إصلاح المؤسسات العمومية أولوية لحماية الدولة الاجتماعية

إصلاح المؤسسات العمومية أولوية لحماية الدولة الاجتماعية
إصلاح المؤسسات العمومية أولوية لحماية الدولة الاجتماعية

إلهام اليمامة

أهم ما يجب معرفته

إصلاح المؤسسات العمومية في تونس يعد أولوية لحماية الدولة الاجتماعية. يتجلى ذلك في تذمر المواطنين من سوء الخدمات، ورغم ذلك، يرفضون خصخصتها. يتطلب الوضع الحالي نقاشاً حول كيفية تحسين الأداء دون التفريط في الملكية العامة، مما يثير جدلاً واسعاً حول دور هذه المؤسسات في الاقتصاد الوطني والاجتماعي في البلاد.

أفريقيا برس – تونس. يقف عدد كبير من المواطنين التونسيين في طابور أمام شبابيك الخلاص في إحدى مراكز الخدمات التابعة لشركة الكهرباء والغاز، بعضهم لدفع فواتير الكهرباء وآخرون لحل مشاكل مختلفة. الجميع يتذمّر من سوء الخدمات وينتقد الإدارة والأعوان. لكن ما إن قال أحدهم: “يجب بيعها”، حتى انتفض أغلب الواقفين دفاعاً عن المؤسسة الوطنية، وانقلب النقد إلى رفض قاطع لفكرة التفويت.

هذا المشهد يتكرّر كثيراً في تونس، ويكشف عن تناقض بين النقد اليومي للمؤسسات العمومية والرفض التلقائي لخصخصتها. ويفسر الباحث في علم الاجتماع الطيب الطويلي هذا الموقف المتناقض بقوله لـ”أفريقيا برس”: “التونسي يشكو من الخدمة، من الطوابير، من البيروقراطية… لكنه في العمق مرتبط رمزياً بالمؤسسات العمومية. يشعر أنها ملك له، حتى لو كانت خدماتها ضعيفة. لذلك ينتقل الخطاب من “نقمة على الأداء” إلى “غيرة” على المؤسسة بمجرد الحديث عن بيعها”.

لكن، وبغض النظر عن الحديث المشحون بالعواطف، فإن وضع القطاع العام في تونس اليوم يسلّط الضوء على الإشكالية الحارقة: هل يُعدّ التفريط في المؤسسات العمومية للقطاع الخاص حلاً لتخفيف العبء عن الميزانية وتحسين الخدمات، أم أنه تهديد للمرفق العام والدور الاجتماعي للدولة؟

هذا السؤال لا يخص تونس فقط، بل يثير جدلاً واسعاً في دول عديدة، خاصة مع دفع مؤسسات الإقراض الدولية نحو فرض هذا الحل كخيار رئيسي في إطار سياسات الإصلاح والدعم المشروط التي ترسخ الهيمنة الاقتصادية، مما يضع تلك البلدان على حافة القلق الاجتماعي، خاصة حين يمسّ الأمر منظومة الدعم المرتبطة بدورها بمؤسسات القطاع العام.

من وجهة نظر اجتماعية، يوضح د. الطيب الطويلي أن “المؤسسة العمومية في تونس لطالما كانت نقطة التقاء لخطابين متناقضين، خطاب الشكوى من البيروقراطية والرداءة، وخطاب الارتباط العميق القائم على شعور بالملكية. يشتكي التونسي من الطوابير في البريد والمستشفيات، ومن ضعف الخدمات في النقل العمومي، لكنه في الوقت ذاته يرفض التخلي عن هذه المؤسسات، معتبراً إياها ملكاً له.”

ويضيف: “قد يعود ذلك إلى الرأسمال الرمزي لمؤسسات الدولة التي ترسخت لدى التونسي منذ الاستقلال، حيث تتجاوز المؤسسات العمومية وظيفتها العملية كمسدي خدمات. لقد ارتبطت هذه المؤسسات في مخيال التونسي بمرحلة بناء الدولة الوطنية، واعتُبرت تجسيداً مادياً للسيادة الوطنية. هذا الإرث يمنحها هالة رمزية تجعلها جزءاً من الهوية الجماعية للمواطن. التذمّر من الأداء، لا يعني الرغبة في القطيعة، بل هو تعبير عن خيبة أمل من تدهور أداء شيء يُنظر إليه على أنه امتداد للذات الجماعية.”

