افريقيا برس – تونس. في ظل الظروف الاقتصادية والصحيّة الصّعبة التي تمرّ بها البلاد والأزمة السياسية الرّاهنة بين مختلف أطراف الحكم، تنامى الحديث عن فشل المسئولين المنتخبين لإدارة الشأن العام قصد إيجاد حلول لمجمل القضايا السياسية والاقتصادية وغيرها من المجالات التي تمسّ المواطن. حتّى بات العوام ينتقدون بشدّة مسؤولي الدولة في كلّ حين وآن، صباحا مساء ويوم الأحد، وقبل الصباح وبعد المساء ويوم الأحد كما يقول الشاعر أولاد أحمد. من بين الإنتقادات التي تتكرّر قول بعضهم : “انتخبناهم ليحلّوا لنا مشاكلنا ويوجدوا لنا فرص عمل ويسرّعوا في نسق التنمية فإذا بهم يلتفتون إلى مصالحهم وباتوا يتقاتلون فيما بينهم تلبية لنزوة السلطة. وقول آخرون : لقد وعدونا بتوفير التنمية ومواطن الشغل وجلب الاستثمارات والضّغط على الأسعار فانتخبناهم ولكنّهم إلى حد الآن لم ينجزوا شيئا من ذلك. وممّا زاد الطين بلّة وزاد في وضعنا سوءا أنّهم اختلفوا فيما بينهم لا بل إنّهم تعادوا حتّى غاب الحوار بينهم بما ترتّب عنه تعطيل مصالح الشعب وتراجعت نسب النموّ إلى ثمانية سالب. فما وجه الخطأ من الصواب ؟ وما وجه الحقيقة ممّا قيل ؟ وهل الحكّام الجدد هم المسئولون الوحيدون أو الحصريون عمّا جرى ويجري في البلاد وما حدث من أزمات اقتصادية واجتماعية وصحّية؟ أم أنّ في ذلك تجنّي على الحقيقة ؟
في تقديري في المسالة وجهين بعبارة الفقهاء. وجه موضوعي ووجه ذاتي. فأمّا الموضوعي فطبيعيّ أن تتقلّص نسب النمو وتنحصر فرص التنمية في ظلّ الفترة الانتقالية لأنّها تكاد تكون فترة حرب على كلّ الجبهات : حرب ظاهرة أو خفيّة، بين الثورة والثورة المضادّة، بين الدولة والدولة العميقة. ففي الفترة الانتقالية فريق يحاول برمجة المشاريع وفريق يحاول تعطيلها بكلّ السبل. بحيث لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية وارتفاع نسب نموّ وتحريك عجلة الدورة الاقتصادية إلاّ بانتهاء المرحلة الانتقالية وانتصار أحد الطرفين على الآخر.
وأمّا الوجه الذّاتي فهو يتعلّق بالشعب أساسا وكلّ المكوّنات الممثّلة له من أحزاب وتيّارات فكرية ومنظّمات وجمعيّات. فإذا لم يستوعب الشعب الثورة التي حدثت ويتبنّاها قلبا وقالبا، قولا وممارسة فلن تنجح الثورة ولن تتحقّق بالتّالي التنمية الحقيقية التي نحلم بها. لأنّ التنمية هي نتيجة من نتائج نجاح الثورة وتحقيق التنمية من ثمرات نجاح الثورة. فما نلاحظه اليوم دليل قاطع على أنّ النّاس تتعامل مع الثورة بمنطق الأجير لا بمنطق الشريك، وبمنطق العاجز عن حمل أمانة الثورة. لذلك فبمجرّد إعلان نتائج الانتخابات ألقوا بها على عجل في أحضان السّاسة الجدد وحمّلوهم وزرها ووزر التفريط فيها. وجعلوا من أنفسهم أجراء عند السّاسة الجدد،كما في عهد الاستبداد. وظلّوا ينتظرون التعليمات ولا يندفعون في اتجاه المشاركة والمساهمة في إيجاد الحلول واتخاذ القرارات. وهو نفس منطق بني “إسرائيل” الذين خاطبوا النبي موسى بالقول ” قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ “. وهو توجّه سلبيّ مشوب بعدم الثقة بالنّفس وبالتنكّر للمسؤوليات وللأمانات. فالثورة كما التنمية لا تبنى ولا تصنع بالوكالة ولا بالمناولة بل باستيعابها والانخراط فيها. فمن أراد إنجاح مسار الثورة وإحلال التنمية فلينخرط بنفسه في عملية البناء. وهذا ما فعله الصحابة في غزوة بدر عندما استشارهم الرسول في ملاقاة العدو في غزوة بدر فقام المقداد ابن عمرو وقال : “يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو “إسرائيل” لموسى ‘فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ’، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه”. بهذه العقلية وهذا التصرّف الإيجابي انتصرت الدعوة وبلغت الآفاق. في حين تتعثّر الثورة عندنا اليوم بسبب السلوكيات المرضية التي تغذّيها المطلبية المشطّة المجرّدة من الإحساس والشّعور بالمسؤولية. فالسواد الأعظم من النّاس اليوم يطالبون الحكومة باتّخاذ مواقف جريئة ومواقف النّد للند باتّجاه فرنسا والدول الاستعمارية ولكنّهم يستهلكون في المقابل سلعا غربيّة. كما أنّ الشركات الرسمية وغير الرسمية تعلّب وتشهر منتوجها المحلّي باللغة الأجنبية و يشهر التجار أنشطتهم باللغة الأجنبية كما أنهم يضعون لافتات إشهارية على محلاّتهم باللغة الفرنسية. فكيف بأناس يقلّلون من شأن لغتهم أن ينصروا ثورتهم ؟
في سياق متّصل فإن القرارات المتعلّقة بالحجر الصّحّي المعلنة قبل حلول شهر رمضان جاءت لتأكّد أنّ توقيت الحجر يبدأ من السّاعة السابعة مساء إلى السّاعة الخامسة صباحا. وتفاعلا مع ذلك أصدرت وزارة الشؤون الدينية بلاغا تفسّر فيه للمصلّين أنّ الحجر الصحّي يشمل صلاة المغرب والعشاء والصبح. علما وأنّ صلاة الصبح تقام على السّاعة الخامسة إلاّ خمس دقائق وصلاة المغرب تقام على السّاعة السابعة إلاّ خمس دقائق. وقد امتثل لذلك أغلب الإطارات المسجدية. في حين أنّه كان بالإمكان الاجتهاد وتأخير صلاة الصبح إلى ما بعد الخامسة صباحا للتوافق مع بلاغات الحجر الصّحّي(لأن وقت الشروق يكون عندئذ على الساعة 5 و50 دقيقة). إلّا أن ذلك لم يحصل لأنّ المسئولين بمختلف درجاتهم ومن ورائهم المواطنين لا يزالون مسكونين بالخوف وتنقصهم جرأة اتخاذ المواقف رغم مطالبتهم الحكومة باستمرار باتخاذ قرارات جريئة.وخلاصة القول، أنّه لا يمكن نصر ودعم الثورة وإحلال التنمية برجال من زمن الثورة يعيشون بنفسيات مهزومة لم تتخلّص بعد ولم تنعتق من كابوس الاستبداد. و لكن كيف السبيل لتجاوز هذا الخوف وبناء مواقف عقلانية وجريئة وفاعلة. ذلك هو السّؤال الحارق الذي يجب أن يطرح راهنا.





