تونس اليوم: استحقاقات سياسية ونقابية في مواجهة أزمة الثقة

تونس اليوم: استحقاقات سياسية ونقابية في مواجهة أزمة الثقة
تونس اليوم: استحقاقات سياسية ونقابية في مواجهة أزمة الثقة

لطفي العبيدي

أفريقيا برس – تونس. تعيش تونس منذ سنوات في حالة تجاذب دائم بين الطموح الديمقراطي والواقع السياسي المعقد، حيث يبدو أن الدولة والمجتمع المدني محاصران بين إرث من المكتسبات الديمقراطية ومسؤوليات لم تعد المؤسسات قادرة دائمًا على تلبيتها. هذا الصراع المستمر حول تعريف مستقبل الدولة وحماية الحقوق المكتسبة أدّى إلى تراجع الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. لم يعد المشهد الحقوقي يركّز فقط على تحقيق مكاسب جديدة، بل أصبح الدفاع عن المكتسبات السابقة أولوية قصوى، لا سيما في مواجهة محاولات تقييد حرية التعبير والتظاهر. وفي هذا السياق، بدأ الخطاب الرسمي يشكك في شرعية الفاعلين الحقوقيين، ما يجعل إعادة ترتيب الأولويات ضرورة حيوية لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع المدني، وإعادة تحديد دور النقابات والأحزاب والحركة الحقوقية في مسار الانتقال الديمقراطي. يمكن القول إن تونس اليوم تواجه تحديا مزدوجا: أولا، تحد اقتصادي واجتماعي يُؤثر على حياة المواطنين اليومية، وثانيا، سياسي يضعف المؤسسات ويُعقد آليات المشاركة والمساءلة. وكل فشل في التعامل مع هذه التحديات يؤدي إلى إضعاف الشرعية الديمقراطية نفسها، ما يجعل أي تحليل لأزمة الثقة غير مكتمل إذا لم يأخذ بعين الاعتبار هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع المدني.

الواقع الاقتصادي وأثره في توازنات المشهد السياسي

الأزمة الاقتصادية الراهنة في تونس، من ارتفاع الأسعار إلى البطالة المتفشية، أصبحت أداة غير مباشرة للتحكم في الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، حيث غالبًا ما تُستخدم الضغوط الاقتصادية للحد من قدرة النقابات والأحزاب على ممارسة دورها الكامل. الضغط الاقتصادي لا يؤثر فقط على قدرة النقابات على المطالبة بحقوق العمال، بل يضع المواطنين أنفسهم في مواجهة قرارات أحادية تُضعف الثقة بالمؤسسات، وتزيد من شعورهم بالغبن الاجتماعي. تظهر العلاقة بين السياسة والاقتصاد في هذا السياق بشكل واضح. فعدم استقرار الاقتصاد يضعف قدرة الأحزاب والنقابات على تحقيق مطالب المواطنين، بينما أي قرارات سياسية غير مدروسة تزيد من تفاقم الأزمات الاقتصادية، ما يخلق حلقة مفرغة من فقدان الثقة.

بين التطلعات الديمقراطية والضغوط الاقتصادية، وبين الحقوق المكتسبة والأزمات السياسية المتلاحقة، تبدو تونس اليوم مرآة لصراعاتها المستمرة، حيث أنّ كل أزمة اقتصادية أو سياسية تترك أثرها على الأخرى. في هذا المشهد المتقلب، تصبح النقابات والأحزاب والحركة الحقوقية أكثر من مجرد أطراف فاعلة، فهي مفاتيح لحماية المكتسبات وتوجيه مسار الدولة نحو الاستقرار، وضمان أن لا تتحول الأزمة الاقتصادية أو السياسية إلى أزمة شرعية تهدد أساس الديمقراطية.

