مع تجديد حال الطوارئ.. هواجس مجتمعية وصراع سياسي متأجج

مع تجديد حال الطوارئ.. هواجس مجتمعية وصراع سياسي متأجج
مع تجديد حال الطوارئ.. هواجس مجتمعية وصراع سياسي متأجج

روعة قاسم

أفريقيا برس – تونس. تخيم على المشهد السياسي في تونس منذ فترة حالة من الاحتقان المتصاعد تعكس عمق الأزمة التي تمرّ بها البلاد، حيث تتسم العلاقة بين السلطة من جهة، والمعارضة والأجسام الوسيطة من جهة أخرى، بدرجة عالية من التوتر وانعدام الثقة. هذا الاحتقان لا ينفصل عن السياق الاقتصادي الصعب الذي تعيشه تونس، والمتمثل في تراجع المؤشرات الاقتصادية، وارتفاع نسب البطالة والتضخم، وتدهور القدرة الشرائية، وهو ما عمّق الشعور العام بالقلق الاجتماعي وضيّق هوامش التوافق السياسي. وزاد الإعلان المتكرر عن حالة الطوارئ من حدة هذا المناخ المتأزم، إذ أعاد إلى الواجهة النقاش حول التوازن بين مقتضيات الأمن والاستقرار من ناحية، واحترام الحريات العامة والحقوق السياسية من ناحية أخرى.

وفي ظل هذا الوضع المركب، تبدو الساحة التونسية وكأنها تعيش حالة شدّ وجذب مستمرة بين منطق الدولة الباحثة عن فرض النظام ومواجهة المخاطر، ومنطق الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المطالبين بضمان المشاركة والتعبير والوساطة. وهو ما يجعل احتقان الوضع السياسي أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة وربما المرحلة المقبلة أيضا.

حالة شبه دائمة

منذ الإعلان الأول عن حالة الطوارئ في تونس في خريف سنة 2015، إثر الهجوم الإرهابي الذي استهدف حافلة الأمن الرئاسي، لم تعد هذه الحالة مجرّد إجراء استثنائي ظرفي مرتبط بتهديد محدّد، بل تحوّلت تدريجيًا إلى أحد العناوين الكبرى التي تؤطر علاقة الدولة بالمجتمع، وبالفضاء السياسي، وبالاقتصاد، وبالحقوق والحريات. ففي كل مرة يُعلن فيها عن تمديد جديد لحالة الطوارئ، يتجدد النقاش ذاته: هل ما تزال البلاد تواجه خطرًا أمنيًا يبرّر الاستثناء؟ أم أن هذا الاستثناء بات أداة دائمة لإدارة أزمة أعمق، تتجاوز الإرهاب لتشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع؟

وتستند حالة الطوارئ في تونس على الأمر عدد 50 لسنة 1978، الذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية عند وجود خطر داهم يهدّد الأمن العام أو سلامة الدولة. ورغم أنّ هذا الإطار القانوني صيغ في سياق تاريخي مختلف، فقد أعيد توظيفه بعد الثورة في ظل غياب قانون حديث وشامل ينظّم الحالات الاستثنائية وفق المعايير الدستورية والحقوقية الحديثة. وقد مكن هذا الفراغ القانوني النسبي السلطة التنفيذية من توسيع نطاق العمل بحالة الطوارئ، سواء من حيث المدة أو من حيث طبيعة الإجراءات، من دون رقابة برلمانية فعلية أو آليات مراجعة دورية.

لقد جاء إعلان حالة الطوارئ في بداياته استجابةً لتهديد وجودي حقيقي، فقد وجدت تونس نفسها، بعد 2011، في مواجهة تنظيمات إرهابية استغلت هشاشة المرحلة الانتقالية، وضعف السيطرة على الحدود، والانهيار الأمني في ليبيا، لتنفّذ عمليات دامية استهدفت المؤسستين الأمنية والعسكرية، والقطاع السياحي، ورموز الدولة. في تلك المرحلة، لم يكن الأمن مطلبًا سلطويًا بقدر ما كان حاجة مجتمعية ملحّة، وبدت الإجراءات الاستثنائية، رغم قسوتها، ثمنًا مقبولًا لتفادي الانزلاق نحو الفوضى الشاملة.