اقتصادياً وسياسياً، يؤكد عديد الخبراء على أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات الوطنية في تحقيق التوازن، لكن الإصلاح يفرض النظر بعمق إلى المسألة. فمثلاً، يعتبر المحلل الاقتصادي التونسي غازي معلى أن “الدعم الاجتماعي واجب، لكن ليس بالطريقة التي تضر بالاقتصاد وتجعل الشعب يدفع الثمن مرتين: مرة كدافع ضرائب ومرة كمواطن يتلقى خدمة متدهورة.”

أما الإعلامي والمحلل السياسي هشام الحاجي فيرى، في تصريحات لـ”أفريقيا برس”، أن “هناك مؤسسات يمكن بيعها للخواص كجزء من حل الإصلاح وإنقاذ مؤسسات أخرى يجب أن تبقى تحت جناح الدولة على أن تقوم بإصلاحات حقيقية داخلها بدلاً من التفويت فيها للقطاع الخاص، خصوصاً للشركات الأجنبية.”

ويفسر ذلك قائلاً: “اليوم يكشف الواقع أن النقل يتولى الخواص تقديم جزء هام من خدماته وأن المستفيدين من القطاع العام هم بالدرجة الأولى المزودون والبيروقراطيون، بما في ذلك بعض المتسترين بالعمل النقابي. خوصصة النقل ضرورية لإنقاذ الموازنات العامة، ولكن الإبقاء على الكهرباء والغاز ضمن القطاع العام مهم لأن هذا القطاع استراتيجي.”

ويشدّد الحاجي على أهمية إصلاح المؤسسات العمومية الذي “أصبح مسألة حيوية بالنسبة للدولة في تونس ولقدرتها على الحفاظ على التوازنات المالية، وخاصة الحفاظ على شعار الدولة الاجتماعية”، لافتاً إلى أن “طغيان الجانب السياسوي والإيديولوجي على الحوار قد أعاق القدرة على وضع برنامج إصلاحي، تماماً كما أن تعدّد الحكومات منذ جانفي/يناير 2011 زاد الطين بلة.”

ويقدر عدد المؤسسات العمومية في تونس بحوالي 115 مؤسسة، فيما يقدر العدد الإجمالي لكل الهياكل العمومية بأكثر من 1000 هيكل.

في تقييمها للمناخ الاقتصادي والاستثماري في تونس، أولت سفارة الولايات المتحدة في تونس اهتماماً بالمؤسسات العمومية، لافتة في الفصل 7 من تقرير حمل عنوان “تونس: بيانات مناخ الاستثمار لعام 2025″، ونشر على موقعها، إلى أن “الشركات المملوكة للدولة بارزة اقتصادياً، إلا أنها مثقلة بالديون. وتحصل هذه الشركات، التي تتنافس في السوق المحلية، على مزايا مالية غير قائمة على السوق، والتي تشمل التمويل المباشر من الحكومة.”

ويشير تقرير وزارة المالية التونسية حول التحويلات والضمانات للشركات المملوكة للدولة إلى أن إجمالي التحويلات بلغ 4.6 مليار دولار في عام 2023، منها 403 ملايين دولار مخصصة للرواتب. وبلغت التحويلات السنوية للميزانية 9.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، مع توجيه مبالغ كبيرة إلى ثلاث شركات مملوكة للدولة لدفع ثمن الحبوب والوقود والكهرباء المدعومة في تونس.

تتنافس العديد من الشركات المملوكة للدولة مع القطاع الخاص في قطاعات مثل الاتصالات والبنوك والتأمين. بينما تحتكر شركات أخرى قطاعات تعتبرها الحكومة حساسة، مثل السكك الحديدية والنقل وتوزيع المياه والكهرباء والخدمات اللوجستية للموانئ. يخضع استيراد المواد الغذائية الأساسية والسلع الاستراتيجية، كالحبوب والأرز والسكر وزيت الطعام والغاز، لسيطرة الشركات المملوكة للدولة.

أزمة عميقة

يتفق معظم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في تونس على أن المؤسسات العمومية تمرّ بأزمة عميقة تتطلب إصلاحاً جذرياً وسريعاً. وقد شدّد الرئيس قيس سعيّد في عدة مناسبات على ضرورة إعادة هيكلتها، دون أن يعني ذلك التفويت فيها أو خصخصتها، بل حتى وإن اقتضى الأمر إعادة تنظيمها أو دمج بعضها للحفاظ على الدور الوطني لهذه المؤسسات.

وتُعد هذه النقطة من المجالات القليلة التي يلتقي فيها الرئيس مع خصومه، وعلى رأسهم الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يرفض بدوره أي تفويت في المؤسسات العمومية، ويتمسك بإصلاحها عبر تحسين الحوكمة وتطوير طرق التسيير وضمان التمويل وتسوية الديون.

