هل أنقذ نظام الحصص تونس من الفقر المائي

هل أنقذ نظام الحصص تونس من الفقر المائي
هل أنقذ نظام الحصص تونس من الفقر المائي

أفريقيا برس – تونس. دفع قرار تونس التمديد في نظام الحصص في توزيع المياه الصالحة للشرب ومنع استعمالها في الزراعة بسبب موجة الجفاف الحادة، إلى التساؤل عن جدوى هذا النظام وقدرته على إنقاذ البلد من خط الفقر المائي.

واختارت السلطات الاستمرار في قطع المياه ليلا عن المشتركين وحظر استخدمها في الزراعة منذ سبتمبر الماضي، كما تم بمقتضى القرار الذي أصدرته وزارة الفلاحة حظر استخدام مياه الشرب في غسل السيارات وري المسطحات الخضراء وتنظيف الشوارع والأماكن العامة.

ووفق الوزارة فإن قرار التمديد مرده التأثيرات السلبية التي خلّفتها سنوات الجفاف على تغذية المصادر المائية الجوفية وتدني منسوبها إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي جعل تونس تحت خط الخطر المائي وعلى حافة العطش في حال لم يقع إيجاد حلول ناجعة وسريعة لمواجهة أزمتي الجفاف وشح المياه.

وتعد أزمة الجفاف من أبزر التحديات التي تواجه السلطات في تونس، بسبب تداعياتها الوخيمة على البيئة والاقتصاد القائم على الزراعة بالأساس، كما يشكل نظام الحصص فرصة لاختبار مدى نجاح الإستراتيجية التي وضعتها الحكومة في مواجهة هذه الأزمة.

حل ظرفي

يرى خبراء البيئة والمناخ أن نظام الحصص غير كاف لمواجهة نقص المياه في السدود والجفاف الحاد حيث أن السلطات مطالبة بحلول وإستراتيجية أشمل تحث المواطن على ترشيد الاستهلاك وعدم إهدار المياه والوعي بالتداعيات الوخيمة للتغير المناخي على الأمن الغذائي.

ويشير حسين الرحيلي المتخصص في التنمية و التصرف في الموارد في حديثه ل”أفريقيا برس” إلى أن” نظام الحصص في توزيع الماء الصالح للشرب ليس اختيار بل ضرورة للتصرف في الموارد المتاحة في السدود خاصة بعد تواصل سنوات الجفاف”. واستدرك”لكن بعد مرور ست أشهر انتظرنا نتائج هذا التطبيق من السلطة لكن كانت الأرقام المقدمة غير دقيقة، إذ قدرت السلطة أن البلاد ربحت 50 ألف م3 في اليوم لكن هذا غير دقيق إذ نحن في شح مائي ليس لنا فائض حتى نتحدث عن ربح، كما أن مدة قطع الماء هي الفترة التي يتقلص فيها الاستعمال المنزلي خاصة.”

وأضاف” بالتالي فإن نظام القطع الدوري للماء ليس حلا مستقبليا يمكننا من تجاوز أزمة شح الماء بل هو حلا ظرفيا في انتظار حلول مستدامة ترتكز على تنويع مصادر الماء و ترشيد الموجود و الاستثمار في الماء وفي البنى التحتية من قنوات ومضخات للحد من إهدار الماء خاصة بالقطاع الفلاحي.” وفي تقديره فإنه”يستوجب استعمال مزيد من مياه الصرف الصحي المعالجة في المجالات الصناعية والفلاحية بعد إضافة المعالجة الثلاثية كل ذلك في إطار الحد من استنزاف الموارد المائية الجوفية”.

وتعاني تونس فقرا مائيا حيث لم تتجاوز كمية المياه في السدود 30 بالمئة من طاقتها التخزينية في الثلاث السنوات الأخيرة، حسب تقديرات سابقة لوزارة الفلاحة. وتقبع تونس تحت خط الشح المائي، بمعدل 420 متر مكعب للفرد سنويا، في حين أن المعدل العالمي للشح المائي هو 500 متر مكعب للفرد، بينما يبلغ معدل الفقر المائي عالميا 1000 متر مكعب للفرد”، حسب المصدر نفسه.

وفي حين وجدت السلطات في ترشيد الاستهلاك حلا لمواجهة أزمة الجفاف، إلا أنه يصعب المواصلة في تطبيقه في ظل تشكي المواطن من الانقطاعات المتكررة ومن تدني الخدمات وغلاء المعيشة وفقدان المواد الغذائية الأساسية.

ويعتقد حمزة الفيل، وهو أستاذ باحث في مركز بحوث وتكنولوجيات المياه، في حديثه ل”أفريقيا برس” أن” نظام الحصص لم يكن شاملا وأيضا كان منقوصا حيث لم يأخذ بعين الاعتبار كل الاستعمالات مثلا استعمالات المسابح الشخصية ولم يكن أيضا مدروسا ولم يقع اعتماد الآليات لمراقبة مدى تطبيقه لذلك لا توجد أرقام ومعطيات دقيقة لنسب التقليص من الاستهلاك”.

