والبنى التحتية والخدمات التي تمثل جزءاً كبيراً من الإنفاق العام في تلك الدول.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يفتح الاتفاق الباب أمام حضور أوروبي أوسع داخل قطاعات استراتيجية تشمل التعدين والطاقة والتصنيع والاقتصاد البحري والاتصالات والخدمات المالية، وهي قطاعات تمثل الركائز الأساسية لأي مشروع تنموي مستقل في الدول الإفريقية.

ويرى منتقدون أن هذه الصيغة من الشراكات الاقتصادية غالباً ما تُبقي الاقتصادات الإفريقية في موقع المستهلك للمنتجات والخدمات الأجنبية، بدلاً من تحويلها إلى اقتصادات إنتاجية قادرة على التصنيع والتصدير. فمع تسهيل دخول الشركات الأوروبية، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأسواق المحلية إلى منافذ لتصريف فائض الإنتاج الأوروبي، خاصة في ظل الفجوة الكبيرة في القدرات الصناعية والدعم الحكومي بين الطرفين.

وتبرز هذه المخاوف بصورة أكبر في القطاعات الزراعية، حيث دفعت الضغوط المحلية الدول الأربع إلى الإبقاء على الحماية الجمركية لبعض المنتجات الحساسة، بما في ذلك اللحوم والحبوب والسكر الأوروبية، خشية أن يؤدي تدفق السلع منخفضة الكلفة والمدعومة أوروبياً إلى إضعاف الإنتاج المحلي وتهديد الأمن الغذائي.

وفي المقابل، يروّج الاتحاد الأوروبي للاتفاق باعتباره فرصة اقتصادية للدول الإفريقية المعنية، عبر منح امتيازات جمركية وتسهيلات جديدة في مجال صادرات الخدمات إلى السوق الأوروبية، بما قد يساعد على جذب استثمارات جديدة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية ومراكز الاتصال والذكاء الاصطناعي.

غير أن خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن نجاح هذه الوعود يبقى مرتبطاً بقدرة الدول الإفريقية على نقل التكنولوجيا وبناء صناعات محلية ذات قيمة مضافة، وليس الاكتفاء باستقبال الاستثمارات الأجنبية التي قد تُبقي اقتصاداتها مرتبطة بالاستهلاك والاستيراد.

وفي ظل عدم كشف بروكسل عن كامل التفاصيل النهائية للاتفاق حتى الآن، تتزايد التساؤلات بشأن مدى توازن هذه الشراكة الجديدة، وما إذا كانت ستدعم فعلاً التنمية الاقتصادية في الدول الأربع، أم أنها ستكرّس نمطاً قديماً من العلاقات الاقتصادية يمنح الشركات الأوروبية وصولاً أوسع إلى الموارد والأسواق الإفريقية، مقابل مكاسب تنموية محدودة للدول المضيفة.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here