رمضان والسجون المفتوحة في تونس

رمضان والسجون المفتوحة في تونس
رمضان والسجون المفتوحة في تونس

صلاح الدين الجورشي

أفريقيا برس – تونس. طعم شهر رمضان مختلف عند عائلات المساجين السياسيين، فمعاناتها أشد مما يتعرّض له أبناؤها. تذكر زوجة عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري (في تونس) الذي يقضي رابع رمضان في السجن أنها “لا تستطيع الفرح بهذا الشهر مثل بقية خلق الله”. أما الصحافي محمد غلّاب الذي أمضى 11 شهراً في السجن، فقد استحضر معاناة رمضان وراء تلك الأسوار، وتحدث عن معاناته مع “القفّة” التي تصبح “الرابط الوحيد بالعائلة، هذا إن وُجدت، وكيف يتحوّل الانتظار إلى طقس ثقيل”. ويتذكّر والدته “الطاعنة في السن وهي تُعدّ له الطعام رغم أوجاعها”، فالسلطة تعاقب الأسرة أكثر بكثير من خصمها السياسي.

أخيراً، أُفرِج عن القاضي المُعفى والرئيس السابق لجمعية القضاة الشبان، مراد المسعودي، وهذا خبر جيد، مقابل الحكم على الناشط البيئي في قابس بسبب مشاركته في الاحتجاجات أخيراً…. تمنّى عشرات المساجين أن يطلق سراحهم لكي يحتفلوا مع أسرهم بالشهر الكريم بعد محاكمتهم، منهم رئيس حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري، لطفي المرايحي، الذي أصر على الترشح للانتخابات الرئاسية، رغم إدراكه أن قواعد اللعبة تغيرت تماماً. والسجين الآخر الذي نسيه الجميع، المهندس الهاشمي الزمال الذي راهن عليه بعضهم، فكان جزاؤه 30 قضية بالتهمة نفسها، وتحوّل حلمه الديمقراطي إلى كابوس مخيف.

“السجن أبشع المحن التي يتعرّض لها الإنسان”. صاحب هذه القولة رجل الأعمال توفيق المكشر، من رجال الأعمال، ورئيس نادي الشابة. أُوقِف ضمن رجال أعمالٍ عديدين وجهت إليهم تهمتا الفساد وتبييض الأموال. قبل بصيغة الصلح الجزائي، ما شجع آخرين على تسوية أوضاعهم بالآلية القانونية نفسها، لكن طول الإجراءات لم ينقذ والدته من الموت. سمحت له إدارة السجن بحضور الجنازة، وهذا امتياز حُرمَه غيره. هناك انهار أمام جثمان الأم، وبكى معه جميع من حضروا الدفن. ثم عادوا به إلى زنزانته لينتظر حكماً قد يسحب منه كل ما حصل عليه في حياته.

هناك اختلاف عميق في تونس بشأن فهم كلمة “القانون”، فرأس السلطة يؤكد أن ما حصل ويحصل وفق القانون. وفي المقابل، يؤكّد الخبراء، ومنهم الصغيّر الزكراوي، الذي صرح بأنه أصبح “يجد حرجاً كبيراً في تدريس القانون الذي أصبح يُداس يومياً”. وهو تصريحٌ عجيبٌ وخطير، لأن صاحبه يعتبر من المراجع المعتمدة في مجال اختصاصه، وثانياً بحكم أن القانون هو الذي يفصل بين العدل والظلم، ويعيد الحقوق لأصحابها. ومن دونه، تعمّ الفوضى، ويشكّ الناس في نزاهة القيادة وحياد القضاء.

لا يزال رمضان فرصة لإخراج التونسيين من دوامة السجون ووضع حد لمسلسل المحاكمات السياسية. مع ذلك، هناك من يريد لهذا المسلسل أن يستمر. إذ يجري الحديث عن مشروع قانون سيُعرض على البرلمان يدعو إلى حلّ حركة النهضة وتجريم الانتماء إليها باعتبارها حركة إرهابية. ورغم أن المسألة لم تتجاوز لجنة التشريع العام، لكن مجرّد التفكير في الأمر يدل على وجود رغبة في أن يتولّى هذا البرلمان القضاء على التعدّديتين، السياسية والحزبية، وبالتالي، العودة بالبلاد إلى مرحلة ما قبل التعدّدية الشكلية لحقبة الرئيس بن علي، ما من شأنه أن يدفع المتمسّكين بالنشاط القانوني إلى التفكير في الوسائل غير السلمية. ولا نعتقد أن ذلك سيكون في مصلحة البلاد. فمن شأن سياسة الغلق والملاحقة أن تدفع أنصار حركة النهضة ذات الحجم الهام إلى الدفاع عن كيانهم وتاريخهم السياسي. ويترتب عن تلك المواجهة مزيد من الاعتقالات والمحاكمات وبناء سجون جديدة.

لم تعد تونس تتحمل أن تستمر هذه الأجواء القاتمة. لهذا لا تزال عائلات المساجين متعلقة بأملٍ، وإن كان ضعيفاً، في أن تعيد السلطة حساباتها، فتفتح الأبواب وتطلق سراح المئات من خصومها، وتنطلق في وضع سياسة جديدة. هل هذا الاحتمال واقعيٌّ أم هو من أوهام تبخّرت عبر الأيام؟

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here