آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
علي الحسومي البيولي، نائب بمجلس الأقاليم، يصف المجلس بأنه الذراع الاقتصادي للجمهورية الجديدة، حيث يمتلك الفيتو التنموي. يتحدث عن استعدادات المجلس لمخطط التنمية 2026-2030، مشيراً إلى أهمية الهندسة المجالية المستدامة في خلق الثروة. كما يناقش التحديات التي تواجه التنمية في تونس وأهمية الإصلاحات الهيكلية.
أفريقيا برس – تونس. أشار علي الحسومي البيولي، النائب بمجلس الأقاليم والجهات، في حواره مع مصدر محلي، إلى أن “مجلس الأقاليم هو الذراع الاقتصادي للجمهورية الجديدة، حيث يمتلك ‘الفيتو التنموي’ في قانون المالية والمخططات التنموية، وهذا يجعلنا الغرفة الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للتونسيين”.
وفيما يخص استعدادات مجلس الأقاليم لمخطط التنمية 2026-2030، أوضح أن “الاستعدادات تقوم على مفهوم الهندسة المجالية المستدامة التي تعمل على خلق الثروة من خلال تحديد ‘الميزات التفاضلية’ لكل إقليم، وربط هذه الأقاليم بسلاسل قيمة مشتركة”. متوقعاً “النجاح في هذه المهمة لمعرفة المجلس بمكامن الموارد المهدورة، وسبل تحويلها إلى مشاريع وطنية”.
وفي معرض تعليقه عن دعوته السابقة لسحب الثقة من رئيس مجلس الأقاليم والجهات، بين أن “مرد هذه الخطوة لم يكن الإطاحة بل الإصلاح، وبمجرد الجلوس على طاولة الحوار الصريح والمسؤول، انتفت الحاجة لهذه اللائحة وتم التراجع عن سحب الثقة”.
علي الحسومي البيولي هو نائب بمجلس الأقاليم والجهات عن ولاية تطاوين، وهو عضو بلجنة المالية والميزانية.
لماذا طالبتم مؤخراً بسحب الثقة من رئيس المجلس عماد الدربالي، ما هي دوافع هذه الخطوة التي وصفتموها بالخطوة التصحيحية؟
دعنا نضع الأمور في نصابها الاستراتيجي؛ نحن في المجلس الوطني للجهات والأقاليم لا نمارس السياسة التقليدية القائمة على المحاكمات، بل نمارس فعل التأسيس السيادي. فلايحة سحب الثقة لم تكن استهدافاً لشخص السيد رئيس المجلس، بل دوافعنا كانت استشعارنا لضرورة تسريع الإيقاع الإداري ليتناغم مع سرعة مسار التحرير الوطني الذي يقوده الرئيس قيس سعيد. فالهدف لم يكن الإطاحة بل الإصلاح. وبمجرد الجلوس على طاولة الحوار الصريح والمسؤول، انتفت الحاجة لهذه اللائحة. لقد أثبتنا أن المجلس مؤسسة تمتلك مناعة ذاتية وقدرة على إنتاج الوفاق من داخلها بشجاعة ووعي، وخرجنا من هذه التجربة بكتلة واحدة صلبة ومتناغمة.
قلتم إن هناك انحرافات خطيرة مست أداء رئيس المجلس والمؤسسة الدستورية، كيف ذلك؟
الانحراف في قاموسنا الاستراتيجي لا يعني بالضرورة الفساد المالي أو الأخلاقي، بل هو ‘الانحراف عن فلسفة التأسيس’. الخطر الذي استشعرناه هو انفصال ‘الإيقاع المكتبي’ عن ‘الواقع الميداني’. المؤسسة الدستورية وُجدت لتكون امتداداً لصوت المواطن المفقّر في عمق جهاتنا، وأي محاولة (حتى وإن كانت غير متعمدة) لحصر دور المجلس في الجلسات الشكلية هو مساس بروح الدستور. اليوم، وبفضل الحوار الداخلي المسؤول والشجاع، أغلقنا هذا القوس، وأصبح المجلس يعمل كغرفة عمليات تنموية واحدة لا تعترف إلا بالنتائج.
ماذا تعني بسلطة الظل والعطالة؟ وهل تحول المجلس بالفعل إلى هيكل صوري وسط تداخل الصلاحيات مع مجلس النواب؟
“سلطة الظل هي ‘المفهوم العميق للبيروقراطية’؛ هي تلك العقلية الإدارية المتعالية التي تحاول دائماً تقييد الإرادة السياسية بالنصوص البالية لتعطيل مصالح الشعب. نحن اليوم نحارب هذه العطالة من داخل المؤسسة.