غير أنّ المسار الذي سلكته حالة الطوارئ بعد ذلك كشف عن تحوّل نوعي في طبيعتها ووظيفتها. فمع مرور السنوات، تراجعت العمليات الإرهابية الكبرى، وتفككت التنظيمات المسلحة، ونجحت الدولة، عبر أجهزتها الأمنية والعسكرية، في استعادة السيطرة على المجال الترابي، وخاصة في المناطق الجبلية والحدودية. وبالرغم من استمرار وجود التهديدات الأمنية، إلا أن البلاد برأي البعض لم تعد تعيش تحت وطأة الخطر الإرهابي المباشر الذي يهدّد كيان الدولة أو يفرض تعبئة أمنية شاملة كما في السابق. ومع ذلك، استمر تمديد حالة الطوارئ بوتيرة منتظمة، ما أفرز شعورًا لدى البعض متزايدًا بأن الإستثناء لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من نمط الحكم.

هذا التحوّل لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الإقليمي المضطرب الذي لا تزال تونس جزءًا منه. فعدم الاستقرار في ليبيا، وانتشار السلاح، وتنامي شبكات التهريب والجريمة المنظمة، كلها عوامل تجعل من اليقظة الأمنية، بحسب المدافعين عن هذا الخيار، ضرورة لا غنى عنها. كما أن الإرهاب، في صيغته المعاصرة، لم يعد يعتمد على تنظيمات هرمية واضحة، بل على خلايا صغيرة وأفراد معزولين يصعب رصدهم مما يتطلب اليقظة. غير أنّ هذه المعطيات، على أهميتها، لا تفسّر وحدها، برأي آخرين استمرار حالة الطوارئ في شكلها الواسع، ولا تبرّر امتدادها إلى مجالات تمسّ الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ويبرز الجنوب التونسي، مرة أخرى، كمختبر فعلي لهذا التداخل بين الأمن والاقتصاد والسياسة. فالمنطقة العازلة التي أُحدثت لأسباب أمنية بحتة، تحوّلت مع الوقت إلى فضاء يخضع لمنظومة صارمة من التراخيص والإجراءات الاستثنائية. ومن منظور الدولة، يُعدّ ذلك خيارًا وقائيًا لحماية الحدود ومنع تسلل السلاح والعناصر المتطرفة. غير أنّ هذا الخيار الأمني، حين يُفصل عن بعده التنموي، يُفرز كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة. فقد تعطّلت أنشطة تقليدية تمثّل مصدر رزق لآلاف العائلات، مثل الرعي والتجارة الحدودية، وتحوّلت الحياة اليومية للسكان إلى مسار معقّد تحكمه التصاريح والمراقبة.

هذا الواقع غذّى شعورًا متناميًا لدى البعض في تلك المناطق بأنهم يدفعون ثمنًا مزدوجًا، ثمن هشاشة أمنية حصلت خلال العشرية السابقة لم يكونوا سببًا فيها، وثمن سياسات اقتصادية وتنموية فشلت في إدماجهم في الدورة الوطنية منذ دولة الاستقلال. وهنا يتقاطع الأمن بالاقتصاد بصورة جلية، إذ لا يمكن فصل مسألة التهريب والاقتصاد الموازي عن غياب بدائل تنموية حقيقية. فالمنطقة التي تُحاصَر أمنيا بدون أن تُدعَم اقتصاديا، قد تتحوّل إلى بيئة مولّدة للهشاشة بدل أن تكون منطقة استقرار.

تأزم اقتصادي وسياسي

ويتزامن تمديد حالة الطوارئ مع استمرار الأزمة الاقتصادية للعقد الثاني على التوالي، وأبرز مظاهر هذه الأزمة تآكل القدرة الشرائية للمواطنين الذي يستمر رغم تحسن بعض المؤشرات. ومن مظاهر الأزمة أيضا استقرار نسب البطالة والفقر التي لم تتراجع مقابل تراجع الخدمات العمومية، وأيضا تواصل العجز عن تحقيق نمو مستدام. هذه الأزمة لم تقتصر آثارها على المؤشرات الاقتصادية، بل انعكست مباشرة على السلم الاجتماعي، حيث تستمر بعض الاحتجاجات القطاعية والمحلية هنا وهناك، ويستمر التوتر بين السلطة والفاعلين الاجتماعيين.