وخلال لقائه يوم الجمعة 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، برئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، انتقد الرئيس التونسي “البروقطراطية والفساد اللذان ينخران القطاع العام”، مشددا على “ضرورة أن تعمل المرافق العامة بحياد تام” وأن “تسعى جاهدة لتلبية التطلعات المشروعة للشعب التونسي”.

وعقب ذلك صرحت الزعفراني أن تعتزم الحكومة التونسية تقليص عدد المؤسسات العمومية ودمج بعضها في إطار برنامج لإعادة هيكلة القطاع العام يهدف إلى ترشيد النفقات وتحسين الحوكمة وتجاوز المؤسسات التي استنزفت أموال الدولة دون جدوى.

وتعتبر إعادة الهيكلة المالية والفنية لمؤسسات القطاع العام المتعثرة من أبرز نقاط لمخطط الخماسي الجديد لتونس 2026-2030. ويقترح مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026 مواصلة سياسة الدعم الموجه للمواد الأساسية والمحروقات والنقل العمومي وتقديم الدعم اللازم للشركات الأهلية لما لها من دور في تحقيق تنمية جهوية أكثر عدالة.

ونقلت وكالة تونس أفريقيا للأنباء عن وثيقة مشروع الميزانية لسنة 2026، الصادرة عن وزارة المالية، أن “العمل يتجه خلال الفترة القادمة على مواصلة الإصلاحات للمحافظة على مؤسسات القطاع العام عبر أساسا الإسراع في تنفيذ خطط إعادة الهيكلة المالية والفنية للمؤسسات المتعثرة باعتماد برنامج إصلاح شامل يُمكَن من تعزيز نجاعة التصرف والمالي وتطوير منظومة التصرف ودعم التوازنات المالية والحفاظ على ديمومة هذه المؤسسات والرفع من نسق أدائها وقدرتها التنافسية… تهم هذه المبادئ تعزيز قيمة وأداء المؤسسات العمومية من خلال إعادة النظر في أساليب التصرف المتبعة فيها والعمل على رفع كفاءتها المالية لمعاضدة مجهود الدولة وضمان إيفاء الدولة بكل التزاماتها الداخلية والخارجية”.

كما كشفت الوثيقة تجديدا ضمنيا لرفض مطالب مؤسسات الإقراض الدولية في خصوص التقليص من الدعم و”توجّه تونس نحو تكريس الاعتماد على الاقتصاد الوطني” رغم الصعوبات، الأمر الذي يقلص الضغط الاجتماعي ويقطع مع أي فرصة لإثارة التوترات في علاقة بمنظومة الدعم.

لكن رغم أهمية الطرح، يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن “مشروع قانون المالية لسنة 2026، يعطي مفهوما خاطئا للدولة الاجتماعي، فهو يحصرها في التوظيف في القطاع العام وفي الزيادة في الأجور وفي التقليص من عجز الصناديق الاجتماعية والحال أن الدور الاجتماعي الصحيح للدولة يكمن في قدرتها على تحسين جودة الخدمات الاجتماعية”.

تماسك الرأي العام

يمكن للحكومة أن تعتمد لتحقيق هذا الهدف ذو النتائج طويلة المدى على الجانب الاجتماعي والثقافي، على عامل نفسي مهم يتمثل في شعور المواطنين بفخر مشوب بالتحدي تجاه المؤسسات المالية الدولية التي يبدو في ظاهرها تدعم الدول لكنها في الأصل تكرس تبعيتها وتقلص حظوظ تلك الدول في تجاوز الارتباط الخانق بالمنظومة الدولية المتحكمة في القرارات ومصير الأمم.

ويوضح د. الطيب الطويلي: “أن تعقيد الإجراءات وطول الصفوف والبيروقراطية، يجعل من تذمّر المواطن متنفسا لفظيا لا يهدف إلى التغيير بقدر ما يهدف إلى التعبير عن الإحباط داخل الإطار القائم. خاصة مع ظهور بعض الحملات الممنهجة لضرب الإدارة التونسية وتقزيمها، مثل تلك الدراسة الشهيرة التي يقال إن الجمعية التونسية لمكافحة الفساد قد أعدّتها سنة 2014 لتقول إنّ معدل الوقت الذي يقضيه الموظف التونسي في العمل الفعلي لا يتجاوز 8 دقائق في اليوم. وهو رقم خاطئ وغير منطقي ومُغرض، ولقد جال بشكل كبير في مختلف وسائل الإعلام التونسية التي تبنّته دون أي إثبات أو تبرير. ودون محاسبة لمصدر هذا الدراسة المزعومة. وبقيت قصّة الدقائق الثمانية في ذهن التونسي، وظل يتعامل مع الإداري على أنه متقاعس ومتكاسل، رغم أن الموظف التونسي يشتغل حجماً من الساعات يفوق بكثير الأعمال في قطاعات أخرى، ورغم أن الإدارة التونسية أثبتت جدارتها في لحظات تاريخية فارقة في التاريخ التونسي”.