أما أسطورة ‘تداخل الصلاحيات’ أو ‘الصورية’، فهي كذبة يروجها من عجزوا عن فهم فلسفة دستور 25 جويلية 2022. فالعلاقة مع الغرفة الأولى هي علاقة ‘تكامل وظيفي سيادي’. مجلس نواب الشعب يهندس ‘القواعد القانونية العامة’، ونحن في الغرفة الثانية نهندس ‘الواقع الاقتصادي والمجالي’. نحن نمتلك ‘الفيتو التنموي’ في قانون المالية والمخططات التنموية، وهذا يجعلنا الغرفة الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للتونسيين. المجلس ليس صورياً، بل هو الذراع الاقتصادي للجمهورية الجديدة.”
ماهي استعداداتكم لمخطط التنمية 2026-2030، وهل سينجح المجلس في تحقيق العدالة الجهوية والترابط بين الجهات؟
“لأول مرة في تاريخ تونس منذ الاستقلال، نحن بصدد القطع مع ‘التخطيط المُسقط’ الذي كان يُصاغ في مكاتب العاصمة المكيّفة ليُفرض على أبناء الجهات. مخطط 2026-2030 هو أول تطبيق فعلي لفلسفة ‘البناء القاعدي’.
استعداداتنا تقوم على مفهوم ‘الهندسة المجالية المستدامة’. نحن لن نوزع الفقر، بل سنخلق الثروة من خلال تحديد ‘الميزات التفاضلية’ لكل إقليم، وربط هذه الأقاليم بسلاسل قيمة مشتركة. سننجح لأننا نمتلك الشرعية الجغرافية؛ نحن نعرف أين تكمن الموارد المهدورة، وسنفرض تحويلها إلى مشاريع وطنية تنهي عقوداً من الحيف المجالي.”
أي عوائق وصعوبات تحول دون تحقيق تنمية عادلة في البلاد؟
“العوائق ليست في نقص الموارد كما يُشاع، العوائق تكمن في ‘العقلية الريعية’ التي احتكرت الاستثمار، وفي ‘التحنيط القانوني’ (القوانين المكبلة للمبادرة)، وفي التبعية المفرطة لنموذج اقتصادي استهلاكي فاشل. التحدي الأكبر اليوم هو تفكيك هذا ‘السيستام’ الاقتصادي العتيق، وتعويضه باقتصاد يخلق القيمة المضافة ويعتمد على مقدراتنا الذاتية، وهو ما ينسجم تماماً مع خيارات الدولة في معركة التحرير الوطني.”
ماهي مقترحاتكم للنهوض بنسق التنمية في ولايات الجنوب التي تعاني التهميش على مدى سنوات طويلة؟
“الجنوب التونسي ليس ‘حالة اجتماعية’ تحتاج إلى إعانات، بل هو ‘الرئة الجيواستراتيجية القادمة لتونس’. رؤيتي كخبير وكنايب تتجاوز الحلول الترقيعية نحو إرساء ‘أقطاب سيادية متكاملة’.
الجنوب يجب أن يُعلن كـ ‘منصة قارية للطاقات المتجددة’ (الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والرياح)، وكـ’بوابة لوجيستية حرة’ نحو العمق الإفريقي عبر تفعيل مناطق تجارية ذكية وموانئ جافة. تمويل هذه المشاريع يجب أن يكون عبر دعم الشركات الأهلية وشراكات استراتيجية تضمن نقل التكنولوجيا وتوطين الثروة في يد أبناء الجنوب.”
هل نجحت الحكومة في معالجة النقائص في قطاعي الصحة والتعليم والنقل، وماهي الحلول التي تقترحونها؟
“يجب أن نكون منصفين وموضوعيين؛ الحكومة الحالية تقوم بـ ‘جراحة استعجالية’ لجسد منهك تم تخريبه طيلة سنوات. النجاح يُقاس بالقدرة على إيقاف النزيف، وهو ما يتم حالياً. لكننا كنواب نمتلك رؤية استشرافية ونقترح الانتقال من ‘إدارة الأزمة’ إلى ‘صناعة الحلول الهيكلية’:
1. التعليم: لا حل إلا بالإسراع في تفعيل ‘المجلس الأعلى للتربية’؛ فهو صمام الأمان لإعادة المدرسة العمومية كمصعد اجتماعي ومصنع للكفاءات الوطنية التي تواكب الذكاء الاصطناعي واحتياجات السوق.
2. الصحة: نطرح استراتيجية ‘السيادة الصحية والمجالية’ عبر توطين الخدمات الطبية المتخصصة في الأقاليم، وإرساء منظومة حوافز حقيقية توقف نزيف هجرة الأطباء، ورقمنة القطاع الصحي بالكامل لإنهاء الفساد والمحسوبية.
3. النقل: النقل هو الشريان الاقتصادي. الحل يكمن في إعلان ‘حالة طوارئ لوجستية’ لتجديد الأسطول، وإطلاق مشاريع السكك الحديدية العابرة للأقاليم لفك العزلة وتسهيل انتقال الأفراد والبضائع.