في هذا السياق، أصبحت حالة الطوارئ أداة مزدوجة الوظيفة، فمن جهة، تُبرَّر باعتبارها ضرورة لحماية الأمن العام في ظل أوضاع اجتماعية قابلة للانفجار، ومن جهة أخرى، تُستخدم لضبط الاحتجاجات والتحكم في نسقها وانتشارها. وهنا يبرز سؤال جوهري: إلى أي حدّ يمكن إدارة أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة بأدوات أمنية استثنائية؟ فالتجربة المقارنة تُظهر أن الأزمات الاقتصادية، حين تُواجَه بمنطق أمني صرف، قد تتحوّل إلى أزمات ثقة تهدّد الاستقرار على المدى المتوسط والطويل.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عند النظر إلى العلاقة المتوترة بين السلطة والمجتمع المدني. فمنذ الثورة، لعبت المنظمات المدنية والنقابية دورًا محوريًا في الحياة العامة، سواء في الدفاع عن الحقوق والحريات، أو في الوساطة الاجتماعية والسياسية. غير أنّ هذه العلاقة شهدت، في السنوات الأخيرة، تدهورًا ملحوظًا، حيث باتت بعض مكونات المجتمع المدني يُنظَر إليها، رسميًا، بعين الريبة، وتُتهَم بتجاوز أدوارها أو بخدمة أجندات خارجية.

ويرى البعض أنه في ظل حالة الطوارئ، تقلّص هامش تحرك المجتمع المدني، سواء عبر بعض القيود المفروضة على التظاهر، أو عبر التضييق الإداري والمالي، أو من خلال الخطاب السياسي الذي يميل إلى نزع الشرعية عن الفاعلين الوسطيين. هذا الوضع أضعف، بحسب هؤلاء، قنوات الحوار وعمّق الفجوة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، في وقت كانت البلاد في أمسّ الحاجة إلى التوافق والتشاركية لإدارة أزمتها المركّبة.

ملف الحريات

ويتجلّى التوتر بشكل خاص في ملف الحريات العامة، وعلى رأسها الحق في التظاهر والتنظيم النقابي والسياسي. فحالة الطوارئ تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لتنظيم أو منع التجمعات، وهو ما انعكس عمليًا على تحركات الأحزاب السياسية والنقابات. ففي ظل أزمة اقتصادية خانقة، وجدت النقابات نفسها أمام معادلة صعبة، وتتمثل في الدفاع عن المطالب الاجتماعية من جهة، والعمل في فضاء قانوني وأمني مقيّد من جهة أخرى.

وأطلق عدد من النشطاء السياسيين والمدنيين إلى جانب صحافيين ومثقفين، عريضة مفتوحة للدفاع عن استقلال الإعلام وحرية الصحافة في تونس. واعتبر الموقّعون أن ما يشهده المشهد الإعلامي من تدخلات وضغوط وملاحقات قضائية يمثّل مساسا خطيرا بالحقوق والحريات الأساسية المكفولة دستوريا وبالمواثيق الدولية المصادق عليها، وانحرافًا عن أسس دولة القانون والضمانات الضرورية لحماية حق المواطنين في إعلام حر ومستقل وذي مصداقية.

وندّد الموقعون بملاحقة عدد من الصحافيين وأصحاب المؤسسات الإعلامية والمدونين والنشطاء، ومحاكمتهم استنادا إلى المرسوم عدد 54، إلى جانب فصول من المجلة الجزائية ومجلة الاتصالات وقانون مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، معتبرين أن ذلك يستعمل لترهيب الأصوات المنتقدة ودفعها إلى الرقابة الذاتية. وطالب الموقعون بإلغاء المرسوم 54 وضمان استقلالية الإعلام العمومي وتفعيل الهيئات المستقلة والتوقف عن الاستناد إلى القوانين المهددة للحريات في محاكمة الصحافيات والصحافيين وأصحاب الرأي.

وتؤكد السلطة، في خطابها الرسمي، أن هذه القيود لا تستهدف الحريات في حدّ ذاتها، بل تهدف إلى الحفاظ على النظام العام ومنع الانزلاق نحو الفوضى، خاصة في سياق اجتماعي متوتّر. غير أنّ منتقدي هذا الطرح يرون أنّ الخلط بين الاحتجاج الاجتماعي والتهديد الأمني يفتح الباب أمام تأويل واسع لمفهوم الأمن القومي، قد يُستخدم لتبرير التضييق على التعبير السياسي المشروع.