النقابات بين الإرث النضالي واستنزاف الدور التعديلي

لطالما كانت النقابات، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، عنصر توازن أساسي في المشهد التونسي، حيث لعبت دورًا حاسمًا في الحفاظ على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعمال، والمساهمة في حماية المكتسبات الديمقراطية خلال فترات الأزمات السياسية السابقة. اليوم، تواجه النقابات معضلة مركبة: الدفاع عن مطالب العمال وسط أزمة اقتصادية خانقة، إلى جانب الاستمرار في لعب دور سياسي يوازن بين المجتمع والدولة. في الأثناء، الانقسامات الداخلية تضعف قدرتها على التأثير بشكل واضح. بعض القيادات تميل إلى التراجع أمام السلطة، بينما يختار البعض الآخر المواجهة الصريحة، ما يخلق رسالة متناقضة للمواطنين. كما تحوم حول المركزية النقابية شبهات فساد وتعقيدات تنظيمية، تزيد من صعوبة الحفاظ على دورها التعديلي. وإذا أضيف إلى ذلك الضغوط السياسية والاقتصادية، فإن هذا قد يؤدي إلى فراغ سياسي واجتماعي يصعب تعويضه، ويضعف قدرتها على حماية المكتسبات وتحقيق المطالب الاجتماعية. ومع ذلك، تظل النقابات عنصرا أساسيا لتحقيق التوازن بين حقوق المواطنين واستقرار الدولة، لا سيما في ظل أزمة الثقة المستمرة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. نجاح النقابات في لعب دورها يعتمد على قدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية، وإعادة توجيه طاقاتها نحو الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية دون الانزلاق إلى الصراعات الحزبية أو الصراعات الشخصية.

الأحزاب السياسية: تمثيل هش ومشاريع غائبة

تواجه الأحزاب السياسية تحديات موازية، من ضعف التمثيل وتراجع الثقة الشعبية إلى غياب مشاريع واضحة ترتبط بالهموم الاقتصادية والاجتماعية لعموم المواطنين. تجربة السنوات الماضية أظهرت أن جزءًا من الأحزاب انزلق إلى منطق الصراع والتعطيل، ما ساهم في إرباك مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة بالممارسة السياسية. بعض الأحزاب حوّلت الخلافات الداخلية إلى أزمات حكم، مستنزفة الطاقات في معارك جانبية لا تخدم الإصلاح ولا تُعزز الاستقرار.

لم تعد الأحزاب أدوات تمثيل فعّالة بقدر ما أصبحت أحيانا عبئا على الانتقال الديمقراطي، إذ يتحول النقاش السياسي إلى سجال داخلي بعيد عن هموم المواطن اليومية. لذلك، أصبح من الضروري إعادة بناء الأحزاب على أسس شفافة، مع التركيز على برامج وطنية واضحة، لتعزيز شرعيتها واستعادة الثقة الشعبية. وبرامج سياسية واضحة ومرتكزة على حاجيات المواطنين الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تكون المفتاح للخروج من دوامة الاستقطاب والانقسامات.

الحركة الحقوقية: الدفاع عن المكتسبات واختبار الواقعية

لم تعد الحركة الحقوقية مقتصرة على المطالب النظرية، بل صار عليها ربط خطابها بالقضايا اليومية للمواطنين. الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية أصبح أولوية قصوى، لكن التحدي يكمن في تجنب الانزلاق إلى التوظيف السياسي أو الانحياز الحزبي للحفاظ على دورها كوسيط مستقل يحمي الحقوق ويرسخ الديمقراطية. وفي ذات السياق، العلاقة بين الحركة الحقوقية والمجتمع يجب أن تتحول إلى ممارسة فعلية وملموسة، عبر متابعة حاجيات المواطنين، والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وليس الاقتصار على الخطاب النظري أو البيانات العامة. وكل فشل في أداء هذا الدور يعيد إنتاج فجوة الثقة ويضعف قدرة المجتمع على حماية مكتسباته، ما يجعل الحركة الحقوقية جزءا أساسيا من التوازن السياسي والاجتماعي.

