آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
تراجع الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي عن استقالته يثير جدلاً في تونس. بوبكر عكرمي، الناشط المدني، يوضح أن هذه الخطوة تأتي كدفاع ضد محاولات إقصائه. ويشير إلى ضرورة إصلاح الاتحاد لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه البلاد، محذراً من غياب اتحاد قوي ومستقل قد يؤدي إلى احتجاجات.
أفريقيا برس – تونس. يعيش المشهد النقابي في تونس حالة من الجدل، وذلك عقب عودة الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، مؤخرًا، عن قرار الاستقالة من منصبه، والذي كان قد أعلن عنه في أواخر ديسمبر الماضي.
وأشار بوبكر عكرمي، الناشط المدني والنقابي، في حواره مع “أفريقيا برس”، أن “عودة الطبوبي عن قرار الاستقالة هي خطوة دفاعية لمنع سيناريو إقصائه وإعادة ترتيب المنظمة بتعلة الأطر الديمقراطية والتنظيمية، كما أن عودته تشكّل ضربة قاضية للمجموعة التي كانت تتربّص به وتسعى إلى إنهاء دوره داخل المنظمة”.
ورأى أن “إنقاذ الاتحاد لا يكون بالترقيع ولا بتغيير الوجوه فقط، بل بقطيعة واضحة مع البيروقراطية النقابية وبالعودة إلى جوهر العمل النقابي القائم على الدفاع عن العمال والجهات والطبقات المهمشة، والاقتراب أكثر من العمال والاستماع الحقيقي لهم”، محذرًا من أن “غياب اتحاد قوي ومستقل يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة مثل نشوب احتجاجات وتوترات اجتماعية غير مؤطرة، ما يشكل خطرًا على الدولة”.
واعتبر أن “البلاد أمام اتحاد مأزوم، ومعارضة بلا خيال اجتماعي، وسلطة تمسك الدولة لكنها لم تمسك بعد بالحل. وفي كل ذلك، يبقى الخاسر الأكبر هو الطبقات الشعبية، في الوقت الذي لم ينجح فيه مسار 25 جويلية في تقديم إجابات اقتصادية واجتماعية حقيقية”، وفق تقديره.
وبوبكر عكرمي هو ناشط مدني تونسي معروف بمشاركاته في الحركات الاجتماعية والدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية في تونس وخارجها. وقد شارك في الحراك الاجتماعي في مناجم قفصة منذ 2002. تم اعتقاله في 2008 وحُكم عليه بالسجن، ثم خُفّض الحكم في الاستئناف. كان فعالاً في ثورة 2011 وشارك في اعتصامي القصبة 1 و2 بعد الثورة. وهو عضو مؤسس في التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية التي تأسست سنة 2016، والتي تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والدفاع عن الحقوق والسيادة الوطنية. وهو أيضًا ناشط أممي، فقد شارك في القافلة العالمية «March to Gaza» لكسر الحصار عن غزة وكسر العزلة عن القضية الفلسطينية. كما شارك أيضًا في القافلة البرية «الصمود» لكسر الحصار في جوان/ يونيو الماضي.
ماهي دوافع تراجع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي عن الاستقالة؟ وهل كانت مناورة لتفادي الإضراب العام؟
تبدو استقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في جوهرها نتيجة ضغوط داخلية قوية أكثر منها خطوة سياسية مدروسة. فقد جاءت في سياق شعوره بعدم جدّية ما يُعرف بـ«مجموعة التسعة» في إنجاح الإضراب العام الذي كان مقررًا يوم 21 جانفي، إضافة إلى غياب الإرادة الحقيقية لعقد مؤتمر استثنائي أو مؤتمر سابق لأوانه في أواخر مارس من السنة الجارية. عندما تبيّن له أن الإضراب يتم تفريغه من مضمونه، وأن مسار المؤتمر الاستثنائي يتم تعطيله أو الالتفاف عليه، اختار الاستقالة كنوع من الاحتجاج ورسالة سياسية داخل المنظمة. غير أن المعطيات تغيّرت لاحقًا. فقد بلغه، عبر بعض المقربين، أن المجموعة المتبقية داخل المكتب التنفيذي قررت ترميم المكتب وإعادة توزيع المهام فيما بينها بعد انقضاء الآجال القانونية للاستقالة، ومواصلة العمل دون مؤتمر سابق لأوانه. وهو ما يعني عمليًا التخلّص من الأمين العام ومن بن قدور ومن الفقيد منعم عميرة وتعويضهم، أي إقصاء سياسي وتنظيمي مغلّف بإجراءات شكلية. في هذا السياق، جاءت عودة الأمين العام وتراجعه عن الاستقالة، خاصة وأن ذلك حصل بعد فوات آجال برقية التنبيه بالإضراب، وهو ما شكّل ضربة قاضية للمجموعة التي كانت تتربّص به وتسعى إلى إنهاء دوره داخل المنظمة.
