أفريقيا برس – تونس. يزيد التغير المناخي من متاعب المرأة الريفية في تونس التي تشكو الفقر والتهميش والهشاشة الاجتماعية، حيث تسبب الجفاف ونقص الأمطار في السنوات الأخيرة إلى خسارتها لمورد رزقها الوحيد والمتأتي من قطاع الفلاحة.
وأجمعت أوساط بيئية وحقوقية إلى أن التداعيات الوخيمة للتغير المناخي عمقت من هشاشة وضع المرأة الريفية، التي تعد المسؤولة الأولى عن تحقيق الأمن الغذائي الوطني في البلد، فيما لم تبدي السياسات الحكومة أداء ناجعا لحماية النساء في المناطق الريفية من تداعيات المناخ كحال بقية المشاكل الأخرى التي مازلن يعانين منها.
ويؤكد هؤلاء أن الوعود الحكومية لا تكفي لحماية المرأة الريفية من تداعيات التغيرات المناخية، حيث بتن الفئة الأكثر تضررا على صعيد صحي واقتصادي وأسري بسبب مشاكل المناخ بينما التحركات الحكومية بطيئة ولم تغادر بعد خانة الشعارات والشعبوية.
ومازالت قضايا البيئة والمناخ بعيدة عن اهتمام النخب السياسية في البلد وخارج حساباتهم، ولا تعد على سلم القضايا وهو ما يعكسه تردي أوضاع المرأة الريفية أكثر مع ازدياد ارتفاع درجات الحرارة في كل صائفة وتواصل أزمة الجفاف.
وتؤكد أرقام رسمية أن نصف مليون امرأة تعمل في القطاع الزراعي كما يمثلن النساء 80 في المئة من السيادة الغذائية لتونس، لكن مع ذلك فإن أجورهن زهيدة ولا يتمتعن بالتغطية الاجتماعية والصحية وقد زادت التغيرات المناخية من أوضاعهن سوءا.
أضرار اقتصادية وصحية

يحذر خبراء البيئة من أن التهديدات المناخية التي تعاني منها المرأة في الوسط الريفي مثل برودة الطقس والفيضانات المتكررة التي تشهدها الأودية في فصل الشتاء، وحرارة الشمس الحارقة ونشوب الحرائق في فصل الصيف، جعلها تعاني من صعوبات وعراقيل إضافية منعتها من التنقل من أجل العمل أو التمتع ببعض الخدمات الصحية والاجتماعية.
وتشير روضة القفراج وهي خبيرة ومستشارة في الموارد والسياسات المائية والتأقلم مع التغيرات المناخية في حديثها ل”أفريقيا برس” أنه”حتى نفهم تأثير التغيرات المناخية على المرأة الريفية علينا قبل كل شيء أن ندرك ما هي التغيرات المناخية.”
وتشرح بالقول”تتمثل التغيرات المناخية في ارتفاع درجات الحرارة وتواصل فترات الجفاف وانحباس للأمطار وهو ما تعاني منه تونس للسنة الخامسة على التوالي، ما قاد إلى أضرار بالفلاحة المروية لأن وزارة الفلاحة تفضل توفير الماء الموجود بالسدود لمياه الشرب وبالتالي لا تمنح الفلاحة المروية كمية كافية من الماء.”
وعلقت “أدت هذه السياسة في توفير المياه بسبب الجفاف إلى خسارة قرابة 1700 يوم عمل في موسم الحصاد الخاص بالزيتون.”
وتساهم المرأة الريفية في تونس في موسم جني الزيتون وصناعته حيث تقدر مساهمتها بـ2 مليار دينار تونسي، وذلك بسبب تدني أجرها مقارنة بالرجل.
ووفق تقرير رصد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في البلدان العربية ونشر سابقا فإن”النساء الريفيات يشكّلن 90 في المئة من عمال الحصاد ويعملن كعاملات زراعيات موسميات، كما يتلقين أجورهن بشكل يومي وهي غالبًا أقل مما يكسب الرجال الذين يقومون بالعمل ذاته.”
وتلفت قفراج “تضطر النساء في الأوساط الريفية إلى العمل رغم ضعف أجورهن، وحين يتضرر القطع الفلاح بسبب المناخ فإنهن يحرمن من قوت يومهم وإطعام أطفالهن.”
وتبين أن “التغيرات المناخية لها تأثير على صحة المرأة الريفية النفسية والجسدية، حيث أن عملها في الصائفة في ظل الارتفاع الغير مسبوق لدرجات الحرارة يعرض صحتها إلى الخطر، ومع ذلك تضطر للعمل لأنها لا تملك مورد رزق آخر.”
وحسب إحصائيات رسمية فأن “أكثر من 50 بالمائة من النساء الريفيات لا يستعملن موانع الحمل، كما أن العديد منهن يعانين من سرطان الثدي والرحم دون التفطن إلى ذلك، وذلك بسبب استعمالهن المكثف للمواد الكيمائية لزراعة الأراضي، إضافة إلى حوادث العمل بسبب “.
كما تتعرض حياة النساء العاملات في الفلاحة إلى خطر الموت بسبب حوادث الطرقات القاتلة، حيث يستقلن سيارات تتخطى حمولتها ما يسمح به القانون وبدون أدنى حماية للوصول إلى أماكن عملهن.
ورغم تتالي الدعوات بضرورة تحسين أوضاع المرأة الريفية الاجتماعية والاقتصادية، إلى أن الجهود الحكومية انحصرت في ترسانة من القوانين التي مازلت لم تطبق على أرض الواقع.