غياب التكامل: تشتّت الأدوار وتآكل الثقة

النجاح في حماية المكتسبات وبناء مستقبل ديمقراطي مستقر يعتمد على قدرة الفاعلين على تحقيق التكامل في أدوارهم الوطنية. وهذا التكامل بين النقابات والأحزاب وأيضا الحركة الحقوقية يتطلب بدون شك وضوح الحدود بين الفعل السياسي والاجتماعي، وأيضا الالتقاء حول أرضية وطنية تحمي الدولة وترسخ الديمقراطية وتضمن الحقوق والحريات. في المقابل، الفشل في هذا التكامل يؤدي بالضرورة إلى تشتت الجهود، وإضعاف الثقة، واستمرار الاحتقان الاجتماعي والسياسي. وعلى هذا الأساس، فإنّ النقابات مطالبة بدمج النضال الاجتماعي بالعمل السياسي العقلاني، والأحزاب بحاجة هي الأخرى إلى مشاريع واضحة وشفافة، ولا ننسى الحركة الحقوقية التي عليها ربط خطابها بالقضايا اليومية للمواطنين. هكذا يصبح الفعل الاجتماعي والسياسي متكاملا ومسؤولا، خاصة عندما يدرك كل طرف من هذه الأطراف أنّه يحتاج إلى مراجعة نقدية شجاعة لإعادة الاعتبار لقيم المواطنة والعمل الوطني الجاد.

الديمقراطية كممارسة لا كشعار

إنّ غياب مظاهر التحديث السياسي في ظل أنظمة تعيد إنتاج نفسها يؤدي إلى مزيد من التشظي والتخلف والتبعية، واستدامة تدهور الأوضاع المعيشية، ما يجعل الشعب أقل تقبّلا للتبريرات ويطالب دائما بالعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية الفعلية. وكلما آثرت النخب السياسية المصالح الحزبية الضيقة، وابتعدت عن الفعل الوطني الجاد، فإنها تُضعف المشروع الوطني الجامع وتكرّس الانقسام وتزيد من حدة الاستقطاب والتباعد. بناء الديمقراطية لا يتحقق بالشعارات أو الخطابات المنفصلة عن الواقع، بل بممارسات مسؤولة ومؤسسات فاعلة وقوى وسيطة تدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في خدمة المجتمع لا في الهيمنة عليه. المشاركة الفعلية للمواطنين، وضمان حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، هي أساس القدرة على حماية مكتسباتهم ومنع أي انتكاسة ديمقراطية. بهذا المعنى فإنّ التكامل بين الدورين الحزبي والنقابي يقتضي وضوح الحدود بين الفعل السياسي والفعل الاجتماعي، والالتقاء حول أرضية وطنية قوامها حماية الدولة، وترسيخ الديمقراطية، وضمان الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما يفترض هذا التكامل الإيمان بأنّ الانتقال الديمقراطي ليس مجالاً للمزايدة أو لتصفية الحسابات، بل هو مسار تراكمي يتطلب التوافق، والمسؤولية، وتغليب منطق الدولة على منطق الغنيمة.

تونس عند مفترق الطرق: استعادة المعنى أو تعميق الأزمة

تونس اليوم على مفترق طرق، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع الاحتقان السياسي والحقوقي، وتزداد الضغوط على النقابات والأحزاب. الاستمرار في دوامة الاستقطاب يُرهق المجتمع ويضعف الثقة بالمستقبل. وبالتالي الخيار الأنسب يعتمد على قدرة الفاعلين على تجاوز المصالح الضيقة وقراءة المشهد بواقعية وشجاعة. النقابات مطالبة بربط المطالب الاجتماعية بالعمل السياسي العقلاني ما دامت تعتبر أن لا فصل بين النقابي والسياسي. والأحزاب بحاجة إلى مراجعة برامجها واستعادة الشرعية الشعبية التي فقدتها بشكل واضح منذ سنوات، بينما الحركة الحقوقية ملزمة بالارتباط اليومي بقضايا المواطنين. في المحصلة، الفشل ليس مجرد تراجع عن مكتسبات، بل خطر مباشر على الديمقراطية نفسها. تونس ليست مجرد ساحة صراعات، بل تجربة حية لقدرة المجتمع على حماية حقوقه وبناء مستقبله الديمقراطي، وتكريس المواطنة الفعلية، وضمان العدالة الاجتماعية والتعددية السياسية أملا في غد أفضل لهذا الشعب.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here