هذا التطور فسّر أيضًا حالة التوتر التي بلغت حدّ التهجّم عليه داخل مكتبه من قبل أحد الأطراف المتضرّرة من هذا التراجع. ويبدو أن الأمور تتجه نحو عقد هيئة إدارية يوم الخميس القادم، مع العودة إلى قرارات المجلس الوطني المنعقد في سبتمبر الماضي، وخاصة ما يتعلق بالذهاب إلى مؤتمر استثنائي في مارس، مع تأجيل الإضراب العام إلى ما بعد المؤتمر وترك القرار للمكتب التنفيذي القادم. وعليه، فإن تراجع الأمين العام عن الاستقالة لا يمكن اختزاله في كونه مناورة لتفادي الإضراب، بل هو خطوة دفاعية لمنع سيناريو إقصائه وإعادة ترتيب المنظمة بتعلة الأطر الديمقراطية والتنظيمية، وهذه صنيعته هو ويدرك جيدًا هذه المقالب.
هل يوجد تيار ثالث داخل الاتحاد العام التونسي للشغل يسعى لحماية المنظمة من التفكك؟
لا وجود، في تقديري، لما يمكن تسميته تيارًا ثالثًا داخل الاتحاد العام التونسي للشغل. فالصراع القائم داخل المنظمة لا تحكمه اليوم تيارات فكرية أو نقابية واضحة ببرامج ورؤى متمايزة، بل تحكمه بالأساس صراعات مواقع وتوازنات ظرفية داخل الهياكل القيادية. ما يُروَّج له أحيانًا كـ«تيار ثالث» هو في الواقع تيار من خارج الاتحاد، يحاول التأثير في مساراته واستثمار حالة الارتباك والانقسام داخل القيادة النقابية، أكثر مما يعكس وجود قوة داخلية منظمة لها مشروع إصلاحي متكامل. أما ما يُسمّى بالمعارضة النقابية، فهي بدورها مشتّتة، ضعيفة البنية، وتفتقر إلى برامج واضحة أو تصورات بديلة قادرة على استقطاب القواعد النقابية أو فرض نفسها كقوة ضغط حقيقية داخل المنظمة. وهو ما يجعل الحديث عن تيار ثالث داخل الاتحاد أقرب إلى توصيف إعلامي منه إلى واقع نقابي ملموس.
كيف يمكن إنقاذ اتحاد الشغل والحفاظ على دوره النقابي؟
هل بوسع النقابيين القدامى لملمة شتاته من جديد؟ إنقاذ الاتحاد لا يكون بالترقيع ولا بتغيير الوجوه فقط، بل بقطيعة واضحة مع البيروقراطية النقابية وبالعودة إلى جوهر العمل النقابي: الدفاع عن العمال والجهات والطبقات المهمشة والاقتراب أكثر من العمال والاستماع الحقيقي لهم، وعدم اعتبار الموقع النقابي منصبًا وظيفيًا للتمعش وعقد الصفقات مع الإدارة على حساب الكادحين.
النقابيون القدامى الذين ما زالوا أوفياء للخط الاجتماعي النضالي يمكن أن يكونوا جزءًا من الحل، لكن بشرط ألا يعودوا كأوصياء، بل كمسندين لمسار تجديد حقيقي، يفتح المجال أمام جيل جديد نظيف اليد، واضح الموقف، وغير قابل للتوظيف السياسي.
ما تأثير وارتدادات أزمة الاتحاد على المشهد التونسي؟
أزمة الاتحاد هي زلزال في المشهد التونسي، لأنه كان آخر جسم وسيط حقيقي بين الدولة والمجتمع. لكنني لا أعتقد أنها تعني نهاية الأجسام الوسيطة، بل نهاية نموذجها القديم. غياب اتحاد قوي ومستقل يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة: احتجاجات عفوية بلا أفق، توترات اجتماعية غير مؤطرة، أو قمع مباشر دون وساطة. وهذا خطر على الدولة قبل أن يكون خطرًا على المجتمع.
