هالة بن يوسف، نائبة رئيس الأممية الاشتراكية للنساء
أفريقيا برس – تونس. في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكمن الخطر الحقيقي في الخصم المعلن، بل في الصمت المريح، والحياد المزيّف، وفي السبات الذي تتدثّر به النخب حين يُطلب منها أن تقول كلمة حق. ما تعيشه تونس اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة إدارة أو حوكمة، بل هو في جوهره أزمة وعي ومسؤولية، تتجلّى في انسحاب فئات واسعة من النخب السياسية والفكرية إلى ما يشبه السبات الاختياري، وكأنها اختارت أن تكون من أهل الكهف خارج الزمن، تراقب من بعيد، وتنتظر أن تمرّ العاصفة دون أن تمسّها.
لكنّ الأوطان لا تُبنى بالانتظار، ولا تُصان بالانسحاب من الواجب.
إنّ مفهوم المواطنة لا يتجزّأ، والمسؤولية تجاه الوطن لا تُختزل في موقع رسمي أو صفة انتخابية. كل فرد معنيّ بما يجري في بلاده، كلٌّ من موقعه، غير أنّ النخبة – بحكم المعرفة، والمكانة، والتأثير – تتحمّل مسؤولية مضاعفة. فالصمت، حين تتوفّر أدوات الفهم والتحليل، لا يُعدّ حيادًا، بل تخلّيًا عن الواجب العام.
لقد تحوّل الخوف لدى البعض من حالة إنسانية طبيعية وعابرة إلى شعور سلبي مُقيم، ومن إحساس بالحذر إلى منطق حياة قائم على الانكفاء والتبرير. لم يعد الخوف دافعًا للتفكير أو التحسّب المسؤول، بل صار حزنًا مستبطنًا واستسلامًا صامتًا، يبرّر القبول بالرداءة، والتعايش مع التدهور، وتطبيع الانحدار.
غير أنّ التاريخ لا يعترف بمن اختار السلامة الفردية على حساب المصلحة الجماعية. فالأمم لا تسقط فجأة، بل تُنهكها تراكمات الصمت، وتُستنزف حين يتخلّى عقلاؤها عن دورهم.
لقد آن الأوان أن تخرج النخب من كهفها، وأن ينتهي زمن السبات الاختياري، وأن يُستعاد دورها الحقيقي بوصفها قوة اقتراح ونقد وبناء، لا مجرّد شاهد صامت على التفكّك.
تونس اليوم في حاجة إلى ورشة إعادة بناء شاملة: بناء الإنسان قبل الخطاب، وبناء الثقافة الديمقراطية قبل القوانين، وبناء ديمقراطية تشاركية حقيقية.
أمّا الرهان الأكبر، فهو على الأجيال القادمة. غير أنّ العلاقة معها لا يمكن أن تكون علاقة تلقين أو وصاية، بل علاقة حوار وتواصل وبناء مشترك.
ختاما، ليس المطلوب اليوم بطولة فردية ولا مواقف استعراضية، بل عودة صادقة إلى المعنى: معنى الالتزام، ومعنى المسؤولية، ومعنى أن يكون المرء شاهدًا لا متفرّجًا، فاعلًا لا صامتًا.
إنّ تونس لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى شجاعة أخلاقية تعيد وصل القول بالفعل، وتخرج من منطق التبرير إلى أفق الفعل.
لقد حان وقت الاختيار.