ويؤكد البعض على أنه لا يمكن تجاهل البعد القضائي والحقوقي لهذا المشهد. فحالة الطوارئ، بما تتيحه من إجراءات استثنائية، أثّرت برأيهم على التوازن بين السلطة التنفيذية والقضاء، وطرحت إشكاليات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، وبحدود التتبعات المرتبطة بقضايا الأمن العام. كما أثارت انتقادات من منظمات حقوقية اعتبرت أن الاستثناء، حين يطول أمده، يفقد مبرّراته ويتحوّل إلى قاعدة تُقوّض دولة القانون.

تراجع دور الأحزاب

كما أفرزت التحوّلات السياسية التي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة وضعًا غير مسبوق للأحزاب السياسية، اتّسم بتراجع دورها في الفضاء العام، وتآكل قدرتها على الفعل والتأثير، ووجود عدد من قياداتها التاريخية والراهنة في السجون أو تحت التتبعات القضائية. فبعد أن كانت الأحزاب، على اختلاف توجهاتها، عنصرًا مركزيًا في إدارة المرحلة الانتقالية بعد الثورة، وجدت نفسها تدريجيًا خارج دائرة القرار، ثم في موقع الشبهة، وصولًا إلى مرحلة بات فيها النشاط الحزبي نفسه محلّ تشكيك سياسي وأخلاقي. هذا التحوّل لم يكن معزولًا عن السياق العام الذي اتّسم بتركيز السلطة التنفيذية، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية، وربطها بما يُقدَّم على أنه إرادة شعبية مباشرة، مقابل التشكيك في شرعية الأجسام الوسيطة، وفي مقدمتها الأحزاب.

لقد شهد المشهد الحزبي التونسي، منذ 25 تموز/يوليو 2021، انكماشًا حادًا في هامش الحركة، سواء من حيث القدرة على التعبئة، أو النفاذ إلى الإعلام، أو التأثير في السياسات العامة. ومع تصاعد الخطاب الرسمي الذي يحمّل الأحزاب مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد خلال العقد الماضي، ترسّخت صورة سلبية للعمل الحزبي في الوعي العام، باعتباره مرادفًا للفشل والفساد والصراع العقيم على السلطة. هذا المناخ مهّد لتقبّل واسع لفكرة تحييد الأحزاب، أو على الأقل تحجيمها، بوصف ذلك شرطًا لإعادة «تصحيح المسار»، وفق التعبير السائد في الخطاب الرسمي.

وفي هذا السياق، شكّل إيقاف عدد من القيادات الحزبية البارزة، وإحالتها على القضاء في قضايا تتعلّق بالأمن القومي أو التآمر على الدولة أو الفساد، نقطة مفصلية في علاقة السلطة بالأحزاب. فوجود شخصيات سياسية معروفة في السجن، بعضها شغل مناصب عليا في الدولة أو قاد أحزابًا لها وزنها الانتخابي والتنظيمي، أحدث صدمة في المشهد السياسي، وجعل البعض يتساءلون عن الحدود الفاصلة بين المساءلة القضائية المشروعة، واستخدام القضاء كأداة في صراع سياسي. وبينما تؤكد السلطة أن هذه الإيقافات تأتي في إطار تطبيق القانون على الجميع بدون استثناء، ترى أطراف حزبية وحقوقية أن طبيعة التهم، وسياقها السياسي، وتزامنها مع حالة الطوارئ، تجعل من الصعب فصل القضائي عن السياسي.

وأثّر هذا الوضع بعمق على بنية الأحزاب نفسها، فغياب القيادات، سواء بسبب السجن أو الملاحقات القضائية أو التضييق السياسي، أدّى إلى إضعاف الهياكل التنظيمية، وخلق فراغا قياديا لم تنجح العديد من الأحزاب في تجاوزه. كما ساهم الخوف من التتبعات، برأي البعض، في دفع الكثير من السياسيين إلى الانسحاب من العمل العلني، أو الاكتفاء بأدوار هامشية، وهو ما زاد من عزلة الأحزاب عن قواعدها الاجتماعية. وفي ظل هذا المناخ، يرى معارضو النظام أنه بات من الصعب الحديث عن حياة حزبية طبيعية، قائمة على التنافس البرامجي، والتداول القيادي، والعمل الميداني المفتوح.