كيف تقرأ تعاطي السلطة التونسية مع الأزمات المناخية والسيول، ولماذا يتواصل عجز البنية التحتية؟
تتعامل السلطة التونسية مع التقلبات المناخية والسيول الأخيرة بالمنهج نفسه الذي تتعامل به مع بقية الملفات الوطنية: منهج ارتجالي، ظرفي، يذكّر بإدارة الأزمات في دول العالم الثالث، حيث لا برامج طويلة المدى، ولا استشراف، ولا تصورات واقعية، ولا سياسات استباقية تمنع الكارثة قبل وقوعها. السلطة لا تتحرك إلا بعد حدوث الفعل، فتدخل في منطق رد الفعل: مسؤول يجري هنا، وآخر يظهر هناك، صور استعراضية، وزيارات فجائية، دون معالجة جذرية أو مساءلة حقيقية. وفي المقابل، يساهم بعض المواطنين، بشكل أو بآخر، في تعميق الأزمة، سواء عبر البناء الفوضوي أو الاعتداء على الملك العمومي، لكنهم في الوقت ذاته يتذمرون ويطالبون بالمحاسبة، في حلقة مفرغة تتكرر مع كل كارثة. وفي ختام المشهد، يظهر رأس السلطة في زيارة ميدانية محسوبة: يمشي بضع خطوات تحت عدسات الكاميرات، يطرح أسئلة، يغضب، يثور، يتوعد، يروي حكاية قصيرة أو يلقي موعظة مستوحاة من زمن الفرزدق، ثم يغادر. بعد ذلك، تُستدعى رئيسة الحكومة، تُطلق عبارات الشجب والاستنكار، تُستحث الهمم، ويُلوّح بمحاسبة “الخونة والعملاء”. لكن ما إن يطلع صباح اليوم التالي، حتى يُنسى كل ما جرى، ويعود الخطاب الرسمي إلى مربعه المألوف: العشرية السوداء، الارتماء في أحضان الخارج، المؤامرات، والمتربصون بتونس. وهكذا ينتهي المشهد كما انتهت مشاهد كثيرة قبله: لا محاسبة، لا إصلاح، لا بنية تحتية متطورة، ولا سياسة وقاية، فقط انتظار الكارثة القادمة.
هل يمكن أن يشهد ملف الحريات انفراجة في ظل تواصل تحركات المعارضة وتوظيفها للشارع؟
لا أراهن كثيرًا على شارع يُستعمل كديكور سياسي. بالعكس، بعض التحركات تساهم في تلميع صورة النظام باعتبارها لا تتعرض للقمع، والاحتجاج حين لا يكون مرتبطًا بمطالب اجتماعية واضحة، وملفات حارقة وحين لا يربط بين الحرية والعدالة الاجتماعية، يتحول إلى فعل رمزي محدود الأثر. انفراجة الحريات لا تتحقق فقط بالضغط، بل عندما تشعر السلطة أن كلفة القمع أصبحت أعلى من كلفة الانفتاح، وأن المجتمع منظم لا مجرد حشود ظرفية. إلى حد الآن، هذا الشرط لم يكتمل.
هل يمكن للسلطة أن تفتح باب الحوار إذا توسعت احتجاجات المعارضة؟
السلطة الحالية لا تؤمن بالحوار كخيار استراتيجي، بل كتكتيك عند الضرورة. في حال توسعت الاحتجاجات، إما سنشهد تشديدًا للقبضة، أو حوارًا محدودًا ومشروطًا، غالبًا بلا مضمون حقيقي… الحل يكمن في العودة إلى روح تشاركية فعلية تفترض الاعتراف بالأزمة، ووجود شريك اجتماعي حقيقي، ورؤية اقتصادية واضحة، وهي عناصر لا تبدو متوفرة إلى اليوم.
برأيك، هل نجح مسار 25 جويلية في تحقيق تطلعات الشارع التونسي اجتماعيًا واقتصاديًا؟
بكل وضوح: لا. نجح مسار 25 جويلية في كسر منظومة سياسية فاسدة وإيقاف العبث المؤسساتي، لكنه فشل إلى الآن في تقديم إجابات اجتماعية واقتصادية حقيقية. المقدرة الشرائية تراجعت، البطالة مستمرة، والأفق الاقتصادي ما زال غامضًا… عدم وجود محكمة دستورية كذلك يعتبر من النواقص. الشارع لا يعيش على الخطاب، مهما كان سياديًا، بل على الخبز والعمل والكرامة. الشرعية لا تُستدام بالشعارات، بل بالإنجاز الملموس.
في الختام، نحن أمام اتحاد مأزوم، ومعارضة بلا خيال اجتماعي، وسلطة تمسك الدولة لكنها لم تمسك بعد بالحل. وفي كل ذلك، يبقى الخاسر الأكبر هو الطبقات الشعبية، ما لم يُعاد بناء الفعل الاجتماعي من القاعدة، بعيدًا عن الشعبوية، وبعيدًا عن الحنين العقيم للماضي.