وعلق”لدينا نسبة كبيرة من إهدار المياه الصالحة للشرب وعندما يقع تقليص نسبة الاستهلاك سنخفف من هذا الإشكال أيضا.”

وبرأيه”ساهم نظام الحصص في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك وبات المواطن أكثر وعيا بقيمة الماء، لكن للأسف بمجرد عودة الماء تعود معها العادات السيئة”.

وتقدر كميات استهلاك المياه اليومية الشاملة للمواطن الواحد بحوالي 120 لترا وهي نسبة عالية جدا، حسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن الشركة الوطنية لإستغلال وتوزيع المياه.

وحذر الفيل من أن” خطورة أزمة الجفاف على البلد رغم الحلول الحكومية والأمطار الأخيرة التي أنقذت الموسم الزراعي، حيث أن نسبة امتلاء السدود مازالت ضعيفة ولم نصل إلى معدل امتلاء للثلاث السنوات القادمة”.

ومازال مخزون السدود التونسية ضعيفا جدا حيث لا يتجاوز 600 مليون متر مكعب كما لم تتعدى نسبة امتلاء 25.9 بالمائة رغم تتالي سقوط الأمطار في شهر ديسمبر.

وحسب وزارة الفلاحة فإن النسبة الإجمالية لمخزون المياه في كل السدود بلغت حتى منتصف سبتمبر الماضي 27.3 في المئة من طاقة استيعابها. وعانت تونس في السنوات الأخيرة من انحباس وتذبذب هطول الأمطار وعدم انتظامها خلال فصل الشتاء لأسباب مرتبطة بتأثيرات التغير المناخي على واقع الفصول في البلاد.

إجهاد مائي

يجمع خبراء على أن تونس دخلت مرحلة الإجهاد المائي بسبب ما واجهته في السنوات الأخيرة من جفاف حاد وندرة المياه وانقطاعات مستمرة في توزيع المياه الصالحة للشرب وارتفاع درجات الحرارة إضافة إلى استنزاف الموارد المائية.

وتحتل تونس المرتبة 33 من ضمن أكثر دول العالم الذين يشكون خطر فقدان المياه نتيجة الإجهاد المائي كما أنها من أكثر الدول المهددة بالفقر المائي حسب تقرير سابق نشرته مؤسسة “هاينريش بول”.

وينبه خبراء من أنه في حال لم تعتمد السلطات إستراتيجية جدية وسريعة لاحتواء هذه الأزمة فأنه سيكون من الصعب حماية الأمن الغذائي واقتصاد البلد القائم بالأساس على الزراعة من الانهيار. وتؤكد الحكومة التونسية على أنها” حريصة على تجنب السيناريو الكارثي “اليوم صفر”، وهو اليوم الذي ستجف فيه جميع احتياطيات مياه الشرب، مما يعرض للخطر الأمن المائي والغذائي.”

ووضعت وزارة الفلاحة إستراتيجية للمياه في أفق سنة 2050 التي تهدف إلى المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، من خلال تأمين الوصول إلى الموارد المائية بحلول عام 2050، بطريقة فعالة وشاملة ومنصفة ومستدامة.

ويلفت عامر الجريدي، الخبير في شؤون التنمية المستدامة، في حديثه ل”أفريقيا برس” إلى أن” الموارد المائية في تونس محدودة بحكم وجودها في منطقة شبه صحراوية، وهي بالتالي تقع في خطّ الفقر المائي”.

وبين أن “حدّة هذا النقص تتفاقم مع التزايد السكاني الذي مرّ من حوالي 4 ملايين ساكن في منتصف القرن العشرين إلى 12 مليون حاليا ومع تطوّر نمط العيش والحياة الحضريّة والصناعة والسياحة. فأصبحت البلاد تعيش تحت وقع “إجهاد مائي” مردّه التبذير وتقادم شبكة قنوات مياه الشرب، بالإضافة إلى تداعيات تغيّر المناخ وارتفاع معدّل درجات الحرارة وانخرام نظام التساقطات والجفاف”.

ولئن كان للدولة” إستراتيجيات عشرية للتصرف الرشيد في الموارد المائية، فقد غاب تحيينها والسهر على تنفيذها خلال عشرية ما بعد سنة 2011 قبل أن تعود الدولة للسّهر على إعداد ومراجعة هذه الإستراتيجية مع الاستقرار السياسي العائد للبلاد”، حسب تقديره.

وختم بالقول “وأمام الجفاف الذي تعاني منه البلاد وشحّ الموارد في السدود والموائد المائية، فإنّ نظام الحصص في تونس أمر محتوم في انتظار الوصول إلى التحكّم في استهلاك المياه وتوفّر الاعتمادات الضّرورية لتحلية مياه البحر واستغلال مياه الصرف الصّحّي في ريّ المساحات الفلاحية الخاصّة بمنتوجات معيّنة مثل علف الحيوان”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here