حين صرخ الباجي: راني ناصح لتونس..

على بعد شهرين ونصف من الاستحقاق الانتخابي الأكبر والأهم “معنويا” مازالت تونس لا تعرف رئيسها بالتحديد ولا تعرف رئيسها بالترجيح ولا تعرف رئيسها بالتخمين ولا تعرف رئيسها بالتنجيم ولا تعرف ثنائي السباق الرئاسي ولا تعرف ثلاثي السباق ولا رباعي ولا خماسي ولا حتى سداسي..

مازالت الأسماء تتوافد على تونس من هيئة الانتخابات، ومازال شارع الثورة “الحبيب بورقيبة” في حالة انقسام حاد، يطرح البعض في هذه المقهى اسم المرزوقي كرئيس قادم، فتجيب المقهى الملاصقة بوابل من الضحك، في الجهة الأخرى من الشارع تجزم المقهى المنتصبة في الزاوية إنه الشاهد، فتنخرط المقهى المحاذية في هستيريا من السخرية، يقف دكتور العلوم السياسية أمام البالماريوم يعدل ربطة عنقه ويشير بطريقة ارستقراطية متعالية بأنه كمال مرجان قضي الأمر، يسمعه أحد الشباب الذي فرغ للتو من سيجارة “حشيش” فينخرط في موجة من الضحك الصاخب، بعض الضحك على مرجان والبعض الآخر نتيجة الجونتا، ثم بعد ان يفرغ من ضحكته الساخرة، يؤكد أنه إبن الشارع ويعلم حقيقة بوصلته وأن الأمر استقر على قيس سعيد، تنهره سيدة “والله ما تحشم كي ما تعرفش السياسية اسكت”..

شعب مجنون؟ لا غير صحيح! إذا شعب متطفل؟ ولا هذه! إذا ما الأمر؟ انها الشعوب حين تسترد وطنها وتصبح شريكة لا أجيرة، انها الشعوب حين تدرك أنها صاحبة القرار وانها وحدها من تعزل وتنصب وترفع وتخفض، وحدها من ترسل هذا الى بناية قرطاج للحكم وذاك الى بناية منوبة للتداوي، إنها الثورة حين تراقب الجميع وهم بصدد الاعراض عنها والذهاب بعيدا في اهتماماتهم، وهي تدرك أنها وحين تفتح مقرات صناديقها سياتونها أذلاء يطلبون ودها، والذل الأكبر يعتلي أولئك الذين يشتمونها ولا يعترفون بها ثم يأتون في مواسم الانتخابات للأكل على موائدها، هم يومئذ أقرب إلى القواعد من البغايا اللاتي لا يرجون بغاءا.

هذه تونس تتجاوز مطلب مجرد إنتخابات الى الانتخابات المقبولة، إلى الانتخابات النزيهة، إلى الانتخابات الحرة والنزيهة، الى نوعية أخرى قل ما تحدث في العالم، انتخابات التشويق، انتخابات اللحظات الاخير، انتخابات الدقيقة تسعين، نادرا ما تجري انتخابات لا يعلم الشعب من سيفوز بها تحقيقا او ترجيحا، وأقله تكون لديه فكرة عن طرفي النزال الأقرب الى الفوز، نادرا ما تمر ديمقراطية بما تمر به تونس اليوم.

بينما يهتف الإعلام في الدول العربية باسم المجرمين يشكرهم على جرائمهم في حق شعوبهم، ويعتبر المذابح الجماعية بمثابة الانجازات الجماعية، يرحل الرئيس التونسي المنتخب بشكل ديمقراطي، دون أن يتمكن من تثبيت ابنه بشكل جيد على راس احد الشقوق، دون أن يوفر له حظوظ الفوز بمقعد في البرلمان رغم أن الراحل حاول جهده ترقية الابن لضمان مستقبله السياسي، أما الحزب الأكبر في البلاد والذي قاد المعارضة منذ مطلع الثمانينات وقاد الدولة منذ الثورة، فهو يتعرض الى انتقادات واسعة لأنه رشح رئيسه على رأس قائمة انتخابية لينافس من اجل الدخول الى برلمان هيمن عليه حزبه منذ أواخر 2011 !!!!! اي نعم، يتعرض زعيم الحزب الأكبر الذي سبق وطرح اسمه لتعويض أكمل الدين إحسان أوغلو على رأس الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، الرجل صاحب الباع الطويل في التأليف وفي الدعوة وفي السياسة والذي يملك علاقات ممتدة عبر القارات، يتعرض اليوم للنقد اللاذع، يرفع يديه ليتقي الضربات التي يتلقاها تباعا على خلفية ترشيحه من مكتبه ليشغل مقعد في البرلمان تماما كما القصاص والتبيني والمسدي وقافلة طويلة من نواب حزبه!