فراغ في التمثيل

وتكمن خطورة هذا الوضع، بحسب البعض، في أنّه لا يقتصر على الأحزاب المعارضة فحسب، بل يطال مجمل الفضاء السياسي. فإضعاف الأحزاب، مهما كانت الانتقادات الموجّهة إليها، يفضي بحسب هؤلاء إلى فراغ في التمثيل السياسي، ويحدّ من قدرة المجتمع على التعبير المنظّم عن مطالبه وتناقضاته. وفي غياب قنوات حزبية فاعلة، تتحوّل الاحتجاجات الاجتماعية إلى تحركات عفوية غير مؤطرة، أو تُعاد صياغتها أمنيًا بوصفها تهديدًا للنظام العام، ما يعمّق حلقة التوتر بين الدولة والمجتمع.

كما أنّ وجود قيادات حزبية في السجن يطرح، بحسب هؤلاء أيضا، إشكاليات تتعلق بشرعية المنافسة السياسية. فالمناخ الذي تُدار فيه الحياة العامة اليوم يجعل، برأيهم من الصعب تصور انتخابات تعددية ذات معنى، في ظل غياب جزء من الفاعلين السياسيين، أو في ظل عملهم تحت ضغط أمني وقضائي. وهذا الوضع لا ينعكس فقط على مصداقية العملية السياسية برأيهم، بل على ثقة المواطنين في جدوى المشاركة، ويعزز العزوف السياسي الذي أصبح سمة بارزة في السنوات الأخيرة.

ويرى هؤلاء أنه لا يمكن فصل هذا المسار عن حالة الطوارئ، التي وفّرت إطارًا قانونيًا واسعًا يسمح بتأويل فضفاض لمفاهيم مثل الأمن القومي والنظام العام. ففي ظل هذا الإطار، يصبح النشاط السياسي المعارض عرضة للتجريم أو التضييق، لا بسبب مضمونه بالضرورة، بل بسبب السياق العام الذي يُدار فيه. وهنا يبرز برأيهم التخوّف من تحوّل حالة الطوارئ من أداة لمواجهة أخطار استثنائية، إلى مناخ عام يُعاد فيه ضبط الحقل السياسي وفق منطق أمني، لا وفق قواعد التعددية والديمقراطية.

وقد طالبت حركة «النهضة» بإطلاق سراح المحكومين في قضية «التآمر على أمن الدولة 2» وبينهم رئيس الحركة راشد الغنوشي. جاء ذلك في بيان للحركة تعليقا على رفع محكمة الاستئناف بالعاصمة تونس الحكم ضد رئيسها، رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي إلى السجن 20 سنة في القضية المعروفة إعلاميا بـ«التآمر على أمن الدولة 2».

إن وضع الأحزاب السياسية ووجود قياداتها في السجن يخلق، برأي أطراف عديدة في المعارضة، أزمة عميقة في العلاقة بين الدولة والعمل السياسي المنظم. فهي أزمة تتجاوز أخطاء الأحزاب نفسها، رغم كثرتها، لتطرح برأيهم سؤالًا أوسع حول مستقبل التعددية، ودور الوساطة السياسية، وحدود الخلط بين المحاسبة القضائية المشروعة وإدارة الصراع السياسي. وبينما تؤكد السلطة أن المرحلة تقتضي الحزم لحماية الدولة، يرى منتقدوها أن إضعاف الأحزاب، في سياق اقتصادي واجتماعي متأزم، لا يؤدّي إلا إلى مزيد من الانسداد، ويجعل من الاستقرار هدفًا مؤجَّلًا بدل أن يكون نتيجة لمسار سياسي جامع.

وتؤكد أطراف عديدة بأن التحدي الحقيقي أمام تونس اليوم لا يتمثل في رفع حالة الطوارئ أو تمديدها فحسب، بل في الإجابة عن سؤال أعمق: كيف يمكن بناء أمن مستدام من دون التضحية بالحريات، وكيف يمكن إدارة أزمة اقتصادية واجتماعية من دون تحويلها إلى مسألة أمنية؟ فالأمن، في معناه الواسع، لا يقتصر برأيهم على غياب العنف، بل يشمل الإحساس بالعدالة، والكرامة، والقدرة على المشاركة في الشأن العام.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here