وتبدي قفراج أسفها لأن “الحلول التي رصدتها وزارة الفلاحة للحد من تداعيات التغيرات المناخية لم تأخذ اليد العاملة النسوية بعين الاعتبار التي تجد نفسها مطالبة بحماية عائلتها وبالماشية التي توفر لها عائدا ماليا، مع ذلك فهي تضطر في أوقات كثيرة إلى بيعها بسبب تراجع مداخيل الأسر الريفية.”
وتلاحظ أن “الدولة ليس لديها برامج خاصة بالمرأة الريفية حتى تحميها من التغيرات المناخية لأنها ليست المسؤولة عن نقص الأمطار وهو المشكل الحقيقي التي تعجز عن مواجهته.”
وأردفت “المرأة الريفية غير محمية وهي بدون تغطية اجتماعية إلى الآن وهناك مشاريع لمساعدتها لأجل إيجاد موارد رزق آخر لها، لكن للأسف هي برامج قليلة جدا وغير كافية لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية”.
وأطلقت الحكومة سنة 2019 تطبيقا إلكترونيا يحمل إسم “أحميني” يسمح للنساء في الأوساط الريفية العاملات في القطاع الفلاحي من الانخراط عن بعد في منظومة التغطية الصحية دون الحاجة إلى أجير، لكن لم تلاقي هذه الخطوة تفاعلا كافيا بسبب عوائق تقنية الناجمة عن ضعف الانترنت في الأرياف وبسبب ارتفاع نسبة الأمية في تلك الأوساط.
صمود مناخي

على رغم الصعوبات وضعف الإمكانيات، تراهن السلطات في تونس على توعية المرأة الريفية بخطورة التغيرات المناخية على أوضاعهن الصحية والاقتصادية.
وسبق أن وضعت الحكومة خطة وطنية تهتم بالمرأة و التغييرات المناخية، وبرأي خبراء فإن لهذه الخطة دور فعال في إرساء صمود مناخي مراعي للنوع الاجتماعي خاصة وأنها تعتمد على مقاربة موحدة وشاملة تعمل على تغيير العقليات وعلى إرساء أدوار جديدة للمؤسسات الوطنية المتدخلة في هذا الشأن.
وصادقت حكومة نجلاء بودن قبل استقالتها من منصبها على هذه الخطة والتي تتضمن تنظيم دورات تكوينية لفائدة مختلف القطاعات المتدخلة حول كيفية إدماج النوع الاجتماعي في التغيرات المناخية كما تركز على الجانب التحسيسي التوعوي والاتصالي لمزيد مناصرة قضية إرساء صمود مناخي مراعي للنوع الاجتماعي.
وفي أكتوبر الماضي، انطلقت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ في إعداد إستراتيجية وطنيّة جديدة للتّمكين الاقتصادي والاجتماعي للنّساء في الوسط الرّيفي في أفق 2030 تأخذ بعين الاعتبار التّغيرات الاجتماعيّة والمناخيّة والاقتصاديّة والدّيمغرافيّة وتتداخل في تنفيذها جميع الهياكل.
وتأتي هذه الإستراتيجية اعترافا ّبالدّور الاستراتيجيّ للنّساء والفتيات في الوسط الريفي في ضمان الأمن الغذائي وحماية المناطق الريفيّة من التّصحّر البيئي، وتأكيدا لمركزية دورهن في مسار التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وفق ما نقلته وسائل إعلامية محلية عن وزارة الأسرة والمرأة.
وقدم عبيد خميري وهو المسؤول عن التكوين بجمعية المرأة الريفية بمحافظة جندوبة في حديثه ل”أفريقيا برس”أمثلة على مثل الدورات التكوينية الخاصة بالنساء الريفيات في بلده.
وأوضح “جمعية المرأة الريفية بجندوبة قامت بدورات تدريبية للنساء الريفيات العاملات في القطاع الفلاحي بالمنطقة حيث تم تشريك 105 امرأة في العديد من الورشات والتي تم التطرق فيها إلي العديد من المشكلات التي تعاني منها المرأة الريفية عامة والعاملة في القطاع الفلاحي خاصة.”
وأهم هذه المشكلات هي “صعوبة التنقل من مقر السكنى إلى أماكن العمل وضعف التغطية الصحية والاجتماعية وضعف نتائج الأبناء في الدراسة وارتفاع نسبة الانقطاع المبكر عن الدراسة,” حسب خميري.
وتابع”أما تأثير التغيرات المناخية على حياة المرأة الريفية عامة والعاملة في القطاع الفلاحي خاصة فانه ظهر جليا خاصة في السنوات الأخيرة.”
وأبرز أن “ارتفاع المعدلات الحرارية أثرت على الإنتاج الفلاحي خاصة لدى العائلات التي تستثمر مساحات قريبة من مقر سكناهم حيث تقلصت نسب الإنتاج كثيراً أو انعدمت خاصة الغراسات المستهلكة للكثير من المياه، كما تقلصت أيام العمل في السنة بالنسبة للنساء الريفيات العاملات في القطاع الفلاحي وذلك نتيجة شح المياه.”
وختم بالقول “ارتفاع الحرارة أثر أيضا على النساء الريفيات وذلك نتيجة تعرضهم لأشعة الشمس القوية أثناء عملهن، إضافة إلى تضرر الغابات بالحرائق في السنتين الفارطتين وهو ما يؤثر على مدخول العائلات الريفية من المنتوج الغابي.”
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس





