رامي الزراع، مختص في الاتصال السياسي
أهم ما يجب معرفته
تتناول المقالة التشابه في الخطاب السياسي بين تونس وجمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يركز كلا البلدين على مفاهيم السيادة ورفض التدخلات الأجنبية. رغم هذا التشابه، تختلف السياقات والواقع بين البلدين، مما يطرح تساؤلات حول فعالية هذا الخطاب في تحقيق الاستقلالية الحقيقية. تجربة إفريقيا الوسطى تقدم دروسًا مهمة لتونس في هذا السياق.
أفريقيا برس – تونس. تبدو جمهورية إفريقيا الوسطى للوهلة الأولى بعيدة عن النقاشات السياسية الجارية في تونس، لكن التمعن في الخطاب السياسي السائد في البلدين يكشف تشابهًا لافتًا في المفردات: السيادة، رفض التدخلات الأجنبية، القرار الوطني المستقل. غير أن تشابه الخطاب لا يعني بالضرورة تشابه الواقع أو المسارات.
ثروات إفريقيا الوسطى هي نعمة تحولت إلى عبء، حيث تُعدّ جمهورية إفريقيا الوسطى من أغنى الدول الإفريقية بالموارد الطبيعية، رغم كونها من أفقرها اقتصاديًا. تمتلك البلاد احتياطات معتبرة من الماس والذهب واليورانيوم والأخشاب، إضافة إلى معادن نادرة لم تُستغل بعد بشكل كامل. لكن هذه الثروات لم تتحول إلى رافعة تنمية، بل أصبحت أحد أسباب الصراع والتدخلات الأجنبية، حيث تنافست عليها جماعات مسلحة وقوى إقليمية ودولية، تحت عناوين مختلفة: حفظ السلام، المساعدة الأمنية، أو الشراكات الاقتصادية. في هذا السياق، لم يكن الصراع في إفريقيا الوسطى صراعًا داخليًا صرفًا، بل نتيجة تداخل هشاشة الدولة مع أطماع الخارج.
فرانسوا بوزيزيه، الذي حكم البلاد حتى 2013، لم يُعرف خلال فترة حكمه بخطاب رافض للتدخلات الأجنبية. بالعكس، اعتمد بشكل واضح على الدعم الفرنسي والدولي لضمان بقائه. لكن عندما انهار نظامه أمام تمرد “سيليكا”، وامتنعت فرنسا والأمم المتحدة عن إنقاذه، تغيّر خطابه جذريًا. بعد الإطاحة به، اتهم بوزيزيه القوى الأجنبية بالتخلي عنه، المجتمع الدولي بالتواطؤ، والتدخلات الخارجية بنهب ثروات البلاد. غير أن هذا الخطاب جاء بعد فقدان السلطة، فبدا خطابًا تبريريًا أكثر منه مشروعًا سياديًا. رفض التدخلات لم يكن سياسة دولة، بل ردّ فعل على الهزيمة والعزلة.
مع وصول فوستين–أرشانج تواديرا إلى الحكم سنة 2016، تغيّر المشهد. الرئيس الجديد ورث دولة شبه منهارة، تعجّ بالقوات الأجنبية، وتعتمد أمنيًا وسياسيًا على الخارج. منذ البداية، جعل من استعادة السيادة محور خطابه، معتبرًا أن السلام لا يمكن أن يتحقق دون قرار وطني مستقل. لم يدخل تواديرا في مواجهة مباشرة مع فرنسا في البداية، لكنه عمل على: تقليص نفوذها تدريجيًا، انتقاد “الوصاية القديمة” بشكل غير مباشر، والبحث عن شركاء جدد خارج الفضاء التقليدي. وهنا برز التحالف مع روسيا، الذي مثّل تحولًا حادًا في التوازنات.
قدّم تواديرا التحالف مع موسكو باعتباره: “شراكة قائمة على الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”، وفعليًا، وفّرت روسيا دعمًا أمنيًا مباشرًا، وساهمت في إعادة بناء الجيش، ما عزّز موقع الرئيس داخليًا. لكن هذا التحالف أثار أيضًا انتقادات واسعة، خصوصًا مع تنامي النفوذ الروسي في قطاعات الثروة وحضور شركات أمنية واقتصادية مثير للجدل وغموض طبيعة العقود والامتيازات. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نجحت إفريقيا الوسطى في التحرر من التدخلات؟ أم أنها استبدلت نفوذًا بآخر؟
وحين تصبح السيادة رمزية ضمن هذا المسار، طُرحت مسألة تقليص هيمنة اللغة الفرنسية، بل تداولت نقاشات حول إدخال الروسية في التعليم أو الإدارة. ورغم أن الفرنسية لم تُلغَ رسميًا، فإن مجرد طرح الفكرة كان رسالة سياسية واضحة: السيادة لا تتوقف عند الأمن والاقتصاد، بل تشمل الهوية والثقافة.
ومن إفريقيا الوسطى إلى تونس، هناك تشابه في الخطاب رغم اختلاف الواقع. ففي تونس اليوم، يتكرّر خطاب رفض التدخلات الأجنبية، ورفض “الإملاءات” الخارجية، والتأكيد على القرار الوطني المستقل. هذا الخطاب يجد صداه لدى جزء من الرأي العام، خاصة في ظل أزمات اقتصادية وضغوط دولية. لكن تجربة إفريقيا الوسطى تطرح تحذيرًا مهمًا: رفض التدخلات كشعار لا يكفي، إن لم يُرافقه: وضوح في البدائل، شفافية في الشراكات، وقدرة داخلية على إدارة الاقتصاد والسيادة. الفرق الجوهري أن تونس، رغم أزمتها، ليست دولة منهارة أمنيًا ولا ساحة صراع مسلح على الثروات، ما يجعل استحضار خطاب السيادة مسؤولية مضاعفة لا مجرد تعبئة سياسية.
تظهر تجربة إفريقيا الوسطى أن السيادة ليست شعارًا بل مسارًا معقدًا. عند بوزيزيه، كانت خطابًا بعد السقوط. عند تواديرا، أصبحت أداة حكم، لكنها لم تُنهِ كل أشكال التبعية. أما في تونس، فإن تشابه الخطاب مع تجارب إفريقية أخرى يفرض سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام سيادة تُبنى على إصلاح داخلي حقيقي، أم أمام خطاب يسبق القدرة على الفعل؟ التاريخ القريب في إفريقيا الوسطى يذكّر بأن رفض التدخلات الأجنبية لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على حماية قرارها دون الوقوع في تبعيات جديدة.
جمهورية إفريقيا الوسطى، رغم غناها بالموارد الطبيعية، تعاني من الفقر والصراعات الداخلية. تاريخها مليء بالتدخلات الأجنبية، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية. في السنوات الأخيرة، شهدت البلاد تغيرات سياسية مع صعود فوستين تواديرا، الذي حاول استعادة السيادة من خلال شراكات جديدة، مثل التحالف مع روسيا. هذه التجارب تعكس تحديات كبيرة تواجهها الدول الإفريقية في سعيها نحو الاستقلال الحقيقي.
في تونس، يبرز خطاب السيادة ورفض التدخلات الأجنبية في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية. ومع ذلك، فإن تجربة إفريقيا الوسطى تحذر من أن مجرد الرفض لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع استراتيجيات واضحة وإدارة فعالة للاقتصاد والسيادة. تونس، رغم أزماتها، ليست في حالة انهيار أمني، مما يتيح لها فرصة أكبر لبناء سيادتها بشكل