ويضيف: “هناك إشكاليات بيروقراطية تدفع المواطنين إلى اللجوء إلى الرأسمال الاجتماعي كشبكات العلاقات الشخصية و”الواسطة” لتجاوز العقبات. وإنّ العلاقة مع الموظف العمومي، سواء كانت قائمة على المجاملة أو المعرفة، تصبح وسيلة لتسييل هذا الرأسمال. هذا السلوك يعزز من الارتباط الرمزي، حيث أن المؤسسة رغم ضعفها، لا تزال تتيح للمواطن فرصة التفاوض الفردي مع سلطتها”.

ويعتبر الطويلي أن “الموطن التونسي يعيش حالة من الازدواجية، إذ ينتقد الأداء البيروقراطي ولكنه ينخرط فيه، ويدافع عن الوجود الرمزي للمؤسسة ويهاجمها. ففقدان هذه المؤسسات يعني بالنسبة له فقدان جزء من الضمان الاجتماعي وتفكيكا لهوية الدولة التي طالما مثلت رافعة له. لذا، يظل التحدي هو كيفية الحفاظ على هذا الارتباط الرمزي مع رفع مستوى الكفاءة ليوازي قيمة هذه الملكية الوطنية في وعي المواطن”.

رغم التحديات الاقتصادية الكبيرة، أظهرت المؤشرات الأخيرة أن تونس تمكّنت من تجاوز بعض الصعوبات المرتبطة ببرامج التمويل الدولية، بما في ذلك التعامل مع صندوق النقد الدولي. هذا النجاح الاقتصادي الجزئي، الذي ينعكس في أرقام النمو، تحقق مع تحمل المجتمع لتكاليف ملموسة تتمثل في ارتفاع الأسعار، وزيادة الضرائب، وتقليص بعض الدعم، مما أضاف ضغوطا على القدرة الشرائية للمواطنين وأثر على مستويات المعيشة اليومية.

حتى مع تذمر الناس من الأعباء الاقتصادية، يظل لديهم إدراك رمزي بأن مواجهة مثل هذه المؤسسات تُعبر عن استقلال القرار الوطني وقدرة تونس على حماية سيادتها الاقتصادية، وهو ما يخلق نوعا من التوازن النفسي بين الصعوبات اليومية والفخر الوطني.

ومع ذلك، يظل هذا النجاح الاقتصادي محدودا وغير مضمون الاستدامة ما لم تُصاحب هذه المؤشرات بإصلاحات هيكلية تدعم النمو، وتحمي الفئات الأكثر تأثرا من الأعباء الاقتصادية، وتحقق توازنا بين الاستقلال المالي الوطني والالتزامات الدولية. إن قراءة هذا الوضع تتطلب التفريق بين نجاح قصير المدى على المستوى الاقتصادي والواقع الاجتماعي والتحديات الطويلة الأجل، مع الاعتراف بالدور الرمزي للفخر الوطني في تماسك الرأي العام.

تأسست المؤسسات العمومية في تونس بعد الاستقلال، حيث كانت تمثل رمزاً للسيادة الوطنية. على مر السنوات، أصبحت هذه المؤسسات جزءاً من الهوية الجماعية للتونسيين، مما جعلها محط اهتمام كبير في النقاشات حول الإصلاحات الاقتصادية. في الوقت الحالي، تواجه هذه المؤسسات تحديات كبيرة تتعلق بالأداء والتمويل، مما يستدعي التفكير في حلول فعالة للحفاظ على دورها الاجتماعي والاقتصادي.

تعتبر المؤسسات العمومية في تونس محورية في تحقيق التوازن الاقتصادي، حيث تلعب دوراً مهماً في تقديم الخدمات الأساسية. ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية والسياسية تدفع نحو إعادة النظر في كيفية إدارتها، مما يثير مخاوف من خصخصتها وتأثير ذلك على المواطنين. يتطلب الوضع الحالي حواراً جاداً حول كيفية إصلاح هذه المؤسسات دون التفريط في ملكيتها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here