يتعرض السبسي الى نيران كثيفة لانه انحاز لابنه ويرحل دون أن يفعل له الكثير، يتعرض الغنوشي الى النيران الصديقة والمحايدة والمعادية لأنه قرر دخول البرلمان، يعاني حمة الهمامي من أجل البقاء على سطح المشهد، مجرد البقاء، يعاني الطبوبي، يعاني العباسي حتى بعد أن غادر منصة الشغيلة، يعاني المرزوقي..الكل يعاني من شعب يده على الزناد، شعب صفق قديما للزعامات فغدرته واقتطعت الحكم لها والثروة لأسرها والسجون والمنافي لشعبها، وحين وفرت له ثورة سبعطاش ديسمبر فرصة السيادة احتنكها، أصبح للشعب حساسية مفرطة من ثقافة القيادة والبروز والصدارة والإشعاع خاصة في سوق السياسة، تثب جميع حواسه وتشتغل راداراته حال انتباهه لكيان حزبي برز بشكل ملفت وشخصية ترتفع اسهمها تباعا …في تونس باتت كل الطرق مقفلة أمام برْقبة وبنْعلة السلطة.

الناس في العاصمة في الوسط في الجنوب في الصحراء على ضفاف وادي مجردة في سفوح جبل الشعانبي، الكل يعيش حيرة لذيذة، الكل يمارس بذاخة القلق، الكل يتذمر من صرامة الديمقراطية، الكل يبحث عن بصيص امل يدله عن ملامح الرئيس القادم، الكل ينهشه الفضول، حتى إذا خرج بعضهم وطرح اسم الزبيدي، صرخ الشعب بصوت واحد “رانا فايقين بيكم..يا انّاري على شكون تعدوا فيها”، شعب يدرك ان لا جهة وازنة تحاول التحايل عليه، لكنه ينفذ ضربات استباقية، وللذين لا يعرفون مجريات البادية، هناك أصوات يطلقها الرعاة بعد المغرب لذئاب مفترضة، وكأنهم يشيرون على الذئب بالانصراف لان خطته فشلت، بينما لا ذئب في الأفق غير انها غريزة المقامة وثقافة الاحتياط.

ها هنا شعب نخره الحذر، شعب مسلح في مخه، في دماغه كلاش ورمان يدوي وخناجر وحجر ومعڤال وتربولاة.. شعب كانت اكلته الرئيسية كسكسي، فأصبحت “رانا فايقين بيكم”..شعب طالما لاحق الرئيس الراحل بالتهم، فيصرخ الباجي: اقسم بالله ناصح..

والله نساعد على الديمقراطية.. سوف ننجح باذن الله.. سأحافظ على التجربة..والشعب يلاحقه في كل حركاته، وحين نُقل الرئيس الى المستشفى ليلة 25 جويلية، قال الشعب “رانا فايقين..

باش غدوة ما يُلقيش كلمة بمناسبة عيد الجمهورية..” حتى إذا أعلنت الدولة عن وفاة الرئيس ، دنكس الشعب وتمتم “رحم الله الرئيس..يرحم الله الرئيس”، شعب لا يكره الرئيس، لا يكره رموزه، لكنه شعب ارعبه زنيم نوفمبر من غول الزعامة، فطلق الثقة واعتنق الشك كطريق لليقين.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here